الأزمة التي حملت اسم بلدة ذيبان الشهر الماضي نتجت عن 21 شاباً من العاطلين عن العمل في البلدة. ويسأل وزير الشباب رامي وريكات: كيف سنجد وظائف وشواغر ودوراً تنموياً للشباب العاطلين عن العمل إذا استمرت حالة العداء مع مبدأ وفكرة الإحالة على التقاعد؟
السؤال تردد على هامش الجدل الذي أثارته وزارة الشباب وهي تحيل إلى التقاعد نحو 40 موظفاً من قدامى الموظفين الذين زادت خدمة غالبيتهم عن 25 عاماً في الإدارة كما يشرح الوزير الوريكات بعدما استفهمت منه «القدس العربي».
مجلس الوزراء بطبيعة الحال هو الذي اتخذ القرار بعد إعادة هيكلة وترشيق كادر ومؤسسات وزارة الشباب التي تصادف ان كادرها قبل تشكيل الوزارة الحالية لم يكن له علاقة من اي نوع بالقطاع الشبابي.
التجربة أثبتت ان كفاءات أردنية شابة متميزة تبحث عن فرص عمل وعطاء في واقع إداري بيروقراطي «متكلس» يتحفظ بشدة اجتماعياً على فكرة الإحالة على التقاعد.
الملك عبدالله الثاني أمر الحكومة علناً بالسهر والحرص على توفير فرص عمل للأردنيين واتخاذ مبادرات شجاعة لتشغيل الشباب بعدما نجح شباب بلدة ذيبان في تذكير الجميع في الدولة بالمسألة.
بالتوازي هدد شباب عاطلون عن العمل في مدينة الطفيلة جنوبي البلاد بإقامة خيمة خاصة بهم وصدر تلميح وتهديد مماثل في الكرك. أما الطاقم الاقتصادي برئاسة نائب رئيس الحكومة الدكتور جواد العناني فاجتمع للبحث في سبل تنفيذ التوجيهات الملكية.
في الاجتماع طرحت التساؤلات الوزارية بعنوان كيفية توفير فرص عمل مع السياسات المحافظة جداً في مجال الإحالات على التقاعد حيث يستحيل توفير مظلة معقولة من فرص العمل بدون التخلص من زحام الكادر البشري.
إدارياً يتصور الخبراء ان الكادر الإداري العامل في المؤسسات منذ أكثر من ربع قرن أصبح عملياً معيقاً للعمل وللإنتاج مقابل شباب متحمس وعصري ومتعلم، الأمر الذي يعني تلقائياً بأن تنشيط الخلايا الإدارية في الإطار البيروقراطي يتطلب اصلاً التخفيف من الزحام ومن «متكلسات» الكادر البشري الإداري.
بدون إحالات على التقاعد لموظفين قدامى لا يقدمون في الواقع خدمات حقيقية للإدارة حالياً لا يمكن الإلتزام بالتوجيهات المتعلقة بتوفير فرص عمل للشباب المحبط..هذا ما يقال في اروقة الوزراء والمسؤولين مع التذكير بأن الموظف كبير السن الذي تجاوز مهلة التقاعد القانونية سيغادر وظيفته بكامل حقوقه المالية والتقاعدية.
جميع الوزراء يحاولون تقليد الخطوة الجريئة لوزارة الشباب في السياق الإداري لكن العداء كبير إجتماعياً ونخبوياً لفكرة الإحالة على التقاعد.
لسبب أو لآخر تبدو مسألة «الإحالة على التقاعد» مشكلة سياسية وبنيوية في الأردن فالأفراد لا يفضلون إحالتهم على التقاعد والمجتمع لا يتقبل الفكرة وغالباً ما يناضل الموظفون بكل الطرق والأساليب للضغط على المسؤولين تجنباً لإحالتهم على التقاعد رغم ان ذلك بإقرار رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي من متطلبات الإدارة الرشيقة والعصرية.
من يخفق في نضاله للحفاظ على وظيفته يمكنه ان يتحول لحراكي او معارض او مناكف بسبب الطابع السلبي في الثقافة الإجتماعية لفكرة من يتقاعد من وظيفته بالرغم من ان غالبية من يرفضون التقاعد يخدمون مجاناً او شبه مجانٍ بصورة عملية لأن حقوقهم المالية بالتقاعد بعد 30 عاماً توازي وتساوي في الكثير من الأحيان مكافآتهم ورواتبهم الشهرية.
وسط المخاوف من عمليات جراحية في الإدارة العليا للدولة وفي كل المؤسسات تبدو خطوة وزارة الشباب جريئة نسبياً ويمكنها ان تشجع بقية المؤسسات على خطوات مماثلة.
يبقى ان تعالج الحكومة وبحكمة تداعيات تفعيل وتنشيط آلية الإحالة على التقاعد وسط الإصرار المركزي على توفير وظائف بدون إخلال بالموازنة وهي تداعيات اجتماعية وأمنية في بعض الأحيان ينبغي ان ترسم على حدود تقدير واحترام من خدم الدولة بمعدل زمني يساوي نصف عمره او أكثر تقريباً.
القدس العربي