أخبار البلد
زار رئيس الوزراء عبدالله النسور العراق مؤخراً، في محاولة لتنشيط التبادل التجاري بين البلدين وتفكيك ملفات عالقة تحول دون تنفيذ المشاريع المشتركة الكبرى كمشروعي خط النفط العراقي الواصل إلى العقبة وكذلك خط السكك الحديدية.
وطغى الطابع الاقتصادي على الزيارة العاجلة التي تبادل خلالها الطرفان تصريحات متفائلة، توحي بإمكانية تجاوز حالة البرود التي شهدتها العلاقات البينية منذ انتهاء مرحلة الرئيس الراحل صدام حسين.
وبحسب متابعين، تكمن أهمية الزيارة في شقها السياسي، إذ ينظر إلى توجه الأردن نحو الشرق كمحاولة لإعادة التموضع بين المحورين المتنازعين في الأقليم راهنا، تبعاً للمتغيرات الأخيرة في موازين القوى، بعد التحولات في السياسة الخارجية الأمريكية بالمنطقة. وربما تعبر الزيارة عن حسابات جديدة للأردن تأخذ بالحسبان ما يحققه تحالف إيران ومريديها من نقاط، إثر اتفاق "النووي" الشهير الذي أعقب ما اعتبر تحولاً في الأزمة السورية، بعد صفقة نزع السلاح الكيماوي مقابل منع تدخل أمريكا والغرب لإنهاء حكم بشار الأسد، الأمر الذي انعكس تراجعاً في النفوذ السعودي بسوريا ولبنان عقب ما تعتبره السلطات هناك خيانة أمريكية قلبت الموازين إلى الحد الذي جرأ دولاً كعمان وقطر لشق عصا الطاعة.
تاريخياً تأرجح الأردن الرسمي بين العراق شرقاً والسعودية جنوباً، وتطورت العلاقة الأردنية العراقية في محطات عديدة بدءاً من تولي الهاشميين لحكم العراق ومروراً بالتحالف الكامل في الثمانينيات من القرن الماضي، إبان الحرب العراقية الإيرانية،عندما انخرط الأردن في الحرب، وفي التسعينيات عندما اجتاح العراق الكويت وانقسم العرب إلى فريقين مع وضد صدام، وتطورت العلاقات بين الراحلين الملك حسين وصدام حسين، إلى درجة كان يمد فيها العراق الأردن بكامل احتياجاته النفطية دون مقابل ويستوعب أغلب صادرته.
تغيرات كثيرة حدثت منذ التسعينيات، ليس أقلها تغير القيادة في كلا البلدين والسياسات والاتجاهات والأولويات واشتغال كليهما بأنواع جديدة من الصراعات الداخلية والخارجية. لكن بالتأكيد، فلا يزال كلاهما بحاجة ماسة للآخر تبعاً لاستمرار ذات المحددات الجغرافية والسياسية والاقتصادية.
مثلاً، فلا يزال حلم العراق حاضرًا، بمنفذ آمن لنفطه من خلال ميناء العقبة الأردني، وعلاقة سياسية مستقرة مع الجار السني الذي يمتد في نفوذه عبر الحدود ويشكل مأوى لقيادات هذا المكون المقلق للحكم هناك، فضلاً عن حاجة العراق الجديد المعزول عربياً ودولياً لأصدقاء بفاعلية وعلاقات الأردن.
هنا، فالمعضلة الاقتصادية تعشعش في خلفية تفكير طبقة القرار، لا سيما بأن الحليف السعودي ومن لف لفيفه لم يسد رمق الأردن في هذا الشأن الحيوي المرتبط باستقرار البلد ونمو برامج تطويرها، ولذلك فإن علاقات حسنة بالجار الشرقي الكبير تعني الحصول على الوقود واسترداد الديوان القديمة وإعادة فتح أسوق العراق الكبيرة.
كذلك، فما يمكن وصفه بالاستدارة الأردنية الناعمة في زمن الهجرة إلى الشرق، يمكن فهمها كشكل من أشكال تنويع خيارات الأردن، فالحليف الاستراتيجي الأول (أمريكا) يغازل إيران، وربما منح النظام السوري صك غفران، بينما يتلقى الحليف الإقليمي السعودي الضربات، بل وربما يضغط تحت وطأة تراجعه على الأردن لمحاولة جره لمعاركه، وأبرزها سوريا، وهي المعارك التي تبدو –على ما يظهر- في عيون أصحاب القرار الأردني ملفات خاسرة وقابلة للاستبدال بمنطق المصالح، في ظل تحقيق المحور الروسي الإيراني للمزيد من النقاط بمرور الوقت.
بالمقابل فالعلاقة الأردنية السعودية لا تزال متينة، وتعززت في زمن ما بعد الثورات العربية كثيراً، وإن كانت السعودية تشتكي من تردد الأردن تجاه الملف السوري، بينما يشتكي الأخير من بطء وعدم كفاية الإمداد المالي السعودي للأردن.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الأردن لا يستطيع فتح علاقة متينة مع إيران مباشرة وترطيب علاقته بالنظام السوري، وتبعاً لذلك لبنان، فلذلك لجأ إلى البديل الأقل استفزازاً والأكثر فائدة، وهي التجربة التي بدأتها تركيا من قبل.
لكن هنالك من يقول بأن الزيارة لن تفرز تغييراً استراتيجياً –على الأرجح- في موقف الأردن، وربما تكون في سياق الإشارات ذات المغزى للسعودية، أو مجرد جس نبض للطرف العراقي، أو فتح طرق بديلة احتياطية يمكن تنشيطها لاحقاً.
بالطبع فهذا وارد، ولذلك فلا تعني الزيارة بأن أنبوب العراق النفطي وسكك الحديد والرفاه الاقتصادي على وشك التنفيذ بالفعل، خصوصاً أنه لا مؤشرات تؤكد حماسة الطرف العراقي للاستجابة للفتة الأردن، التي يدرك المالكي أنها تأتي بفعل تغير موازين القوى، وحاجة عمان في هذا التوقيت لمثل هذه العلاقة.
وعلى أرض الواقع، فلا تزال أمام علاقة عراقية أردنية متينة أو على الأقل طبيعية، الكثير من التحديات، من بينها علاقة العراق بإيران والمعسكر الشيعي وعلاقة الأردن بالسعودية ومعسكرها، وبالتالي اختلاف مواقفهما إزاء رزمة قضايا أبرزها ما يجري في سوريا، إلى جانب استمرار احتضان الأردن لعائلة صدام حسين ورموز المعارضة السنية وملف الديون الشائك والسجناء الأردنيين في العراق، وتعويضات اجتياح الكويت، وتواجد القاعدة الذي سيضع المشاريع الكبرى كخط النفط أو سكك الحديد في شرنقة هاجس الأمن. وكان المالكي قد زار الأردن قبل نحو سنة، عندما كان الربيع العربي ومن بينه العراقي في أوجه، وكانت القراءات تميل إلى قرب نهاية الأسد، وقدم حينها رئيس الوزراء العراقي للأردن عروضاً سخية (منحة 100 ألف برميل نفطي) في محاولة لكسر العزلة التي كان يعيشها. لكن في المرة الأولى كان العراق أحوج إلى الأردن، أما في هذه الثانية فالعكس هو الصحيح.
عملياً، لا مشكلة للأردن إذا اقتضى الحال في أن يتقارب مع إيران وقطر و"حماس"، ويعيد ترميم علاقاته بالنظام السوري، كما إنه لا مشكلة لديه في تخفيف أو إلغاء علاقته بالمعارضة العراقية وحتى في مساعدة العراق أمنياً. أما باقي القضايا فهي إجرائية. وعراقياً، فالحكومة هناك وتحت ضغط استمرار الحراك السني، قد تتحمس لإنهاء الكثير من الملفات العالقة برزمة من القرارات غير المكلفة كثيراً (ميزانية العراق عام 2013 بلغت 118 مليار دولار).
أخيراً، فإن احتمالات قفز الأردن من معسكر إلى آخر ضئيلة، إلا أن محاولته تنويع خياراته والتلويح للاعبين الكبار مهمة، وتحمل رسائل عميقة ذات علاقة بما يجري من اصطفافات في المنطقة.