أخبار البلد - نور داود
لايزال مقعد رئيس الجامعة الأردنية مثارا للجدل والتساؤل، عبر توالي القيادات التي تعتليه من خلفيات وأصول متباينة. ولا تزال حالة التحول النفسي والاجتماعي والاقتصادي التي تطرأ على رئيس الجامعة الأردنية ظاهرة تستحق الدراسة والبحث.
ليس من المفهوم إن كانت بيئة الجامعة الأردنية بمصادرها الغنية من آلاف الطلبة من طبقات اجتماعية مختلفة، وقياداتها العديدة من الصف الثاني والثالث، والتعداد الضخم لكوادرها الأكاديمية والإدارية، وطبيعة النظم والاجراءت الإدارية المطبقة فيها سببا في حالة التخبط التي لا بد أن يمر بها رئيس الجامعة بعد مرور مدة زمنية على توليه المنصب.
لكن الأمر الأكيد أن طريقة تعاطي رؤساء الجامعة الأردنية مع الجامعة والمجتمع تمر بحالة من الصعود يليها هبوط غير مسبوق في الآداء ، فجميع الرؤساء خلال العشر سنوات الأخيرة مروا دون استثناء بسلسلة من القرارت التي أصبحت سمة تطبع كل مرحلة استلام رئيس جديد.
وتبدأ هذه السلسلة بقرار أولي يتدرج من إعادة تشكيل الطواقم الإدارية في الصف الثاني والثالث وينتهي في أقصى مراحله إلى هدم جذري لقرارات اتخذها الرئيس الذي سبقه، ثم تتطور المرحلة إلى توسيع وترسيخ دائرة الشللية، مع اختلاف أعضائها لتنتهي في أقصى مراحلها إلى عزلته الكاملة عن ميدان الجامعة والاكتفاء بتنفيذ ما يملى عليه من قرارات من قبل الشلة التي استقرت إلى جانبه تصب جميعها في صالح أفراد بذاتهم، وهي في أغلبها قرارات استثمارية ومالية، حيث تبدأ في هذه المرحلة إعلان الانهيارات المادية للجامعة وسقوطها في براثن الأزمات الاقتصادية، لتنتهي في متابعات إعلامية عنيفة لآداء الرئيس وصولات وجولات صحفية بين رئاسة الجامعة والإعلام العام. تبشر بسقوط نجم من نجوم الجامعة وقرب بزغ نجم جديد.
أصبحت هذه المتوالية في الجامعة أشبه بمسرحية مملة حفظ الجمهور كافة فصولها، إلى الحد الذي أصبح لديهم القدرة على التنبؤ بالمشهد القادم قبل ظهوره.
ويعتقد أن مظاهر العظمة والاحساس بالسلطة والقوة التي تحيط بمنصب الرئيس تؤثر بشكال مباشر على القناعات التي يحملها في عقله الباطن عن نفسه بحيث يتحول مع الزمن من أستاذ أكاديمي يرأس جامعة أكاديمية هدفها العلم والطلبة وتؤدي رسالة إلى الأمة إلى إحساس غير مسيطر عليه بالزعامة لإمبراطورية يحكمها باستحقاقه وجدارته ويملك حق التصرف فيها كيفما يشاء، إلى الحد الذي وصل ببعض الرؤساء إلى زرع توابع لهم في مواقع إدارية حساسة قبل أن يغادرو المنصب وبما يكون أشبه بنظام التوريث القصري للحكم والسلطة وإمكانية السيطرة حتى بعد مغادرة الموقع ولا شك أن ما يعزز هذه الحالة الغريبة هو المهارات التسلقية والانتهازية الفائقة التي يتمتع بها معظم المقربين من منصب الرئيس بالاضافة إلى تكتل الشلليات واللوبيات المتنفعة من الجامعة دون وجه حق في أكثر من موقع، مما يجعل أي رئيس يشعر بالتهديد والخطر وعدم القدرة على مواجهة هذه التحديات وحده لينساق لاحقا في أحضان كل من استطاع إقناعه أنه يقف إلى جانبه ويؤازره ويملك له أدوات السلطة والتحكم في دهاليز الجامعة.
كل هذه التحولات وغيرها ليس لها سبب سوى ضعف وبيروقراطية القوانين والأنظمة التي تحكم الجامعة وعدم تحديثها أو مراجعتها من قبل لجان نزيهة ومؤهلة لاتخاذ القرار. والأصل أن رئيس الجامعة يكون محكوما كسواه من كافة إدارات وموظفين الجامعة بقوانين ونظم صارمة تصب في المصلحة العامة للجامعة فقط، والأصل أن صلاحيات وواجبات الرئيس محددة وتخضع للرقابة والمراجعة أسوة بكافة المواقع الإدارية التي يتناسى الكثيرون أنها تكليف وليست تشريف.
وليس أمر تحديد المدة القانونية لأي رئيس بأربع سنوات فقط سوى تأكيد على مبدأ أن رئاسة الجامعة هي موقع قيادي أكاديمي مؤقت جدا يهدف إلى متابعة تسيير سياسة عليا في إدارة الجامعة تتمتع برؤيا حقيقية واستراتيجية واقعية لها أهداف واضحة وتتمتع بمرونة تنسجم مع المتغيرات المحتملة بأبعادها المختلفة.
فالجامعة الأردنية ليست دولة داخل دولة يتملكها كل فترة من كان مرضيا عنه ليتمتع بمزايا المنصب والسلطات المطلقة والتكسب المباشر وغير المباشر.
الجامعة الأردنية مؤسسة أكاديمية ضخمة تحمل على عاتقها إرث تعليمي كبير يجب على كل مسؤول يتقلد زمامها أن يتمتع بنزاهة وشفافية وقدرات أكاديمية وإدارية عالية تؤهله لأن يحمل الأمانة ويؤدي الرسالة ، والأهم من هذا وذاك أن يظل قادرا على الاحتفاظ بتوازنه فلا تسرقه الأضواء ولا يؤرجحه الكرسي على حافة الجنون.