أخبار البلد - ماكينة النميمة والمصارحة وتسريب المعلومات ونقل الأحداث في الأردن وبمعنى آخر {الإخبار الشعبي} هي وحدها التي لم يجرحها بعد خدش أو يطالها عطب ولم تتأثر لا بالعوامل الجوية ولا بالجيوسياسية .
موظفون بيروقراطيون كبار إذاغضبوا لأي سبب من المسؤول الأعلى يفردون الأوراق كلها ويفضحون الأسرار.
وزراء يمكنهم بكبسة زر التحول إلى معارضة شرسة ليس للنظام أو المؤسسة ولكن لمن جلس في مقاعدهم لإحباطه على أمل العودة.
نخب تتسلى بسيرة الناس وفي غالب الأحيان بسيرة الدولة والنظام.
رؤساء وزارات لا يحبون التقاعد إطلاقا ولا يؤمنون به...موظفون في مواقع حساسة جدا يفضحون ما يجري أحيانا لان ولاءهم للعشيرة وللعائلة وللمصالح وللجهة أكثر من ولائهم للوظيفة أو للمصلحة الوطنية أو حتى للنظام السياسي.
مؤسسة قرار مهووسة بوظيفة يتيمة لا تتعلق بإرضاء الشعب ولا بإنجاز الإصلاح ولا بالتنمية السياسية أو الإقتصادية أو مواجهة التحديات بل بإرضاء وإشغال طيف واسع من كبار الموظفين ورموز المجتمعات المحلية والمخاتير الذين يعرف النظام مسبقا أنهم مؤهلون للإنقلاب وفي أقرب فرصة.
طبعا هؤلاء يحولون يوميا مؤسسة الدولة إلى ماكينة وظيفتها تمرير مصالحهم وتوزيع الحقائب والوظائف والأعطيات عليهم وعلى جماعتهم.
أعرف شخصيا خمسة أشخاص على الأقل من المخاتير التابعين منذ عقود للحلقات الأمنية في الماضي يهددون على مسامعي الان بالإنضمام للحراك إذا لم تشملهم تشكيلة مجلس الأعيان الجديد ..كل واحد في هؤلاء والمئات غيرهم يتصور دوما بان الوطن من غيره لا يساوي {نكلة} وبانه القائد الضرورة وبانه قدم خدمات جليلة للمؤسسة تتطلب إستمراره وبعده أولاده وأحفاده في المواقع العليا.
هذه الماكينة تنتج يوميا أطنانا من النميمة التي ينتجها ويروجها {علية القوم}..لذلك حصريا لا تشعر بوجود أسرار يمكن الإحتفاظ بها على مستوى الدولة الأردنية ولا تترتب الإستراتيجيات ويعرف العامة بطرق ملتوية كل ما يجري أحيانا أكثر من أصحاب القرار السياسي أنفسهم.
مناسبة هذا الكلام مرة أخرى الإنتخابات الأخيرة فقد إستمعت شخصيا وبالصدفة وفي ثلاث جلسات لملاحظات وأسرار {بيروقراطية} أدلى بها أمامي بوجود أخرين ثلاثة من رؤساء لجان الإنتخاب في ثلاث مدن مختلفة، واحد أنيطت به مسؤولية إحدى غرف الإقتراع في الجنوب وآخر في عمان الغربية وثالث في الأغوار الشمالية.
قبل الغرق في التفاصيل أزعم أن ما سمعته تقشعر له الأبدان ويؤكد بأن الأمر لم يقتصر على وفاة الحاجة نزيهة حصريا بل موتها مع جميع أفراد عائلتها وجيرانها وسكان قريتها.
رؤساء اللجان الثلاثة قدموا {إفصاحات} شفافة عن ما جرى معهم شخصيا وأزعم أنهم قدموا رواياتهم لما حصل من وجهة نظرهم والأهم هو التالي: بما أنهم تحدثوا أمامي وهم يعلمون مسبقا بأني صحافي سأفترض أنهم قدموا نفس القصة لزوجاتهم اللواتي أخبرن الحارة أو القرية بطبيعة الحال.
يكفي أن تخبر زوجة ما ضجرة أو منزعجة بسر ما في مجتمعنا لتراه بعد دقائق فقط منشورا على واحد من أكثر من 600 موقع إلكتروني في البلاد فالزوجات يجلسن بخفاء في خلفية الأحداث لكنهن ما زلن الأكثر تأثيرا في ماكينة النقل والإخبار.
أغلب الظن أني سمعت هؤلاء الأشخاص بعدما أبلغوا عشائرهم وأقرباءهم وجيرانهم وأنسباءهم بما حصل، الأمر الذي يعني ببساطة شديدة أن قيمة النقل والإخبار عند المواطن الأردني وفي الحالات الثلاث إشتغلت بكفاءة وجدارة خلال الأيام القليلة الماضية.
المعنى ما سأنقله لم يعد سرا فالمواطن لا زال كما يقول الخال عبدلله العتوم وهو صحافي أردني عريق وعتيق {يخبر لوحده} ففي الأردن لا حاجة لأسرار لان الجميع يتناقلها ويفضحها وكلمة الجميع هنا تبدأ حصريا بكبار المسؤولين وصناع القرار.
ثمة تفاصيل طريفة فصاحب مطعم أبلغنا بأن زوجته إلتقت بصديقة لها تصادف انها زوجة أحد رؤساء أهم القوائم الإنتخابية حيث كانت الثانية تشتكي للأولى من دفع خمسة ملايين دينار على الأقل في الحملة الدعائية من أجل تحصيل مقعد في البرلمان.
تخيلوا خمسة ملايين دينار يمكنها أن تفتح مصنعا كبيرا جنوبي البلاد لتشغيل ألف مواطن من أقارب وأهل المرشح المليونير ..فعلا يرهقني هذا السؤال: هل يساوي مقعد في مجلس نيابي مشكوك به وبائس وسينحل بعد تسعة أشهر وسيتظاهر الشعب ضده ويشتمه الناس كل هذا السعر؟.
صديقان لي هما محمد حجوج ومحمد ظهراوي فازا بالإنتخابات بحملة دعائية كلفتها تعتبر {فراطة} قياسا بربع المليون الأول فما بلك بالمليون الخامس؟
موقف آخر لا يقل طرافة حصل في الأغوار على ذمة راوي الحكاية وشاهد العيان: إنتهى رسميا وقت الإقتراع بعد التمديد القانوني وبعد ذلك حضر ألف شخص دفعة واحدة بطريقة منظمة ووضعوا رئيس لجنة الإنتخاب أمام خيارين لا ثالث لهما: مدد أو ستتمدد. طبعا صاحبنا أجرى إتصالا هاتفيا واحدا فجاءه القرار: مدد يا أخي أفضل ما يمددونك.
هنا حصريا إكتشف القوم بان الصناديق الخشبية المخصصة للإقتراع لم تعد تستطيع إحتمال الأوراق الجديدة فتفتقت عبقرية التنظيم عن وضع كيس إضافي مكشوف فوق الصناديق لإيداع أوراق الإقتراع.
عجوز ذكية دخلت وإنتخبت وغمست أصبعها في الحبر السري ثم وضعت يدها المغمسة بالحبر في جيبها على أساس أنها {مشلولة} ولا تستطيع إخراجها فسمح لها المشرف بالتصويت للمرة الثانية بغمس أصبع اليد اليسرى ..طبعا الصوت الثاني لا يمكن تسجيله لكن العجوز المزورة فرحت لانها ستتمكن من بيع ضميرها مرتين لمرشح واحد.
أحد رؤساء اللجان جمع محاضره الورقية وصناديق الإقتراع وفقا للأصول وتجول بحراسة أمنية مشددة للموقع المركزي للتسليم..هناك إستلم أحدهم {البضاعة} بدون تدقيق ومراجعة وسلم الرجل كشفا ببراءة الذمة وصاحبنا قال لي: لو سلمته بدلا من محاضر الإقتراع كمية من البطاطا لمشي الأمر ولو اخذت الصناديق معي لكي يلهو بها أطفالي لما سألني أحد.
الرجل أضاف: ليست تلك مشكلتي ..ما يقهرني هو السؤال التالي: لماذا دربونا لأسبوعين حصريا على جزئية {التسليم والإستلام} ولماذا تحركت محاضري بحراسة أمنية مشددة؟..كان يمكن لرجال الشرطة الذين خصصوا لحراسة محاضري أن ينشغلوا بواجب آخر حقيقي .
دوما لا يخلو الأمر من مفارقات تشعرك بالخجل الشديد فإحدى المرشحات في الأغوار {مطبعة} ومحسوبة على رئيس وزراء سابق وتم إنجاحها نكاية بإمرأة برلمانية لديها مواقف رجولية في البرلمان السابق وهواتف آخر الليل كانت تأتي للجان الفرز والجمع لتوجيه الأصوات هنا او هناك.
إكتشفت مثلا بان الرجل الذي يتلو ورقة الإقتراع أمام اللجنة قبل التسجيل لا يراقبه أحد فإذا كانت ورقتي مثلا للمرشح {س} يستطيع موظف صغير أن يقرأها على أساس أنها ل{ص} وهكذا.
ولم يعد سرا في عمان اليوم بان الموظفين الذين أشرفوا على الإجراءات لم تكن السيطرة عليهم ممكنة من قبل الهيئة المستقلة لإدارة الإنتخابات فالهيئة في واد والإجراءات كانت في واد آخر والولاء الإداري لم تحظ به هذه الهيئة كجسم إصلاحي ووليد.
لذلك لا نلوم رئيس الهيئة عبد الإله الخطيب وهو يتخذ موقفا أكثر تطورا بكثير من موقف المراقبين الدوليين والمحليين وحتى من موقف الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة{شهود الزور} فالرجل قال علنا بان الإنتخابات {لم تكن مثالية} وتخللتها إرباكات كثيرة.
الأهم مواطننا وبحمد الله ما زال {يخبر} لوحده.
بسام البدارين - القدس العربي
* العنوان بتصرف أخبار البلد