اخبار البلد ـ تتفاقم أزمة الصحافة الورقية في الأردن بشكل مستمر ومتسارع، حتى أصبحت أعرق وأقدم الصحف غير قادرة على سداد الرواتب لموظفيها، بينما اضطرت إحدى الصحف لتقليص أيام صدورها إلى خمسة أيام فقط، بعد شهرين متواصلين من قرار حكومي بمنع طباعة وتوزيع الصحف، بشكل قاطع على اعتبار أنها «مصدر محتمل لفيروس كورونا».
الصحف الأردنية تعاني أزمة مالية خانقة منذ ما قبل كورونا، لكنها تفاقمت فقط في الشهور الأخيرة، فمطلع العام الحالي اضطرت جريدة «السبيل»، وهي أكبر وأشهر صحف المعارضة، إلى التوقف عن الصدور والتحول إلى موقع إلكتروني، وقبلها توقفت صحيفتان يوميتان، وقبلها بسنوات انهارت جريدة «العرب اليوم» التي كانت أشهر الصحف في الأردن وأوسعها انتشاراً. أزمة الصحف الأردنية إذن لا علاقة لها بفيروس كورونا، الذي قلب العالم بأكمله رأساً على عقب، وإنما بدأت قبل سنوات، كما أنها أزمة مالية في الأساس، مردها الانهيار الكبير في حجم الإعلانات وحجم المبيعات، ما دفع أحد الصحافيين إلى القول، إن «بعض الصحف في الأردن وصلت مبيعاتها إلى الصفر»، حيث لم تعد تجد ولو قارئاً واحداً يدفع من ماله 25 قرشاً لشرائها.
واقع الحال أنه لا يوجد أي هيئة أو مؤسسة في الأردن (بما في ذلك نقابة الصحافيين) تقوم بمراقبة توزيع ومبيعات الصحف، وإعلان الأرقام للجمهور، كما هو الحال في العديد من دول العالم، ما يعني أن الأرقام الحقيقية للتوزيع والمبيعات تظل مجهولة، لكن مقارنة مع دولة مثل بريطانيا، فإننا نجد أن الصحيفتين الأوسع انتشاراً، وهما «ديلي ميل» و»الصن»، توزع كل منهما قرابة مليون نسخة يومياً، على الرغم من أن المتغيرات التي شهدها العالم، وأثرت في وسائل الإعلام هي ذاتها في كل مكان، ابتداءً من ظهور الصحافة الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، ووصولاً إلى انتشار فيروس «كورونا» الذي تسبب بإغلاق شامل. وبينما تتصاعد وتيرة المطالبات في الأردن بتقديم دعم مالي حكومي للصحف اليومية الكبرى، بما يؤدي إلى إنقاذها من الانهيار، فإننا نجد أن الكثير من الصحف المستقلة في العالم، وجدت طريقها للتأقلم مع الواقع والمستجدات، والبقاء على قيد الحياة، ففي بلد مثل بريطانيا يبلغ عدد السكان 67 مليون نسمة، يشترون مليوني نسخة يومياً من الصحيفتين الأوسع انتشاراً، وهو ما يعني أن كل 33 شخصاً يكون بحوزتهم كل صباح إما «الصن» أو «ديلي ميل»، فضلاً عن الصحف الأخرى التي تبيع مئات آلاف النسخ بطبيعة الحال، مثل «التايمز» و»الغارديان» و»ديلي إكسبيرس» و»ديلي ميرور» و»ديلي تلغراف»، وغيرها.
الحل الوحيد لأزمة الصحف في الأردن هو الكتابة في الشأن الذي يهم الناس والابتعاد عن أي تدخل
الحقيقة أن الحل لأزمة الصحف في الأردن ليس في تقديم تمويل حكومي جديد لها، وإنما عكس ذلك تماماً، حل الأزمة يبدأ برفع السلطات الحكومية يدها تماماً عن المؤسسات الصحافية والتخلي عن حصصها وملكياتها في هذه الصحف، بما يؤدي إلى تركها تعمل بحرية أكبر، وسقف أعلى، ويتيح لها تبعاً لذلك أن تنافس وسائل الإعلام الأخرى، وهو ما يعيد القارئ إليها ويجعله يجد فيها الوجبة الصحافية، التي لا يجدها في أي مكان آخر، وهذا يعني بالضرورة أن القارئ يعود لشراء هذه الصحف فتعود للانتشار الواسع، ومن ثم يعود إليها المعلن بالضرورة. هذه المعادلة هي التي تجعل الصحف الورقية في بريطانيا وأمريكا وأوروبا، لا تزال على قيد الحياة، بل يزداد توزيعها ويتسع انتشارها ويتعاظم تأثيرها، كلمة السر الوحيدة هنا، أن «القانون يحظر على الحكومة امتلاك وسائل الإعلام»، ما يعني أن السلطة السياسية تقف على الحياد، والصحافيون يعملون بحرية لتقديم مادة إعلامية محترمة للقارئ، فيرد القارئ بأن يشتري هذه الصحف ويتابعها، بل إن الذين يفضلون قراءتها إلكترونياً على الإنترنت يدفعون المال مقابل ذلك. وبالمناسبة فجريدة «التايمز» مثلاً لديها نحو مليون مشترك في موقعها الإلكتروني فقط، يدفع كل منهم 26 جنيهاً استرلينياً شهرياً نظير هذا الاشتراك، عدا عن مشتري النسخة المطبوعة، وعدا عن إيرادات الإعلان.
في اليوم التالي لوفاة الرئيس محمد مرسي صدرت الصحف اليومية الثلاث في الأردن خالية من أي خبر عن الرجل، في الوقت الذي كان فيه الأردنيون منشغلين بالحديث عنه على شبكات التواصل الاجتماعي، وفي المجالس العامة. في ذلك اليوم نشرت إحدى الصحف عنواناً عريضاً عن «سياحة المغامرات»، وكأن الأردنيين ملّوا من السياحة في سويسرا وفرنسا، وضجروا من الاصطياف في جنوب إسبانيا، ولم يعد ينقصهم سوى تقديم أفكار جديدة عن «سياحة المغامرات».. المهم أنَّ هذه الصحيفة ذاتها لم تعد اليوم قادرة على دفع الرواتب لصحافييها وموظفيها.
الحل الوحيد لأزمة الصحف في الأردن هو الكتابة في الشأن الذي يهم الناس وليس في «سياحة المغامرات»، والكتابة باستقلالية وحياد ونزاهة، والابتعاد عن أي تدخل سواء كان من الحكومة أو من الشخصيات المتنفذة أو الشركات أو رأس المال. والصحافيون الأردنيون قادرون على تقديم المفيد والمهم عندما تتاح لهم الفرصة وتتوفر لهم البيئة المناسبة.