سطوة السلفية الجهادية على عقول الأمة
أعلم عزيزي القاريء أن هذا العنوان عريض ولا يكفيه عشرات بل مئات الصفحات وملايين الكلمات ، ولكني أكتب مقالتي هذه انطلاقاً مما شهدته الساحة العربية الإسلامية من غليان وتظاهر وتشنج كردة فعل على الفيلم المسيء للرسول عليه الصلاة والسلام ....
نعم بئس الفيلم هو ، وبئس الفكر المريض الذي سعى لإنتاجه وعمله ، ويا له من امتحان لعقولنا وأخلاقنا ما بعد الربيع العربي ...
فرحنا بالربيع العربي وقلنا يا مرحباً بالتغيير والتحرر من الطغيان والتخلف ، وعند أول امتحان سقطنا سقطة كبيرة ، لا تختلف عن سقطات مظاهرات ضد رواية حيدر حيدر ، أو الكاريكاتيرات المسيئة للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ...
لم يختلف شيء ما قبل الربيع وبعد الربيع ، فعقول شبابنا هي هي ، تنضح بالكراهية والتعصب والسطحية ضد الآخر المخالف لها في المنظور والاعتقاد ...
حين تظاهر المصريون في الميدان كانت مظاهراتهم من أروع المظاهرات في التاريخ بسلميتها ونظافتها ورقيّها ،،، ولكن حين تظاهروا هم وغيرهم من المسلمين احتجاجاً على الفيلم المسيء دمروا السفارات الأمريكية وغير الأمريكية ، ورموا قوات الأمن بالحجارة وأحرقوا الإطارات وكسروا المحال التجارية الأمريكية ، بحجة الدفاع عن الإسلام ونبي الإسلام ....
متى كان الإسلام بهذه الفوضوية والكراهية والعدوان ؟؟؟
يقول القرآن الكريم :
"ولا تزر وازرة وزر أخرى"
فإذا قام مجموعة من الأفراد بعمل فيلم يسيء للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، فهل يصح أن ينفعل الشاعر بهذه الطريقة !!!
وهو الفيلم الذي لم يموله إلا أفراد واضح أنهم محدودو الإمكانيات لضعف التمثيل وفهاهة الإخراج ، فلو كان الفيلم مدعوماً من حكومة الولايات المتحدة ، أو كان ممولاً من شركات إنتاج عظمى ، لقلنا نعم لكم الحق في الاحتقان والغليان .... لكنه عمل فردي لمجموعة من متشددي المسيحيين تؤمن بأن الإسلام هو دين إرهاب وقتل وعدوان ، فما كان ردنا إلا لإثبات هذه الرؤيا ...
هو أساؤوا لأنفسهم حين أخرجوا هذا الفيلم البغيض ، لكننا أسأنا نحن لرسولنا ولإسلامنا بهذا السلوك الغوغائي الشائن المشين والذي أدانه كبار علماء الإسلام في الأمة...
ولكن ما الذي دفع شبابنا لهذا السلوك وقد نظمنا فيهم قصائد الغزل والمدح في ثورتهم ووعيهم السلميين في الربيع العربي ؟؟
أقول أن النسخة الموجودة في عقول معظم الشباب المسلم من الدين الإسلامي هي نسخة سيد قطب ، ومن قبله أبو الأعلى المودودي مروراً بمجاهدي أفغانستان وتكفيريي مصر والجزائر وليس انتهاءاً بابن لادن والظواهري والقاعدة ...
فهؤلاء يرون الدين سيفاً مشهوراً على رقاب العالم ، من شرق الأرض إلى مغربها ، علاقة تحارب ومحاربة دائمة مع العالم ....
يقول سيد قطب في كتابه معالم في الطريق - دار الشروق - ط 6 1979 ص 137 تحت فصل (جنسية المسلم وعقيدته) :
وان هناك دارا واحدة هي دار الإسلام ، تلك التي تقوم فيها الدولة المسلمة ، فتهيمن عليها شريعة الله ، وتقام فيها حدوده ، ويتولى المسلمون فيها بعضهم بعضا ، وما عداها فهو دار حرب ، علاقة المسلم بها إما القتال ، وإما المهادنة على عهد أمان ، ولكنها ليست دار إسلام ، ولا ولاء بين أهلها وبين المسلمين
وقد صرخ في نفس الكتاب انقطاع وجود الأمة المسلمة منذ قرون حيث قال ص 5-6 :
و " وجود " الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة .. فالأمة المسلمة ليست " أرضًا " كان يعيش فيها الإسلام . وليست " قومًا " كان أجدادهم في عصر من عصور التاريخ يعيشون بالنظام الإسلامي .. إنما " الأمة المسلمة " جماعة من البشر تنبثق حياتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وأنظمتهم وقيمهم وموازينهم كلها من المنهج الإسلامي . . . وهذه الأمة - بهذه المواصفات ! قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر- الأرض جميعًا .
وقال ص 145 :
كل ارض تحارب المسلم في عقيدته ، وتصده عن دينه ، وتعطل عمل شريعته ، فهي " دار حرب " ولو كان فيها أهله وعشيرته وقومه وماله وتجارته . . وكل أرض تقوم فيها عقيدته وتعمل فيها شريعته ، فهي " دار إسلام " ولو لم يكن فيها أهل ولا عشيرة ولا قوم ولا تجارة .
ص 147 :
إنه لا إسلام في أرض لا يحكمها الإسلام ولا تقوم فيها شريعته ، ولا دار إسلام إلا التي يهيمن عليها الإسلام بمنهجه وقانونه .
لا أريد أن أرهق القاريء بالمقتبسات ، ولسنا هنا بصدد محاكمة فكر سيد قطب ، لكنه لا يرى وجوداً للأمة الإسلامية التي تقيم شرع الله ، فيدخلها في دار الحرب مثلما يدخل دول الكفار ، لتصبح علاقتنا بالعالم هي علاقة حرب دائمة ...
هذا الفكر حين تلاقح مع السلفية الوهابية أنتج لنا جماعات التكفير وعلى رأسها القاعدة ، والتي ترى قتل الآخرين جهاداً في سبيل الله حتى لو كانوا أبرياء مسلمين مدنيين مثل ضحايا تفجيرات عمان في 2005 أو ضحايا 11 سبتمبر 2001 وتفجيرات العراق التي لا تنتهي ....
تلك الجماعات التكفيرية هي التي قامت بتفجير معابد بوذا دون أدنى احترام لمشاعر مؤمنيها وهم أكثر شعوب الأرض سلمية وسلاماً ، فهذا هو مفهومها عن التعايش مع الآخرين ، اعتداء واعتداء مضاد ....
هذا الفكر الذي نظم نفسه إبان الثورة الإسلامية في إيران فكان ذاك المد الشيعي وكان هذا المد الوهابي التكفيري الجهادي ، حتى عادته الأنظمة الحاكمة الفاسدة ، فاصبح ضحيتها ورافع راية الإسلام ومجدد الدين في نظر عوام المسلمين فتقاطروا ليتشربوا أفكاره عن قصد ومن غير قصد ...
ليس الدين بالقتل والعدوان قال تعالى : "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" البقرة 190 ...
فمن باب أولى كان الأولى بكم أن تطالبوا بمحاكمة من أنتج الفيلم ومن موّله وروّج له ، لا أن تقتلوا سفيراً وموظفيه وتحطموا السفارات الأجنبية كالسفارة الألمانية والبريطانية ومحلات الوجبات السريعة ....
هذا عدوان والله لا يحب المعتدين ....
أقول وباختصار أن ما قام به المتظاهرون هو أكبر إساءة للغسلام ونبي الإسلام والعالم يتفرج علينا وعلى ردة فعلنا ...
هذه ليست ثورات ربيع عربي ، هذه ثورات جياع .... لكنها لن تخرجنا إلى أي نور ، بل ستغرقنا في غياهب الجهل والتخلف ، لأننا نحتاج إلى ثورات ثقافية تزيل ما تراكم في عقول الأجيال من تعصب وكراهية وحقد وعدوان ورفض للآخر باسم الدين والصحوة والدعوة ...
نحن نحتاج إلى مراجعات لنبذ الفكر التكفيري وذهنية التحريم التي هي معظم ثقافة السلفية الجهادية ، وبناء مجتمع صحي غير ملوث عقلياً بفكر مستنير يسعى للتعايش مع أربعة أخماس سكان الأرض ....
د. أسامة السفاريني
15-9-2012
الإمارات
أعلم عزيزي القاريء أن هذا العنوان عريض ولا يكفيه عشرات بل مئات الصفحات وملايين الكلمات ، ولكني أكتب مقالتي هذه انطلاقاً مما شهدته الساحة العربية الإسلامية من غليان وتظاهر وتشنج كردة فعل على الفيلم المسيء للرسول عليه الصلاة والسلام ....
نعم بئس الفيلم هو ، وبئس الفكر المريض الذي سعى لإنتاجه وعمله ، ويا له من امتحان لعقولنا وأخلاقنا ما بعد الربيع العربي ...
فرحنا بالربيع العربي وقلنا يا مرحباً بالتغيير والتحرر من الطغيان والتخلف ، وعند أول امتحان سقطنا سقطة كبيرة ، لا تختلف عن سقطات مظاهرات ضد رواية حيدر حيدر ، أو الكاريكاتيرات المسيئة للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ...
لم يختلف شيء ما قبل الربيع وبعد الربيع ، فعقول شبابنا هي هي ، تنضح بالكراهية والتعصب والسطحية ضد الآخر المخالف لها في المنظور والاعتقاد ...
حين تظاهر المصريون في الميدان كانت مظاهراتهم من أروع المظاهرات في التاريخ بسلميتها ونظافتها ورقيّها ،،، ولكن حين تظاهروا هم وغيرهم من المسلمين احتجاجاً على الفيلم المسيء دمروا السفارات الأمريكية وغير الأمريكية ، ورموا قوات الأمن بالحجارة وأحرقوا الإطارات وكسروا المحال التجارية الأمريكية ، بحجة الدفاع عن الإسلام ونبي الإسلام ....
متى كان الإسلام بهذه الفوضوية والكراهية والعدوان ؟؟؟
يقول القرآن الكريم :
"ولا تزر وازرة وزر أخرى"
فإذا قام مجموعة من الأفراد بعمل فيلم يسيء للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، فهل يصح أن ينفعل الشاعر بهذه الطريقة !!!
وهو الفيلم الذي لم يموله إلا أفراد واضح أنهم محدودو الإمكانيات لضعف التمثيل وفهاهة الإخراج ، فلو كان الفيلم مدعوماً من حكومة الولايات المتحدة ، أو كان ممولاً من شركات إنتاج عظمى ، لقلنا نعم لكم الحق في الاحتقان والغليان .... لكنه عمل فردي لمجموعة من متشددي المسيحيين تؤمن بأن الإسلام هو دين إرهاب وقتل وعدوان ، فما كان ردنا إلا لإثبات هذه الرؤيا ...
هو أساؤوا لأنفسهم حين أخرجوا هذا الفيلم البغيض ، لكننا أسأنا نحن لرسولنا ولإسلامنا بهذا السلوك الغوغائي الشائن المشين والذي أدانه كبار علماء الإسلام في الأمة...
ولكن ما الذي دفع شبابنا لهذا السلوك وقد نظمنا فيهم قصائد الغزل والمدح في ثورتهم ووعيهم السلميين في الربيع العربي ؟؟
أقول أن النسخة الموجودة في عقول معظم الشباب المسلم من الدين الإسلامي هي نسخة سيد قطب ، ومن قبله أبو الأعلى المودودي مروراً بمجاهدي أفغانستان وتكفيريي مصر والجزائر وليس انتهاءاً بابن لادن والظواهري والقاعدة ...
فهؤلاء يرون الدين سيفاً مشهوراً على رقاب العالم ، من شرق الأرض إلى مغربها ، علاقة تحارب ومحاربة دائمة مع العالم ....
يقول سيد قطب في كتابه معالم في الطريق - دار الشروق - ط 6 1979 ص 137 تحت فصل (جنسية المسلم وعقيدته) :
وان هناك دارا واحدة هي دار الإسلام ، تلك التي تقوم فيها الدولة المسلمة ، فتهيمن عليها شريعة الله ، وتقام فيها حدوده ، ويتولى المسلمون فيها بعضهم بعضا ، وما عداها فهو دار حرب ، علاقة المسلم بها إما القتال ، وإما المهادنة على عهد أمان ، ولكنها ليست دار إسلام ، ولا ولاء بين أهلها وبين المسلمين
وقد صرخ في نفس الكتاب انقطاع وجود الأمة المسلمة منذ قرون حيث قال ص 5-6 :
و " وجود " الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة .. فالأمة المسلمة ليست " أرضًا " كان يعيش فيها الإسلام . وليست " قومًا " كان أجدادهم في عصر من عصور التاريخ يعيشون بالنظام الإسلامي .. إنما " الأمة المسلمة " جماعة من البشر تنبثق حياتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وأنظمتهم وقيمهم وموازينهم كلها من المنهج الإسلامي . . . وهذه الأمة - بهذه المواصفات ! قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر- الأرض جميعًا .
وقال ص 145 :
كل ارض تحارب المسلم في عقيدته ، وتصده عن دينه ، وتعطل عمل شريعته ، فهي " دار حرب " ولو كان فيها أهله وعشيرته وقومه وماله وتجارته . . وكل أرض تقوم فيها عقيدته وتعمل فيها شريعته ، فهي " دار إسلام " ولو لم يكن فيها أهل ولا عشيرة ولا قوم ولا تجارة .
ص 147 :
إنه لا إسلام في أرض لا يحكمها الإسلام ولا تقوم فيها شريعته ، ولا دار إسلام إلا التي يهيمن عليها الإسلام بمنهجه وقانونه .
لا أريد أن أرهق القاريء بالمقتبسات ، ولسنا هنا بصدد محاكمة فكر سيد قطب ، لكنه لا يرى وجوداً للأمة الإسلامية التي تقيم شرع الله ، فيدخلها في دار الحرب مثلما يدخل دول الكفار ، لتصبح علاقتنا بالعالم هي علاقة حرب دائمة ...
هذا الفكر حين تلاقح مع السلفية الوهابية أنتج لنا جماعات التكفير وعلى رأسها القاعدة ، والتي ترى قتل الآخرين جهاداً في سبيل الله حتى لو كانوا أبرياء مسلمين مدنيين مثل ضحايا تفجيرات عمان في 2005 أو ضحايا 11 سبتمبر 2001 وتفجيرات العراق التي لا تنتهي ....
تلك الجماعات التكفيرية هي التي قامت بتفجير معابد بوذا دون أدنى احترام لمشاعر مؤمنيها وهم أكثر شعوب الأرض سلمية وسلاماً ، فهذا هو مفهومها عن التعايش مع الآخرين ، اعتداء واعتداء مضاد ....
هذا الفكر الذي نظم نفسه إبان الثورة الإسلامية في إيران فكان ذاك المد الشيعي وكان هذا المد الوهابي التكفيري الجهادي ، حتى عادته الأنظمة الحاكمة الفاسدة ، فاصبح ضحيتها ورافع راية الإسلام ومجدد الدين في نظر عوام المسلمين فتقاطروا ليتشربوا أفكاره عن قصد ومن غير قصد ...
ليس الدين بالقتل والعدوان قال تعالى : "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" البقرة 190 ...
فمن باب أولى كان الأولى بكم أن تطالبوا بمحاكمة من أنتج الفيلم ومن موّله وروّج له ، لا أن تقتلوا سفيراً وموظفيه وتحطموا السفارات الأجنبية كالسفارة الألمانية والبريطانية ومحلات الوجبات السريعة ....
هذا عدوان والله لا يحب المعتدين ....
أقول وباختصار أن ما قام به المتظاهرون هو أكبر إساءة للغسلام ونبي الإسلام والعالم يتفرج علينا وعلى ردة فعلنا ...
هذه ليست ثورات ربيع عربي ، هذه ثورات جياع .... لكنها لن تخرجنا إلى أي نور ، بل ستغرقنا في غياهب الجهل والتخلف ، لأننا نحتاج إلى ثورات ثقافية تزيل ما تراكم في عقول الأجيال من تعصب وكراهية وحقد وعدوان ورفض للآخر باسم الدين والصحوة والدعوة ...
نحن نحتاج إلى مراجعات لنبذ الفكر التكفيري وذهنية التحريم التي هي معظم ثقافة السلفية الجهادية ، وبناء مجتمع صحي غير ملوث عقلياً بفكر مستنير يسعى للتعايش مع أربعة أخماس سكان الأرض ....
د. أسامة السفاريني
15-9-2012
الإمارات