تعاملت وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية مع انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي وكأنها الانتخابات الرئاسية الأمريكية. فالصحف الأمريكية المعروفة، مثل «نيويورك تايمز» و«نيويورك بوست»، صدرت بعناوين ومانشيتات وصور تصف فوز الحزب الديمقراطي بالأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ بأنه «التسونامي الأزرق الذي يغرق ترامب»، واعتبرت «نيويورك تايمز» أن نتيجة الانتخابات تعني أن «الشعب الأمريكي يرفض ترامب».
كانت الانتخابات التشريعية استفتاءً شعبيًا على فترة رئاسة الرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري خلال العامين الماضيين، وقراءةً لمستقبل متوقع للفترة القادمة من حكم ترامب حتى موعد الانتخابات الرئاسية عام 2028. وكانت الخسارة أو الهزيمة عنوانًا عريضًا لفشل سياسات ترامب داخليًا وخارجيًا.
السياسة الخارجية والداخلية المضطربة والمرتبكة لإدارة ترامب خلال العامين الماضيين، إلى جانب السمات والصفات الشخصية للرئيس الأمريكي نفسه، الذي اتسم بالغرور والعجرفة والتصريحات المتناقضة والدخول في مغامرات غير محسوبة، كانت من أهم الأسباب التي دفعت الناخب الأمريكي إلى التصويت لصالح الحزب الديمقراطي، بشعاره الانتخابي وهو الحمار الملون بالأزرق، في مواجهة الفيل الأحمر، شعار الحزب الجمهوري.
ترامب دفع ثمن غروره ومغامراته وحروبه غير المبررة اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا، واعتقاده بأنه «أمريكا وأمريكا أنا»، على غرار المقولة الشهيرة للويس السادس عشر، فواجهه الشعب الأمريكي بالتسونامي الأزرق، وصوّت للحزب الديمقراطي في معظم الولايات، حتى تلك التي كانت محسومة للجمهوريين منذ عقود، في رسالة رفض واضحة لسياسات إدارة ترامب. فلأول مرة منذ 1991، تنتخب ولاية تكساس الجمهورية مرشحة ديمقراطية لمنصب الحاكم، حيث فازت جينا هينوجوسا على الحاكم الحالي جريج أبوت، وأصبحت أول لاتينية تحكم الولاية في التاريخ. ويُعد أبوت حاكمًا للولاية منذ عام 2015، وخاض السباق من أجل ولاية رابعة. ولم تكن تكساس وحدها، فقد خسر الجمهوريون سباقات انتخابية حتى في ولايات تُعتبر من معاقلهم التقليدية، ومنها كانساس وكنتاكي وأيوا وأوهايو وساوث كارولينا.
التسونامي الأزرق الديمقراطي غير المسبوق منذ 28 عامًا انفجر في وجه ترامب والجمهوريين، وضرب بعنف في البنية السياسية والاجتماعية الأمريكية، رغم كل محاولات ترامب لتقويض الديمقراطية الأمريكية والتلاعب بانتخابات التجديد النصفي للكونجرس، من خلال إعادة رسم حدود الدوائر الانتخابية بصورة متطرفة لخدمة المصالح الحزبية، وترويج ادعاءات كاذبة عن تزوير الانتخابات، والسعي إلى عرقلة التصويت بالبريد، وغير ذلك من الإجراءات.
على مستوى الداخل الأمريكي، سوف تشكل نتائج الانتخابات التشريعية الأمريكية حائط صد وحاجزًا منيعًا أمام تصرفات وسلوكيات ترامب. فسوف تمنح الديمقراطيين القدرة على التحقيق في ممارسات الفساد وانتهاكات القانون المنسوبة إليه، وتمرير تشريعات تطرح بديلًا لأجندته التي تأتي بنتائج عكسية. ويمكن بالفعل استشعار التغيير الذي طرأ على البلاد، وهو تغيير سيتجسد بصورة ملموسة في يناير المقبل. فالكونجرس الجديد لن يبدأ عمله قبل 3 يناير المقبل.
ورغم التخوفات، فإن نتائج الانتخابات اعتبرها الأمريكيون «انتصارًا للديمقراطية» ورسالة سياسية واضحة إلى ترامب وحزبه الجمهوري. فالفوز بأغلبية مقاعد مجلس الشيوخ يُعتبر تحولًا دراماتيكيًا قد يعيد رسم موازين القوى السياسية في الولايات المتحدة خلال العامين القادمين. وربما تصبح قدرة ترامب على تمرير أجندته السياسية أقل بكثير، وقد يتحول عمليًا إلى رئيس محدود النفوذ، أشبه برئيس فخري خلال السنتين المتبقيتين من ولايته، وإن ظل محتفظًا بصلاحياته الدستورية. وكما تناولت بعض الصحف، فإنه سوف يصبح مثل «البطة العرجاء» داخل البيت الأبيض، حسب التعبير الأمريكي.
الأمريكيون، أو الجيل الجديد، يعتبرون ما حدث بالأمس يومًا تاريخيًا وتحولات غير متوقعة، فقد وجه الأمريكيون والجيل الجديد من طلاب الجامعات لطمة قوية ورسالة جلية لسياسات ترامب الداعية إلى الانقسام والكراهية والحرب والتراجع عن القيم الديمقراطية الأمريكية، وتراجع صورة أمريكا كزعيمة للعالم الحر.
لم يدرك ترامب أنه منذ عام 2023 حدث تغيير وتحول اجتماعي وفكري وثقافي هائل في شريحة كبيرة داخل المجتمع الأمريكي، بسبب السياسات الخارجية لترامب وانعكاسها على الأوضاع الداخلية.
ولأول مرة، تتداخل السياسات الخارجية مع الأوضاع الداخلية في التأثير على العملية الانتخابية الأمريكية. فالحرب على إيران وحرب الإبادة على غزة والسياسات الداعمة لإسرائيل بلا حدود، بالمال والسلاح والغطاء السياسي، كانت حاضرة في انتخابات التجديد النصفي، وخرجت بعض عناوين الصحف تذكّر ترامب بأن الحرب العبثية كانت السبب في خسارة ترامب والحزب الجمهوري: «إنها الحرب أيها الأحمق».
حرب غزة والقضية الفلسطينية كان لهما حضور لافت في الانتخابات الحالية، وكانت القضية الرئيسية ذات التأثير على عملية التصويت، تجسيدًا لما حدث من مظاهرات ضخمة شهدتها الجامعات الأمريكية احتجاجًا على حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، ورفض السردية الإسرائيلية. وشعر المجتمع الأمريكي بمسؤولية أخلاقية وإنسانية تجاه الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والأراضي المحتلة. كانت غزة في قلب المعركة الانتخابية الحالية وسببًا في هزيمة الجمهوريين وسياسات ترامب تجاه القضية الفلسطينية.
الحرب في غزة دفعت أعدادًا كبيرة من الشباب الأمريكي إلى الانخراط في النقاش العام والتنظيم السياسي والعمل الانتخابي. وتحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات للنقاش والحشد والتعبئة، وأصبح الملف الفلسطيني جزءًا من الهوية السياسية لجيل كامل من الناخبين الجدد.
ولم تقتصر التعبئة على الشباب وحدهم، فقد لعبت القضية الفلسطينية دورًا في إعادة تنشيط مشاركة الأقليات المختلفة. فالعرب الأمريكيون والمسلمون الأمريكيون وجدوا أنفسهم أمام قضية تمس بشكل مباشر اهتماماتهم السياسية والثقافية، ما أدى إلى زيادة النشاط الانتخابي في العديد من الولايات المهمة. كما أن قطاعات من الأمريكيين الأفارقة والأمريكيين من أصول لاتينية أبدت اهتمامًا متزايدًا بالقضية من منظور الحقوق المدنية والعدالة والمساواة، وهي قضايا ترتبط تاريخيًا بخطاب الحزب الديمقراطي.
الحرب على إيران أيضًا كانت حاضرة، وكذلك تأثيرات تلك الحرب على الأوضاع الاقتصادية الداخلية وأسعار الوقود والتضخم وارتفاع أسعار السلع الغذائية.
نتائج الانتخابات التشريعية الأمريكية ستظهر تأثيراتها خلال الأسابيع والأيام القادمة على المشهد السياسي العالمي والإقليمي.
لكن يبقى الخوف من مغامرة غير محسوبة لإدارة ترامب وإشعال المنطقة بحرب جديدة على إيران، فالكونجرس الجديد لن يبدأ عمله قبل 3 يناير المقبل، وبالتالي فإن الشهرين القادمين هما الأصعب، مع إمكانية قيام ترامب بتصرفات ترضي غروره، ومحاولة تحقيق أي انتصار يعيد الثقة في الحزب الجمهوري قبل أن يتولى الديمقراطيون دفة القيادة في المجلس التشريعي.
