عندما استعادته الواجهة الرسمية الحكومية في مبنى وزارة الداخلية كوزيرٍ للداخلية، أجمعت الصالونات السياسية بكل أطيافها وتوجهاتها وحتى تناقضاتها على ان الدولة الأردنية استعادت هيبتها "الماسية"، على افتراض ضرورة القول أن هيبة الدولة مرت بمراحل شابها بعض التراخي الا انها ظلت لها هيبتها .
مجددا وبعد نحو عقدين على خروجه كوزير للداخلية في عام 1996 ، وعودته وزيرا للداخلية في الحكومة الحالية، تأكد للعارفين بمفاصل الدولة الأردنية أن عودة الرجل بعد هذه القترة - وهي فترة زمنية ليست بالقليلة - بأن حماد سجل علامة فارقة في التاريخ السياسي الاردني لجهة عودة رجالاتها من صناع القرار لسدة المنصب، فكثير من المسؤولين رفيعي المستوى، ورغم حسن آدائهم الا أنهم انطووا تحت مظلة التقاعد الرسمي، وقليلا منهم من سُجل كمرجعية سياسية.
في حالة وزير الداخلية سلامة حماد، حفر أداؤه المتفرد المتمرس في دهاليز طبيعة "حقيبة الداخلية" فيما سبق منصبه الحالي، ليحط مجددا اهلا للثقة وحُسن الاختيار للقيادة الهاشمية.
ولعل الواقع الامني العربي عامة، والاردني بوجه الخصوص فرض شخص حماد على الخارطة الحكومية ليتبعها بحضور واثق قوي متمكن، استطاع خلاله التعامل بطريقة غير مسبوقة مع المناخ الامني / السياسي الداخلي وانعكاسته على الجسم الاردني كدولة وحدود ودول جوار.
المناخ الأمني/ السياسي الذي طلب وتطلب رجل بمواصفات سلامة حماد، عايش سمات ايضا غير مسبوقة في المنظومة الأمنية الداخلية لجهة التعاضد وليس "التناحر" بين قيادات المؤسسات الامنية في الأمن العام وقوات الدرك ووزارة الداخلية كمركز اداري للدينمو الامني السياسي ، واستطاع الاردن أمنيا على وجه التحديد ان يحقق رقما قياسيا في مستوى الامن والامان، وهو الامر الذي يتكشف على مدار ساعات اليوم الواحد لجهة الانجاز الامني الشامل وتحجيم وتقليص مستويات الجريمة بكل انواعها، وما تلا ذلك من تحجيم لفئات معينة كانت تحمل او تنتهج اعتقادا خاطئا بأنها فوق القانون، وما الانجاز الامني - السياسي الذي سجله حماد ابان تسلمه حقيبة الداخلية وخلال اقل من ثلاثة اشهر الا وان كان الرجل قد "حل لشيفرة الأمنية" المعقدة التي عاشتها مدينة معان والتي استعصت على سابقيه من وزراء الداخلية في الحكومات السابقة..
سياسبيا.. نجحت الدولة الاردنية بفضل مناخها الامن وضبط حدودها الشائكة وخاصة الشمالية لجهة الاقتتال الدائر في الشقيقة سوريا، والشرقية لجهة القلاقل التي يعيشها الشقيق العراق، أحكم حماد قبضته الامنية عبر المؤسسات الأمنية التي يقودها كوزير للداخلية، ليسجل ايضا حالة متفردة للتعاطي الأمني في المناطق الحرجة امنيا وسياسيا، وهو الأمر الذي ضاعف من دور الأردن اقليميا ليكون اللاعب الاساسي في فض النزاعات ومحاصرة الارهاب خارج حدودنا ، وليس ادق على ذلك من تكليف الاردن بمهمة اعداد قائمة التنظيمات الارهابية في المنطقة لدول الجوار، وهو بالمناسبة دور يرقى بالاردن بمصاف الدول المتقدمة والثمانية الكبار في مثل طبيعة وماهية وشكل هذه المهام عالية الحساسية في المفهوم الدولي الأمني.
سلامة حماد والذي يقود دفة الشأن الداخلي بطريقة الفريق وليس الشخص الواحد، يمارس منصبه ولا يتقلده ببساطة أي مسؤول يعي مفهوم وحجم المسؤلية الملقاة على عاتقه، فكيف اذا كانت هذه المسؤولية وطن، يبقى على دوام الاتصال بالجسم الامني بكل اداراته ومرتباته محيطا بدقائق تفاصيل الخارطة الامنية ، ليأمن أولا المربع "الماسي" لهيبة الدولة.
نهج الوزير حماد في تعاطيه مع ادارة وزارة سيادية غاية في الحساسية هو "ماركة مسجلة" وهو الرجل الصارم المرن، المتفهم الحريص على عدم المحاباة ، يقف على مسافة واحدة من اولئك الذين يعتقدون انهم (فوق) بذات المسافة التي يتعامل بها مع كل ابناء الشعب الذين سلموا انفسهم ومستقبلهم وكل ما يملكونه للإرادة الملكية السامية التي اختارت حماد حارسا على الاردن والاردنيين.
سلامة حماد والذي خرج من هيكلة الواجهة الاردنية بمعناها العملي طيلة العشرين عاما الماضية ، ظل موجودا وقريبا خلالها بين يدي صاحب القرار في القصر، ظل وما زال مرجعية امنية لا يُشق لها غبار، وهو الذي رفع شعار مضمونه (الوطن وليس انت) لكل مسؤول يشتغل لنفسه وليس لوطنه، لكل مسؤول تراخى او تقاعس او انتهج "البيروقراطية" الهدامة، والاحالات على التقاعد والتي شهدها اكثر من جهاز في الامن العام خير دليل على ذلك.
ويسجل للوزير سلامة حماد الرجل المحسوب على التيار المحافظ، ذو العقلية الامنية الصلبة، والذي نجح بتفادي اخطاء غيره ممن سبقوه، انه اتخذ طريق الوطن الواحد والهيبة الاولى نهجا وتقويما لاجندات وزارته الوطنية، لم يخدم مسار امني على حسااب اخر، ازدهر الواقع الامني وبرز رجالاته الامنيون ليكون العنوان واضحا وبارزا ان "الفرس من الفارس" وليس هنالك من فارس تسيّد المشهد الامني والسياسي بحنكة وقوة وانجاز وتمكن ورفع اسم الاردن عاليا كما فعل الوزير حماد..
سلامة حماد الذي بزغ نجمه في مبنى الداخلية على دوارها في قلب العاصمة عمان، بزغ نجمه ايضا في سدة الرابع، والرجل يجهد في الميدان ليتوج جهوده اعلان نتائج في مجلس الوزراء .. شذب وهذب واعاد رسم الخارطة الامنية الوطنية باقتدار ، وقد امتلك ادوات القيادي الاول المسؤول ليظل النموذج الذي ترجم الرؤية الملكية بكل ابعادها .. النموذج الذي استكان به الاردن والاردنيين .