اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

مفارقات العنصرية

مفارقات العنصرية
أخبار البلد -  

ذات مرة، قدِم إلى إحدى الجامعات الأردنية أستاذ أميركي زائر لتدريس مساقات في الأدب. وبدا مظهره منذ الوهلة الأولى متنافراً مع فكرة الأدب. كان ضخماً مفتول العضلات، جاء ليحاضر ببدلة عسكرية مموهّة، وعرّف عن نفسه بأنه ضابط في البحرية الأميركية (المارينز). وكان أميركياً من أصل أفريقي، لكنه أظهر منذ المحاضرة الأولى أنه ينطوي على نزعة مفرطة في الفوقية تجاه العرب. لم يتكلف عناء إخفاء ازدرائه بينما يُعرِّف الطلاب بأنفسهم بناء على طلبه، وعلّق من موقع المهيمِن الذي لا ينازع.

وعندما تحدث، بدا بوضوح أن مساقه سيكون مسرحاً للصدامات بينه وبين الطلبة، وتحفزتُ شخصياً للانخراط. لكنّ الجنرال لم يبقَ طويلاً، لحسن الحظ. سمعنا أنه ضرب بيده على طاولة رئيس القسم وصرخ به معترضاً على شيء لم يعجبه، واشتكى الرئيس فتخلصت الجامعة من الزائر بطريقة ما.
كان انطباعي هو الاستغراب: كيف يحدث أن أميركياً-أفريقياً، يتعامل هنا هكذا؟ إننا نفترض أن هؤلاء الناس «أبناء عم» cousins، كما يتخاطب «الملونون» في أميركا.

ويُفترض أن هؤلاء الناس يتقاسمون مع الشعوب الفقيرة خبرة مجابهة الاضطهاد والتمييز العنصري. وفكرتُ في حركات السود الأميركيين التي تتعاطف وتتواصل مع حركات التحرر العالمية.
قبل أيام أيضاً، انتشرت صورة لشرطي أميركي أسود يعتقل شاباً أبيض يرتدي قميصاً كُتبت عليه عبارة «أرواح السود تهُمّ». وكانت الصورة، كما علق المعظم، تجسيداً للمفارقة: الأبيض يحتج من أجل السود، والأسود يعتقله.
الكثير من السود و”الملونين”، وحتى بعض العرب- المسلمين- الأميركيين، كانوا أيضاً في كتائب القوات الأميركية الغازية في العراق وأفغانستان، وتصرفوا في تماهٍ تام مع نزعات مؤسستهم الإمبريالية التفوقية. ولماذا نذهب بعيداً؟ ثمة عرب –دول أو ثقافة مجتمع- يزدرون عرباً آخرين ويعاملونهم بعنصرية مشابهة، على أساس «الجنسية» ومعها امتيازاتها المادية. وقد تصل مسائل العرب مع العرب إلى مصادرة الإرادة –أو حتى التدخل العسكري.
في كل هذه التكوينات، ثمة تراتُب في العنصرية.

نفس الكيان الذي يمارس شكلاً العنصرية هنا يكون هو نفسه ضحية للعنصرية هناك. النظام الاستبدادي المتفوق هنا يكون هزيلاً ومستلباً أمام استبدادٍ تفوقي أعلى. والفرد كذلك. ويبدو أنه كلما زاد الاضطهاد الذي يتعرض له التكوين المعيَّن، زادت معه رغبته في تفريغ الأزمة في مَن يصادف أنهم أضعف منه. حتى أنهم فسروا ظاهرة «النساء الجهاديات» في سورية بأنهن نتاج الاضطهاد الذكوري الذي أفرغنه في كل شخص أعزل. وكذلك أشد الجلاوزة قسوة في المعتقلات.
بالتأكيد هناك أيضاً ذلك النوع من التفريغ الإيجابي المتعاطف، حين لا يرغب الكيان المضطهد في التناسي والنظر إلى أسفل دون الأعلى، ويفكر بأن الطريقة النهائية لإنهاء الاضطهاد هي المقاومة، وينخرط في معسكر أصحاب القضية المشتركة. بل إن قلة من ذوي الامتيازات ربما يتخلون عنها طوعاً وينضمون إلى معسكر كان يمكنهم البقاء خارجه – ولو حياديين على الأقل. لكنّ هذا ليس هو الاتجاه السائد في الخبرة البشرية على ما يبدو.

ولذلك، ما يزال الهرم قائماً حيث قلة الفاعلين في الأعلى، والكثرة التي تزداد اتساعاً كلما اقتربت من القاعدة العريضة.
عندما تكون في القاع، تتجمع كل مستويات العنصرية ضدك ويصبح الكل فوقاً والأرض وحدها تحتك. وحتى لو انطوى المرء هناك على عنصرية أو نرجسية، فإنه لا يمتلك الأدوات لنقل هذه النزعة من الوجود بالإمكان إلى الوجود في العالم.
عندما ثار الشارع الأميركي في أعقاب حادثة مقتل فلويد، نظر الكثيرون منا إلى الاضطرابات في أميركا كفرصة ربما لتغيير داخلي في نوعية السلطة -وإنما أيضاً كفرصة لانهيار أميركا كقوة لها هويتها المعروفة من العنصرية والتفوقية التي نعاني منها بين من يعانون. ولو تقوضت الهيمنة الأميركية، فإن السود وكل الآخرين المعروفين بـ”الملونين” الذين يشكلون جزءاً من التكوين الأميركي سيتضررون– من إحدى الزوايا.

ومرة أخرى سيعمل التناقض المربك في المستوى الذي يرغب المرء في التماهي معه من القضية الإنسانية؛ مستوى الطبقة المضطهدة أم التكوين النهائي الذي تشكل جزءاً منه، والذي جسده أستاذ «المارينز المذكور».
في النهاية، سيكون التخلص من العنصرية بكل طبقاتها ومفارقاتها جزءاً من التصور الطوباوي الذي لم يتجاوز حدود التأملات المحلّقة، وسوف يبقى جزءاً تفاعلات الحرب التي تشنها البشرية على نفسها منذ الأزل، وحتى الأبد.

 
شريط الأخبار بينهن خليجية.. 5 نساء كسرن احتكار الرجال لرئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة ايران تتوعد امريكا: أسلحة جديدة وأهداف غير مسبوقة ستفاجئ العالم طقس معتدل الثلاثاء وانخفاض طفيف على الحرارة الأربعاء 763 غطسة خلال 15 عاماً.. ياباني يبحث عن زوجته التي ابتلعها التسونامي اعلان صادر عن وزارة التربية وتنمية الموارد البشرية وفيات الثلاثاء 22-9-2026 تطبيق "سند" ضمن أفضل 15 مبادرة حكومية عالميًا الحرس الثوري يسقط مسيّرة أمريكية بهرمز وترمب لا يستبعد استئناف الهجمات نقابة أصحاب مكاتب الاستقدام واستخدام العاملين في المنازل تنعى شقيق عضو الهيئة العامة عبد الرحيم الحوامدة مقال نقدي لليساري المخضرم بسام حدادين حول مؤتمر حزب الأمة الإخواني الشرق الأوسط للتأمين تضيف بُعدًا جديدًا للتأمين البحري عبر أول برنامج مكافآت من نوعه في الأردن العبدلي يرعى ماراثون Amman Road Runners دعمًا للرياضة والمشاركة المجتمعية الملك يلتقي رئيس المجلس الأوروبي على هامش اجتماعات الأمم المتحدة وزارة العمل: أكثر من ألف عاملة منزلية مبلّغ عن هروبها منذ بداية 2026 أربع شبكات أميركية كبرى تعلن وقف التغطيات المشتركة لأخبار ترامب تضامنا مع "سي إن إن" كم من المتوقع أن يبلغ إنتاج زيت الزيتون في الموسم الحالي؟ إدارة السير: 5 آلاف رسالة عبر خدمة "الإبلاغ عن مخالفة" في سند خلال 10 أيام وفاة الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم شقيق حاكم دبي 458 مستوطنا يقتحمون المسجد الأقصى محافظ البنك المركزي يفتتح اعمال المؤتمر العربي الإقليمي حول دعم التنمية والاستثمار في سوريا