تابعت كغيري يوم الجمعة مسيرة الاخوان المسلمين لكنني في الحقيقة كنت لحظتها استعيد مواقف هذه الجماعة تحديدا خلال عملهم النيابي في كتلة نواب جبهة العمل الاسلامي اثناء تواجدهم في البرلمان وتذكرت الزوبعة السياسية التي اثارتها الكتلة البرلمانية الاسلامية التي خلقت اجواء من الفوضى داخل البرلمان عندما طرحت تسيير سفينة من العقبة الى بحر غزة لكسر حصار القطاع ولم نفهم حينها مغزى الرسالة ولكن اصرار نواب العمل الاسلامي على انتزاع موافقة البرلمان على فكرة هذه السفينة حمل اكثر من مغزى كان ابرزها اثارة مشاعر الشارع وفق خطة منهجية مدروسة غير ان البرلمان بقي مصرا على رفض الفكرة على قاعدة ان السفينة المزعومة يراد لها سلوك خط ملاحي لا وجود له في المياه الاقليمية ما بين ميناء العقبة وشواطىء غزة رغم ادراك نواب العمل الاسلامي ان تسيير مثل هذه السفينة يتطلب اختراقا لقناة السويس وهو ما يشكل في القانون الدولي تعديا صارخا على سيادة دولة اخرى.
ما افتعله نواب العمل الاسلامي حينها من توتر وحرد واحتجاج على موقف النواب الرافض للفكرة لا يوجد ما يبرره بالمقاييس العامة لكن كان الامر رسالة من الجماعة الاسلامية للرأي العام بانها -اي الجماعة- تناصر الاهل في غزة ومجلس النواب يقف عائقا امام كسر الحصار عن 5ر1 مليون فلسطيني.
ولكي نذهب ابعد من ذلك في موضوع السفينة المفترضة نؤكد ان الامر لم يكن اكثر من بحث عن الاضواء لقيادات العمل الاسلامي كما هو الحال دوما والا لماذا كان الاصرار على تسيير سفينة لا جود لخطها البحري في المياه الاقليمية ما دام الخط البري مفتوحا امام سيارات الشحن الضخمة التي تسيرها الهيئة الخيرية الهاشمية وتنقل على متنها الادوية والاغذية وكل مل يلزم للاشقاء في القطاع المحاصر حتى ان دولا عربية عديدة تلجأ للهيئة الخيرية الهاشمية لنقل مساعداتها الى غزة. اذن كان بامكان المساعدات التي تريد الحركة الاسلامية نقلها الى القطاع عبر البحر ايصالها في شاحنات الهيئة الخيرية الهاشمية رغم ان الحركة تعلم ان السلطات المصرية لو سمحت لها بالمرور من قناة السويس فان الزوارق الاسرائيلية ستجبرها على العودة.
اسوق ما تقدم وانا استعرض كل مراحل الغبار السياسي الذي احترفت جماعة الاخوان المسلمين اثارته طيلة السنوات الماضية وما زالت تثيره فها هي اليوم تحاول التغطية على صمتها المريب حيال ما تعرض له اولى القبلتين وثالث الحرمين من تدنيس واستباحة من قوات الاحتلال ففي الوقت الذي كانت الدولة منشغلة في متابعة ما يجري للمدينة المقدسة وتجري اتصالاتها مع عواصم القرار للتدخل لوقف الجنون الاسرائيلي بحق الاماكن المقدسة وفي الوقت الذي كان فيه المصلون في القدس يدافعون بارواحهم عن المسجد كان قادة جماعة الاخوان المسلمين في قاع المدينة وهم بكامل اناقتهم يبحثون عن الاضواء وعدسات الفضائيات فيما المسجد الاقصى يستباح دون ان يطلقوا حتى كلمة ادانة.
وها هم اليوم يحاولون التغطية على جريمة صمتهم بحق اولى القبلتين وثالث الحرمين باثارة لعبة الارقام وهي لعبة تفقد الجغراقيا شرعيتها ونحن لا نستغرب الادعاءات فمن يصمت على جريمة الاحتلال بتدنيس الاقصى دون ادانة لا نستغرب عليه الادعاء والافتراء وتزوير الحقائق والجميع يستطيع تقدير العدد الحقيقي لمساحة جغرافية محصورة ومحدودة المعالم.
ولم تكتف الجماعة بتزوير الحقائق على الارض بل سارعت الى لعبتها الاعلامية من خلال مواقع اعلامية صديقة والطلب منها الى اعتماد الـ 70 الفا كرقم لاعداد المشاركين في مسيرة الجمعة وهي مواقع مضادة للوحدة الوطنية ولا تتجاوز اصابع اليد وتدفع دوما باتجاه دون اخر.
لا ننكر على الجماعة الاسلامية شعبيتها ولكننا ضد تزوير الارقام وكل من راقب المشهد يجزم ان العدد من حده الاعلى لم يتجاوز الـ10 الاف ان لم يكن اقل من ذلك اذا استثنينا العدد الهائل من رجال الامن الذي كلفوا بحماية المسيرة والذين قدر عددهم بـ 4 الاف رجل امن.
لقد باتت اللعبة اليوم مكشوفة اكثر من اي وقت مضى وان خطة جماعة الاخوان المسلمين تتمحور حول استزاف قدرات اجهزتنا الامنية وموازناتها فقد بلغت كلفة مسيرة الاخوان على مديرية الأمن العام زهاء مليون و200 ألف دينار، بعد ان أعلنت مديرية الأمن العام بكافة مرتباتها حالة الطوارئ، وأرسلت زهاء أربعة آلاف شرطي و240 آلية من ضمنهم 40 سيارة إسعاف وإنقاذ وإطفاء، تحسبا لأي طوارئ، ولتأمين مكان حماية المسيرة.
اذن، لمصلحة من يجري ما يجري نحن ندرك ان الجماعة الاسلامية لا مشكلة مالية لديها في اخراج مسيرة كل يوم فاموال الزكاة التي تتلقها كفيلة بالانفاق على مسيراتها لكن استنزاف ميزانية الامن بات يشكل تهديدا لان هذا الموازنة وجدت لحماية الامن المجتمعي الذي بات الاخوان انفسهم يهددونه.
لقد غامر الاخوان يوم الجمعة بحياة الاطفال والنساء لاسباب غير معروفة فماذا لو حدث امر ما لا قدر الله فكيث ستنجو النساء وما هو مصير الاطفال؟ لقد كنا نعتقد ان بعض الحكمة ما زال موجودا لدى قيادة الجماعة لكن مشاهد المسيرة قالت لنا غير ذلك فلم تعد الجماعة الاسلامية جماعة دعوة وتربية بل باتت جماعة بمخالب سامة عندما تنازلت عن الخلق الحسن وخلق الاسلام بتطاولها على ولي الامر مخالفة بذلك الشريعة الاسلامية التي تربينا عليها.
نفهم في العمل السياسي ان الاستنكاف عن العمل العام يلزم الطرف المستنكف بالالتزام بقواعد اللعبة السياسية واحترام رأي الاغلبية لا ان يتم الجلوس في الغرف المعتمة ورسم السياسات التحريضية التي يدفع ثمنها في الغالب المواطن الذي لا يفهم لعبة السياسة ودهاليزها.
ما فعلته جماعة الاخوان المسلمين علق في الذاكرة في حال اجراء جردة حساب لما حصل خلال الاشهر الماضية من تجاوزات للخطوط الحمراء. ولكن تمادي الجماعة في الخروج عن الاعراف والتقاليد الاردنية ومطالبتها بتغيير بنية النظام والدعوات التحريضية، لا يمكن السكوت عنها حتى لو سكتت الدولة عنه ونحن نقدر لجميع الاجهزة في الدولة ضمان استمرار العبور الامن لمسيرة الجمعة وسعة صدرها على كل سهام الجماعة.
ان تجاوز الخطوط الحمراء واخراج الربيع الاردني من دائرته ما هما الا استجابة لمخططات خارجية تسعى لجر البلاد الى ما لا يحمد عقباه مع تاكيدنا ان صبرنا على الامن الناعم بدأ بالنفاد ونتساءل الم تفقد الاجهزة الامنية صبرها بعد؟ ونحن هنا لا ندعو للتشدد بقدر ما نطالب بان يكون القضاء هو الحكم ما دام الدستور الاردني يصون كرامة المواطن أيا كان موقعه.