نضال منصور
امتحانات التوجيهي تحت حراسة الأمن والدرك، هذا هو المشهد التعليمي الذي وصلنا له في العام 2014، وهذا الحال يعكس أزمة العملية التربوية قبل التعليمية في الأردن.حين أقول إن التوجيهي تحت حراسة الأمن، فأنا لست معارضاً لتأمين قاعات الامتحان ومنع الغش وحماية المعلمين، فالتساهل والانصياع لضغوط الشارع يخل بمبدأ العدالة بين الطلبة، ويقوي البلطجة والاستقواء على سيادة القانون، ولذلك أقف في صف وزير التربية وأسانده في استعادة الوجه المشرق لمسيرتنا التعليمية.تدهش وتصدم حين تطالع الأخبار التي تتوارد عن أساليب الغش، طالبة تزرع سماعات بالأذن بمساعدة أطباء حتى لا يراها المراقبون، طلاب يفصلون "بنطلونات" خاصة لإخفاء سماعات هواتف الموبايل، وأهالٍ يطلقون الرصاص على المدارس وقاعات الامتحان ويشتبكون مع الأمن والدرك احتجاجاً على التشدد في المراقبة وإرهاباً للمعلمين، ويستخدمون مكبرات الصوت لتقديم الإجابات للطلاب، هذا عدا عن إشاعات تسريب الأسئلة يومياً.أصبح الغش نمطاً سائداً، وسلوكا مجاهرا به، وتجارا يعتاشون ويتكسبون منه، والأخطر من كل ذلك مجتمعات لا تدينه ولا تجرمه وتدافع عنه، ويخرج بعض الأهالي ليهددوا ويضغطوا ليصبح الغش مشرعا به.تُخدَش صورة التعليم بإعلان حالة الطوارئ والتواجد الأمني المكثف، نعم أوافق على ذلك، لكن غض النظر والسكوت عن تفشي الغش والاستقواء على الدولة، خاصة في المحافظات، تدمير ممنهج لمستقبل شبابنا، نحصد ثمنه في مخرجات التعليم الجامعي، فهؤلاء الذين تواطأنا في السكوت على ممارساتهم خلال امتحان الثانوية العامة، سيدخلون بوابات المستقبل متسلحين بقيم لا تعرف الصدق مع الذات، وتغلّب منطق الغاية تبرر الوسيلة، وسيعيدون إنتاج ذات المنظومة القيمية داخل أسوار الجامعات، فهم ذخيرة للتعصب للهويات الفرعية، وللتجاوز على القانون ومبدأ العدالة والمساواة، وهم قبل ذلك جامعيون يحملون شهادات، ولكنهم "أميون".ولنعترف أن ما يحدث في التوجيهي هو مظهر لأزمة متراكمة لعقود، ولكنها ليست جذع المشكلة، وليست جوهر القضية.في العام 2014 أصبح من الضروري أن نتراجع عن فكرة التوجيهي، التي تربط مستقبل الطالب طوال سنوات عمره بالامتحان الأخير، أصبح من المهم أن نسأل بعد تصريح وزير التربية والتعليم عن تفشي الأمية في المدارس، ووجود أكثر من 100 ألف طالب وطالبة لا يعرفون القراءة والكتابة في الصفوف الأساسية الأولى .. ماذا فعلنا .. وماذا نحن فاعلون؟!.التعليم بصورته الحالية بالأردن في خطر، فهو لا يصنع للأسف مبدعين يُعملون عقولهم، بل حفظ وتلقين وحشو، دون مراعاة أن العالم تغير، وأن حجم المعلومات التي تتدفق للأطفال بفضل وسائل الاتصال غيرت من عالمهم، ولم يعد المعلم كما كان سابقاً الوحيد الذي يحوز على المعرفة والمعلومات.لا يتعلم طلابنا أساليب البحث، ولا يُشجَّع العقل النقدي، ولا نحثهم على القراءة خارج مناهج الكتب التي بين أيديهم، واستخداماتهم للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي ليست معرفية، بل هدفها الترفيه، وهنا تبدأ أزمة التعليم في بلادنا، ترافقها أزمة تربوية؛ فالمعلم الذي يواجه تحديات الحياة وصعوباتها لم يعد النموذج الذي يدافع عن منظومة القيم التي يروج لها في حالات كثيرة.أزمة التوجيهي لا تحل فقط بمنع الغش، بل باستئصال ظاهرة البحث عن المعدل للانتساب إلى الجامعات بأي وسيلة، لأن المستقبل مرتبط بالشهادة، "الكرتونة" حسب وصفهم، ولا يهم إن بقي جاهلاً، لأن الواسطة ستذلل كل مشاكله فيصبح الأمي ذات يوم وزيراً ومسؤولاً مهماً