اخبار البلد_ يلّح خالد مشعل، في تصريحاته العمّانية المثابرة، على أنه "لا يتدخل في الشؤون الداخلية" لبلدنا. ولكن ماذا يمكننا أن نسمي هذا السيل من الأحاديث الصحفية والتسريبات التي تتناول، بالذات، قضايانا السياسية الصميمة؟
وماذا نسمي تصريحاته الخاصة بالوضع السياسي الأردني؟ وماذا نسمي مداولاته مع القيادات الإخوانية الأردنية، وحفزها بهذا الاتجاه أو ذاك، ووقوفه العلني مع جناح منها على حساب جناح آخر؟ وفي أي خانة تقع الغداءات والعشاءات التي "يشرّفها" بحضور سياسيين أردنيين؟ هل يتم الحديث، خلالها، عن طقس عمان الصيفي الجميل؟ أم يجري فيها تبادل الأخبار عن الأسر والأبناء؟
ويلحّ مشعل على رفضه الوطن البديل... لكن كيف نسمي انتعاش تيار الحقوق المنقوصة والمحاصصة والوطن البديل، بمناسبة زيارته للبلاد؟ ويا سبحان الله، كيف يجتمع على صحبة مشعل، الإسلاميون والليبراليون والانتهازيون ؟ وكيف يتحوّل صحافيون محترمون إلى الكتابة الدعائية لصالح مشعل الذي تحوّل، رغم ادعاءاته، إلى عامل داخلي؟
وراء الأكمة ما يثير الريبة!
منذ مقدم مشعل المفاجئ إلى عمّان، جرى التعامل معنا بصفتنا سذجا وبلهاء. إذ أن الرجل وجماعته كانوا مبعدين عن البلاد بحجج قانونية وسيادية وأمنية. وحين كنتُ أحاول ـ شخصيا ـ تحسين العلاقات مع حماس ـ حين كانت هي في خندق المقاومة، كانت الحجج الدامغة تواجهني من كل حدبٍ وصوب:
ـ مشعل متمسك بجنسيته الأردنية وفي الوقت نفسه بقيادته لتنظيم فلسطيني. وهذا لا يجوز! كيف يقابل مواطن أردني، ملك البلاد، بصفته ممثلا لحركة غير أردنية؟
ـ حماس خزّنت السلاح في الأردن لاستخدامه في الأردن، وجمعت معلومات استخبارية عن البلاد بروح عدائية، فكيف نقيم معها علاقات ودية؟
ـ حماس تتدخل في شؤون الأردن الداخلية، وفي شؤون الحركة الإسلامية. وإذا أعدناها فستشكّل تنظيمات بالآلاف في صفوف مواطنينا من الأصول الفلسطينية. فهل تقبل؟
أما أصدقاؤنا في اليسار الليبرالي، فكانوا يرفضون التعاطي مع تنظيم "إخواني ديني رجعي". وكنّا نقول لهم إننا نتعامل معهم كتنظيم فلسطيني لا غير!
أين ذهبت كل هذه الحجج والاعتراضات فجأة؟
بالمقابل، كان الإسلاميون وحلفاؤهم القوميون، حينذاك، يفسرون الرفض الأردني الرسمي القاطع لأي صلات مع حماس، بأنه ناجم عن تبعية السلطات الأردنية للسياسة الأميركية وتنسيقها الأمني مع إسرائيل!
طيّب! ما الذي عدا مما بدا؟
ـ هل أصبحت السلطات الأردنية، فجأة، مستقلة وممانعة ومقاومة؟ وهل أوقفت تبعيتها لواشنطن وتنسيقها مع تل أبيب؟
ـ أم أن مشعل هو الذي تغيّر ولم يعد مقاوما واندرج في مشروع أميركي ـ إسرائيلي بوساطة قطر؟
فقط، ما نريده من النظام والمعارضة معا أن يحترما عقولنا! نريد إجابات واضحة من المسؤولين هنا وهناك، عن مواقفهم السابقة. ونريد من الكتّاب والمحللين المحترمين شيئا غير التقارير الدعائية.
ـ مشعل لم يأت إلى الأردن بجهود فلان أو علاّن، بل جاء في سياق ترتيبات دولية وإقليمية لها علاقة بمستقبل التطورات في الضفة الغربية، والترتيبات المريبة عبر النهر. وهو ما نرفضه جملة وتفصيلا.
ـ وهو يمارس تدخلا علنيا صريحا ومكثفا في شؤوننا الداخلية. وهو تدخّل ليس من حق أحد أن يأذن له به. فللبلد سيادته. وكل مواطن مكلّف بالدفاع عن هذه السيادة.
ـ وهو ـ كما يعرف أي طفل ـ يسيطر، سياسيا وتنظيميا وماليا، على تنظيم الإخوان المسلمين في الأردن. ذلك التنظيم الذي يتماهى مع "حماس"، بحيث لا يمكن التمييز بينهما. ووسط الفلتان السياسي ـ وربما الأمني قريبا لا قدّر الله في البلاد ـ ووسط كل هذا الجمع من الانتهازيين، فنحن نسير نحو وضع كالذي شكّله عرفات وفتح في الأردن 1968 ـ 1970.