طالعنا الأستاذ سلامة الدرعاوي قبل أيام بمرافعة عزّ نظيرها في الدفاع عن شركة لافارج، متعمداً القفز عن حقائق كثيرة كان من واجبه ـ ككاتب وليس كمحام ـ أن يذكرها حتى يتمتع مقاله بالحد الأدنى من المصداقية والموضوعية، وعدم الإنحياز لشركة حققت أرباحاً فاحشة على حساب الوطن والشعب والدولة، وهي الآن تريد أن تستحوذ على مساحات شاسعة من أراضي الفحيص التي لم تدفع ديناراً واحداً ثمناً لها، بالرغم من انها استملكت بغالبيتها العظمى للمنفعة العامة. ولا نريد أن ننبش الماضي ونُذكّر بأن جزءاً كبيراً من الاستملاكات بداية خمسينيات القرن الماضي كانت قسرية وفرضت فرضاً على أهالي الفحيص.
يتحدث الاستاذ الدرعاوي عن «ظروف استثنائية غير طبيعية» تمر بها شركة لافارج، ويتحدث عن «خسائرها» وعن «ضغوطات مختلفة» إلخ… بحيث لم يبق للقارئ الذي يخفي عنه الاستاذ الدرعاوي الحقائق إلّا أن يذرف دموع الشفقة على شركة لافارج !!
1) ينسى أو يتناسى الكاتب بأن لافارج حصلت من خلال عملية الخصخصة على شركة مصانع الإسمنت الأردنية بقضّها وقضيضها مقابل مبلغ لا يتجاوز ال 72 مليون دينار، في حين أن قيمة المصنع وممتلكاته كانت تتجاوز آنذاك ال 500 مليون دينار !
2) ينسى الكاتب أو يتناسى بأن لافارج احتكرت بيع مادة الإسمنت في السوق لمدة تزيد عن العشر سنوات؛ وحال تمكنها من الشركة عام 1998 رفعت سعر الطن من 40 إلى 100 دينار .. وحققت بدون وجه حق أرباحاً فاحشة بلغت ارباحها الصافية، على سبيل المثال، عام 2001 ما يقارب المئة مليون دينار. وغني عن البيان أن هذه الأوضاع ما كان لها أن تمر لولا شبهات الفساد التي رافقت عملية الخصخصة، وهو الامر الذي وضّحه تقرير اللجنة الملكية لتقييم التخاصية عام 2014 برئاسة د. عمر الرزاز. وبناء على ما ورد في هذا التقرير رفع أهالي الفحيص شكوى إلى هيئة مكافحة الفساد في حزيران 2017.
3) من الطبيعي أن تتراجع أرباح شركة لافارج عندما وُضع حد للإحتكار، وأصبح هناك أربعة مصانع أخرى تنتج مادة الإسمنت في الأردن منذ تسع سنوات ؛ إن تراجع أرباحها يعود الى التنافسية التي لم تصمد أمامها لافارج، وليس بسبب «عدم معالجة المشاكل»، أو «الضغوطات» كما يزعم الكاتب.
4) لم يمض على إغلاق مصنع الفحيص خمس سنوات كما يزعم الكاتب، بل ما يزيد قليلاً عن السنتين فقط. فقد اعلنت لافارج عن نيتها إغلاق المصنع منتصف عام 2015، وأوقف الإنتاج فعلاً منتصف 2016. وبدلاً من العمل على تفكيك المصنع ورحيله كما وعدت لافارج (وهو ما ينتظره أهالي الفحيص بفارغ الصبر منذ عقود)، لا تزال الشركة تجدد رخصة المصنع كل عام وتعلن عن إنشاء شركة عقارية للمتاجرة بأراضي الفحيص ! وهذا يعني واحداً من أمرين : أما أن لافارج غير جادة في ترحيل المصنع، أو انها تريد أن تشعر أهالي الفحيص بأن المصنع لا يزال قائماً بهدف ممارسة الضغوط عليهم. وإذا كان المصنع لا يزال قائماً قانونياً من وجهة نظر لافارج )بالرغم من توقف الإنتاج عملياً) ـ بدليل تجديد الرخصة كل عام ـ فهذا يعني بأنها ملزمة بإستمرار دفع الرواتب والتأمينات إلى الموظفين العاملين لديها. ومن المضحك فعلاً أن نسمع اسطوانة أن «الشركة غير قادرة على إعادة هيكلة القوى العاملة لديها» ؛ في حين ان الإسطوانة الشائعة أكثر هي لجوء الشركات إلى تسريح العاملين لديها بحجة «إعادة الهيكلة» التي يتيحها قانون العمل الأردني للشركات (المادة الشهيرة 31(
5) مثلما يورد الكاتب معلومات غير دقيقة عن إغلاق المصنع يبالغ أيضاً في المبالغ التي أقرتها المحاكم الأردنية لكي تدفعها لافارج إلى مواطني الفحيص تعويضاً عن الأضرار البيئية والصحية التي الحقها المصنع بهم على مدى عشرات السنين. فقد حكمت المحاكم بما قيمته 5 ملايين دينار كتعويضات وليس 36 مليون دينار. ولا نعرف كيف عرف الكاتب قيمة تعويضات القضايا التي لا تزال منظورة في المحاكم وهي لم يبت فيها بعد (43 مليون دينار)، علماً بان المعلومات الأخيرة المتوفرة تفيد بأن المحاكم قد «جمّدت» البت بالعديد من القضايا!
6) ونأتي إلى حكاية « الفرصة الإستثمارية العصرية الضائعة» بسبب «سكوت الحكومة وتقلبات مواقف البلدية» (كذا !!). لقد سبق وأن نشرت التفاصيل الكاملة حول ما يسمى ب «مشروع لافارج» والذي ولد ميتاً، بالرغم من وقوف بعض المسؤولين في الحكومات السابقة إلى جانبه، وذلك ببساطة لأنه مشروع وهمي يريد أن يخدع الفحيص بالحصول على «تنظيم الأراضي» من بلدية الفحيص أولاً لكي تتمكن لافارج بعد ذلك من بيعها إلى «مطوّر» بأسعار خيالية… وهذا «المطوّر» المجهول هو الذي سينفّذ المشروع… أي كانت لافارج تريد بيع الفحيص سمكاً وهو لايزال في البحر، علماً بأن «المشروع الاستثماري» لا يأخذ بعين الإعتبار حقوق ومصالح الفحيص وتطورها الإقتصادي والإجتماعي المستقبلي، ويقفز عن الإستحقاقات المفروضة على لافارج بموجب القوانين النافذة كدراسة الأثر البيئي وإعادة تأهيل الأراضي والتعويضات المستحقة للبلدية إلخ… لكن أهالي الفحيص ومؤسساتهم العشائرية والمدنية وقفوا بالمرصاد لهذه الخديعة وأحبطوا محاولات لافارج الإستحواذ على أراضٍ شاسعة لم تدفع فيها ديناراً واحداً، وتريد أن تحصد من ورائها مئات ملايين الدنانير، متجاهلة معاناة أهالي الفحيص من جراء تلوّث المصنع عبر 65 سنة.
وفي سياق تلك المحاولات كانت الضغوط تمارس على بلدية الفحيص وأهالي الفحيص، وليس على لافارج كما يريد الدرعاوي ان يوحي في مقاله. أخيراً نبشّر الكاتب بأن الفحيص الرائدة، درّة الأردن، قادرة على استثمار الأراضي ـ قريباً جداً ـ بما يخدم الأردن واقتصاده خدمة عظيمة تليق بهذا الوطن الغالي. هناك الكثير من الحقائق والوقائع الأخرى التي لا يتسع المجال لذكرها، والتي تذهب بإتجاه معاكس لمعظم ما أورده الأستاذ الكاتب الذي نتمنى عليه أن يكون موضوعياً ومتوازناً في مقالاته، ولا نريد أن نقول أكثر من ذلك.
أخيراً نؤكد للكاتب الاستاذ الدرعاوي وللافارج بأن أهالي الفحيص، وفي مقدمتهم اللجنة الشعبية للدفاع عن أراضي الفحيص المقام عليها مصنع الإسمنت، مصممون على حماية حقوقهم ومصالحهم وهم يرحبون بأي استثمار يساهم في تطوير مدينتهم ووطنهم ويلتزم بالقوانين المرعية.
اللجنة الشعبية للدفاع عن أراضي الفحيص المقام عليها مصنع الإسمنت
الفحيص 15/10/2018
*ارسل هذا الرد الى موقع «المقر» بعد ايام قليلة من نشر مقال الاستاذ الدرعاوي. وقد نشر الموقع مقتطفات واسعة منه ؛إلّا انه لجأ الى حيل الكترونية لإخفاء الرد المجتزأ عن القراء. على سبيل المثال غيّر تاريخ نشر المقال من 10 تشرين الأول الى 10 أيلول لكي يضعه في خانة « المقالات القديمة» ! ولم يربطه مباشرة بالمقال الذي نشره الاستاذ سلامة الدرعاوي، كما انه حذف المقدمة التي تتهم الكاتب صراحة بالدفاع عن لافارج نظراً لأنه لم يقدم وجهة نظر متوازنة تأخذ بالإعتبار جميع عناصر الموضوع ـ كما سيلاحظ القارئ في رد اللجنة الشعبية.
مقالة الدرعاوي
لافارج والرَحِيل عن الأردن
بقلم سلامة الدرعاوي
لا أحد يُطالب الحكومة بالوقوف إلى جانب لافارج في قضاياها ضد أحد، لكن الحكومة مُطالبة بإنهاء هذه الحالة السَلبيّة ومعالجة المشاكل بشكلٍ متوازن وإعطاء الحق لأصحابه
شركةُ الإسمنت الاردنيّة "لافارج” تَعيشُ ظروفاً اِستثنائيّة غيرُ طَبيعيّة على الاطلاق، جَعَلَ من فكرةِ رَحِيلها عن الاردن بعد ٦٧ عاما من تأسيسها، تُراودُ الكثير من مَسؤوليها.
الشركةُ التي تجاوزت خسائرها ٧٥ بالمئة من رأسِمالها تَتَعرضُ اليوم إلى مَشهدٍ مأساويّ مُنذُ أكثرَ من ستِ سَنَوات، وَمَلَفُ الشركة يَتَنقِلُ بين أدراج المَسؤولينَ دونَ الوصولِ إلى حلٍّ لإِنقاذِ الشركة، واخراجُها من النفقِ المُظلم الذي وضعته الحكومات للشركة.
مَشَاكِلُ شركة لافارج في الأردن تُحبطُ أيّ مُستَثمرٍ أجنبيّ عندما يَسمعُ ويشاهدُ ما تَتَعرضُ له الشركة من ضغوطاتٍ مُختلفة، مقابل ايدي رسميّة تَرتجفُ لاِتخاذِ القرار العقلانيّ والسَليم الذي يَصبُ في المصلحةِ العامة.
مَن يُصدق أن مصنع الفحيص المُغلق مُنذُ خمسِ سنوات يَحصلُ العاملون فيه والذين لا يعملون أيّ شيء يَحصلونَ على كُلِّ الامتيازات والحوافز والتأمينات الماليّة وكأنهم يعملون كما كان في السابق، والشركةُ غيرُ قادرةٍ على اِعادةِ هيكلة القوى العاملة لديها في هذا للمصنع المُتَوقف، فالعمال بواسطة نقاباتهم يُطالبونَ بتعويضاتٍ ماليّة في حال قبولهم بإنهاء خدماتهم تتجاوز ٤٠ مليون دينار، وهو ما يُشكّل ٦٧ بالمئة من رأسِمال الشركة، فأيُّ منطقٍ هذا؟.
حتى أراضِ الفحيص مَازالت عملية استثمارها خاضعة لتقلبات "مواقف البلدية” وبسكوت تام من قبل الحكومة، اضاعوا فرصة استثماريّة عَصريّة كان بإمكان الحكومة توظيفها لِرفد الخزينة ودعم برامجها في التشغيل وخلق فرص عمل للأردنيين وتشغيل قطاعات هامة اخرى.
ومَن يُصدق أن حجم التعويضات البيئيّة التي دفعتها الشركة لأهالي الفحيص لغاية يومنا هذا تتجاوز ٣٦ مليون دينار، ومَازالت القَضَايا المنظورة في المحاكم تتراوح قيمتها ٤٣ مليون دينار، كُلّ هذا يَحدث ومصنع الفحيص متوقفٌ تماماً عن العمل من خمسِ سنوات.
القَضَايا السابقة ليست وَليدة اليوم، هي مَلفاتٌ عالقة مُنذ سنوات، وباتت عابرة للحكومات، وجميع المُفاوضات كانت تتم وتنتهي دون معرفة ماذا حدث او لماذا يحدث هكذا بالتعامل مع مُستثمر بوزن وثقل مجموعة لافارج العالمية المتواجدة في ٨١ دولة في العالم.
آخر المُستجدات على صعيد الشركة و التي قد تكون القَشّة التي سَتقصمُ ظهر البَعيرَ هو رفعَ ١١٨ قَضية على الشركة مرّة واحدة من قبل مديرية عمل السلط تُنذرها بانها خالفت قانون العمل، ولم تلتزم بِمنح الزيادات السَنَويّة للعاملين على اعتبار انها حقٌ مُكتسب، رُغمَ التزام الشركةِ باللوائح التي تُتيحُ لها حجب الزيادات السنوية في حالِ تَكبُد الشركة لخسائر مالية تؤثر على استمراريتها، وهو ما تؤكده اليوم الميزانيات المنشورة والتي تُدللُّ على وجود خسائر مالية يجعلها تحت التصفية الإجباريّة ، وهنا نتساءل فعلا ، مِن مَصلحةِ مَن اثارة العُمال للمطالبة بزيادات ماليّة في الوقت الذي تَقبع الشركة بخسائر ماليّة فادحة تهدد جودها بالأساس ؟.
فعلاً أمرٌ مُحزن ان تكونَ الحكومات مُتراخية في التعاملِ مع مشاكل المُستثمرين خاصة الأجانب منهم، والحقيقة أن ما يحدث مع لافارج هو أمرٌ مُحزن من عدة نواحي، أولُها: انه مُستثمر اجنبيّ له علاقات تاريخية مع الاردن ناهيكَ عن العلاقة بين الاردن وفرنسا التي تُعتبر من كِبّار المَانحين للمملكة، ثانيا: هناك فرصة اقتصاديّة كَبير تَضيعُ على الأردن جَراء عدم حل المَشاكلِ مع الشركة والمجتمع المحليّ والعاملين، وترك الحالة على وضعها الراهن الذي لا يخدم بيئة الاستثمار والجهود الترويجيّة له.
لا أحد يُطالب الحكومة بالوقوف إلى جانب لافارج في قضاياها ضد أحد، لكن الحكومة مُطالبة بإنهاء هذه الحالة السَلبيّة ومعالجة المشاكل بشكلٍ متوازن وإعطاء الحق لأصحابه، أما أن تبقى مَشاكل الشركات ولافارج على حالها دون أيّ تدخل حكوميّ فهذا أمرٌ مُستغرب ومستهجن في ظل خطاب حكوميّ يركز على الترويج الاستثماري للمملكة.