أخبار البلد - د. محمد طالب عبيدات
لم تحظ أي من جامعاتنا التي ينوف عددها عن الثلاثين على أي ترتيب يذكر ضمن التصنيف الدولي للجامعات العالمية بالرغم من كل الجهود المبذولة لذلك وخصوصاً من الجامعات الرسمية العريقة كالجامعة الأردنية وجامعة العلوم والتكنولوجيا واليرموك والهاشمية ومؤتة وغيرها، فأُصِبتُ بخيبة أمل وأنا أطّلع على الترتيب الدولي للجامعات للعام 2013/2014 حيث لم أجد أي جامعة أردنية ضمن الأربعمائة جامعة الأولى، بالرغم أن جُلها يمتلك رؤية ليكون ضمنها منذ مُدّة، بيد أن جامعتين سعوديتين كانتا ضمن القائمة وهذا مدعاة فخر، وكانت معظم الجامعات الإسرائيلية ضمن القائمة.
والتصنيف الدولي للجامعات تقوم به الكثير من المؤسسات الخاصة المعتمدة والذي يعتمد على جمع البيانات عن الجامعات وتحليلها ويكون في معظم الأحيان بطلب معلومات عن الجامعة المعنية من الجامعة نفسها تارة وبالتقصي من قبل جهة التصنيف تارة أخرى، وفي هذا التصنيف تكون المعايير والأسس شفافة وجهة التصنيف حيادية ونزيهة لغايات قياس أداء وفعالية الجامعات في تحقيق أهدافها ورؤيتها من خلال أبحاثها العلمية المنشورة ومشاريع دعم البحث العلمي وجودة التدريس ونقل المعرفة والنظرة الدولية للجامعة وتشبيكها مع الجامعات العالمية. وفي هذا التصنيف الدولي تم إعتماد ثلاثة عشر مؤشر أداء لغايات قياس الجودة في التعليم والبحث العلمي لإعطاء مقارنة أكثر شمولية ومتوازنة وفعّالة بين الجامعات العالمية كافة، بحيث يثق بها كل العناصر التعليمية بدءاً من الطلبة ومروراً بأعضاء هيئة التدريس والإدارات الجامعية ووصولاً لقطاعات الصناعة والخدمات وغيرها وحتى الحكومات.
ومنهجية التصنيف التي تم إعتمادها هذا العام هي ذاتها التي كانت للعامين الماضيين والتي تفسح المجال للمقارنة السنوية التي تعتمد الكفاءة الحقيقية بدلاً من التغيرات في الأساليب ونمطية التدريس، فكانت المعايير المعتمدة لقياس كفاءة الجامعات وجودة تعليمها وأساتذتها وبحثها العلمي في هذا التصنيف تعتمد النسب الآتية: التعليم وجودة التعليم وأعضاء هيئة التدريس 30%، مخرجات البحث العلمي وجودته وعدد الأبحاث المنشورة في المجلات العالمية المحكمة والمصنفة والمتخصصة ومقدار الإنفاق على البحث العلمي 30%، والإشارة للأبحاث العلمية المنشورة من قبل غيرها من الجامعات والباحثين كإشارة لفعالية البحث العلمي وجدواه 30%، والتفاعل مع الصناعة والإبتكار وفعاليته 2.5%، والتشبيك والسمعة الدولية للجامعة من قبل الطلبة والأساتذة والبحث العلمي 7.5%. وكلها مؤشرات علمية دقيقة ومعتمدة عالمياً.
النتائج التي ظهرت للتصنيف ولم تُدرج أي جامعة أردنية ضمن قائمة الأربعمائة جامعة الأولى تقرع جرس الإنذار لدى القائمين على التعليم العالي في الوطن لغايات التنبّه وتقييم المسيرة الأكاديمية التي فيها الكثير من التحديات الجسام في الجودة والتمويل والبحث العلمي ومواءمتهم وخطط التنمية وآليات دعمه وغيرها لغايات الإنطلاق من جديد، وبثورة بيضاء في التعليم العالي للإصلاح ووضع إستراتيجيات جديدة، هذه النتائج المخيّبة للآمال تضع الحكومة أمام مسؤولياتها لغايات دعم الجامعات مادياً ومعنوياً ووضعها على سُلم الأولويات الوطنية لتتمكن من المنافسة، وبحيث لا نُصبح كالنعامة التي تضع رأسها في الرمل "ونتغنّى” بالمستوى التعليمي الجامعي بالرغم من الأعداد الضخمة في الجامعات على حساب جودة التعليم وبالرغم من عدم الإنفاق بسخاء على البحث العلمي من قبل الحكومة وحتى مؤسسات القطاع الخاص.
أجل نحتاج لرؤية جديدة وعمل جاد في مجالات كثيرة في التعليم العالي ليس فحسب لتحسين تصنيف جامعاتنا بل لزيادة جرعة الثقة بمؤسساتنا التعليمية وإعادة ألقها وسمعتها الأكاديمية ووضعها على سلم الأولويات الوطنية، ومن هذه المجالات على سبيل الأمثلة لا الحصر: نحتاج لتجويد البحث العلمي ومواءمته لخطط التنمية، ونحتاج لحوافز أكثر لتشجيع النشر للبحث العلمي والأوراق العلمية، ونحتاج لدعم للبحث العلمي من القطاع الخاص والحكومة ومأسسته، ونحتاج لتجويد عملياتنا التدريسية وأساليبها والبيئة التعليمية والجامعية وتمكين وتقييم أداء أكثر لبعض أعضاء هيئة التدريس، ونحتاج للتشبيك مع المؤسسات التعليمية العالمية لنعرف واقع الحال التعليمي ومستواه عندنا، ونحتاج لإختراعات عملية وواقعية بحيث يتم تبني المبدعين الشباب، فالجامعات الأردنية فيها خامات لأعضاء هيئة تدريس متميزة لكنها تحتاج لإستثمار هذه الطاقات البشرية حيث الخلل مؤسسي ونقص في السياسات التعليمية والبحثية.
وأجل يجب أن نُدرك حجم التراجع الذي نحن فيه بالنسبة لغيرنا من حيث التعليم العالي بالرغم تقدمنا البطيء ووجود الكثير من النقاط المضيئة في مسيرتنا التعليمية، والدلالة على ذلك أن جامعات كثيرة لدول مجاورة كانت خلفنا بكثير وحققت حالياً تقدّماً مطرداً بل وتجاوزتنا، ففي خضم الأعداد المتنامية للطلبة بالجامعات وتعدد البرامج التعليمية لغايات تمويل نفسها، أصبحت جامعاتنا "كالفقّاسات” و”المصانع” لتخريج الشباب من حملة الشهادات دون مهارات عصرية ودون تأهيل لسوق العمل إلّا من رحم ربي، ونتطلع لتصويب ذلك في القريب العاجل.
لقد بتنا اليوم وقبل الغد بأمس الحاجة لإصلاحات واقعية وعلى الأرض بل وثورة بيضاء لنظامنا التعليمي بشقيه العام والعالي لتعكس للعالم جودة تعليمنا من خلال تصنيفنا بالمراتب العليا، فحركة النهوض الإصلاحي الشامل -السياسي والإقتصادي والإجتماعي- التي تبنتها الدولة الأردنية ضمن بوصلة ورؤى جلالة الملك المعزز كانت نوعية وحسّنت الكثير من مناحي الحياة في ظل ظروف ومتغيرات الألفية الثالثة، وهي أيضاً بحاجة لتشمل التعليم العالي النوعي من خلالها.
* وزير الأشغال العامة والاسكان الأسبق