ومرة أخرى يتجدد السقوط الأخلاقي المدوي لمنظومة الاستعمار التي ما زالت بدولها تختزن الذهنية الاستعمارية العدوانية المنتهكة لحقوق الشعوب وثرواتهم، تلك المنظومة التي لا تتقبل فكرة العدل ولا تعتمد من معايير التقييم إلا ما يناسبها خدمة لمصالحها فهي لا ترى للإنسان حقوقا إلا لإنسانها أما الآخرون فهم كم من العبيد والأرقام في خدمة مشاريعها، وبرأيها وجد القانون ليقيد من يخرج على سلطانها وسيف تهوي به على رقاب أعدائها، لأنها هي التي تضع ميثاق العالم وتفسره وتتقلب في التفسير والتغيير وفقا لما تتقلب مصالحها وتتغير، وعليه فقد تفسر صرخة ضحية بوجه الجلاد بأنها إرهاباً، وترى قتل الآمنين في بيوتهم وتدمير ممتلكاتهم الطريق إلى الحرية وخدمة للإنسانية وحرصا على السلام العالمي.. إنه قانون النفاق الدولي الذي تعمل به منظومة الاستعمار المتجدد اليوم.
و يقف المرء مشدوها أمام سلوك تلك المنظومة، حيث إن مشاعر دولها كلها لم تهتز كما ولم يرف لها جفن أمام بشاعة الأعمال الإرهابية ونتائج التفجيرات الوحشية التي نفذت بسيارات الموت المتحركة بإشراف منظومة العدوان على سورية حيث أودت بحياة العشرات من المدنيين الأبرياء الذين بكروا في صباح حلبي مشرق للسعي إلى رزقهم، بل سكت الجمع الاستعماري سكوتاً يؤكد الاغتباط بالجريمة وبمشهد الضحايا، لأن في القتل والتدمير تحقيقاً لأهداف العدوان.
و لم يتبدل موقف هؤلاء الاستعماريين المنافقين، عندما فاخر أحد فروع تنظيم القاعدة الإرهابي بأنه هو الذي نفذ الجرائم في حلب. فأميركا التي قطعت آلاف الأميال لتحارب في أفغانستنان وفقا لادعائها، لتحارب إرهاب «القاعدة»، هي نفسها اليوم تعمل وفي الخندق نفسه الذي تمارس منه «القاعدة» إرهابها، وهنا نسأل أي من السلوكين نصدق: قتال أميركا للإرهاب بالأمس؟ أم احتضان أميركا لإرهاب القاعدة ونشاطها اليوم؟
والجواب لدينا واضح وهو أن أميركا تعمل فقط لمصالحها، فعندما كانت بحاجة للانتشار في الشرق ادعت أنها ذاهبة لحرب القاعدة، وعندما قررت العدوان على سورية احتضنت القاعدة، وهي مع الإرهاب في الحالين تطارده لتحقق مصالح تراها في الحرب وتحتضنه ليحقق مصالحها في مكان آخر.
لقد سكتت أميركا عن الدفق الإرهابي الذي يدخل إلى سورية عبر الحدود التركية، وسكتت عن معسكرات تدريب الإرهابيين ( تسعة معسكرات) على الأرض التركية، لكنهما حاولت حشد العالم ضد سورية من أجل قذيفة طائشة لم يعلم حتى الآن مصدرها ومن الآمر بإطلاقها، رغم أن المرجح أن مطلقي القذيفة هم أنفسهم الإرهابيون الذين تدربوا في تركيا.
لم تنتظر المنظومة الاستعمارية نتائج التحقيق في إطلاق تلك القذيفة وراحت تستعجل الحكم معتبرة أن في الأمر تهديداً للسلام العالمي في حين أنها دعمت وأيدت الأعمال الإرهابية الحقيقية ورفضت دعوة الحكومة السورية للإرهابيين بإلقاء السلاح كما أنها تتعامى اليوم عن قوافل الشاحنات التي تعبر من الحدود التركية نفسها وتنقل السلاح والذخيرة والمتفجرات إلى عصابات الإجرام لاستعمالها لقتل الآمنين في سورية وهي لا ترى في كل هذا الانتهاك لكل قواعد الأخلاق والقانون تهديداً لهذا السلام بل تفاخر مع جوقتها الاستعمارية بدعم هؤلاء القتلة.
نعم إن أميركا التي قادت الناتو إلى قتل 150الف ليبي تسارع اليوم إلى الطلب من مجلس الأمن إدانة سورية من أجل القذيفة الطائشة، لكنها تقف في الوقت نفسه وبكل صلافة لتمنع إدانة الأعمال الإرهابية في حلب كما منعت إدانة عمليات إرهابية سابقة (لكنها فشلت هذه المرة)، أميركا التي تولت مسؤولية «مجلس الإرهاب العالمي» الذي اختلقته خدمة لمصالحها ترفض إدانة الإرهاب لأنه يستهدف الشعب السوري المتمسك بكرامته وعنفوانه والذي عجزت عن ترويضه أو تركيعه.
في ظل هذا المشهد البشع والكئيب المنبعث من سلوك منظومة الاستعمار تلك نجد روسيا ومعها أصدقاء سورية الحقيقيون ودبلوماسيتها العاقلة والعاملة بموضوعية ووعي والتي تنشد الحق والعدل تدعو إلى إجلاء الحقيقة ووضع الأمور في أحجامها ومواضعها وإلى ضبط النفس وفتح قناة اتصال مباشرة بين سورية وتركيا لمراعاة سيادة وسلامة الأراضي لكل منهما ومعالجة أي توتر على الحدود كبديل عن تأجيج أي حادث عرضي كما يفعل الغرب.
سلوك متناقض بين باحث عن حقيقة وعدالة يرسيها من أجل السلام العالمي الحقيقي وبين منافق مزور للوقائع يمارس سياسة تحريضية تدميرية خدمة لمصالحه الاستعمارية، تناقض بين الصدق والوضوح من جهة والنفاق والرياء والغموض من جهة أخرى، تناقض بين من يلازم قوله عمله، ومن يخالف عمله قوله، ومع هذا التناقض تجد الشعوب نفسها ملزمة بالثبات والمواجهة لتحمي حقوقها، وسيادتها بنفسها أولاً وتتيح لمن ينشد عدلاً أن يتحرك، في مواجهة دعاة الظلم الاستعماري، وهذه هي سورية تعطي المثل في المواجهة وبثباتها تمكن من إرساء التحالف الفعلي ضد الإرهاب الحقيقي الذي يستهدف شعبها والعالم، تحالف بات يمتلك القدرات لإسقاط « مجلس الإرهاب العالمي» بالقيادة لأميركية، لاستعادة دور «مجلس الأمن الدولي» في نظام عالمي جديد ولد من الرحم السوري.