أكتب للمرة الثالثة عن حمود، انطلاقًا من قناعة بأن الوفاء للضحايا ومواساة أهلهم يقتضيان أيضًا التفكير في مستقبل أبنائنا وأتناول هنا مسؤوليتنا التربوية والاجتماعية المشتركة، مع احترام اختصاص القضاء والجهات المعنية ودون الخوض في التحقيق أو استباق نتائجه أو نسبة مسؤولية إلى أي شخص أو مؤسسة.
الفكرة التي أريد إيصالها واضحة. حماية المجتمع تحتاج، إلى جانب تطبيق القانون، إلى تعليم وخطاب عام يرسخان أن الاختلاف الديني لا ينتقص من كرامة الإنسان ولا من حقوقه ويستحق هذا المبدأ أن يصبح ممارسة يومية في المدرسة والبيت والمنبر والمؤسسة العامة وأن نراجع وسائل تحقيقه بانتظام، مستندين إلى الأدلة وبعيدًا عن التعميم.
يبدأ السؤال الفلسفي من العلاقة بين الإيمان والحرية. يستطيع الإنسان أن يؤمن بصحة معتقده إيمانًا كاملًا وأن يدعو إليه بالحكمة، مع اعترافه بأن الآخرين يملكون الحق نفسه في الاعتقاد والاختيار. الاقتناع يمنح صاحبه موقفًا من الحياة، لكنه لا يمنحه سلطة على ضمائر الناس وحين نميز بين الأمرين، نحفظ للإيمان معناه ونحفظ للإنسان حريته.
وكرامة الإنسان تسبق موافقتنا على أفكاره. لو جعلنا الحقوق مشروطة بالتشابه، لأصبحت عرضة للتبدل كلما تغير ميزان القوة أو اشتد الخلاف. أما المجتمع المستقر فيحتاج إلى قاعدة يستطيع الجميع الاطمئنان إليها وهي أن اختلاف المعتقد لا يغير استحقاق الأمن والعدل والاحترام.
من هنا تكتسب المواطنة معناها العملي. فهي تجعل العلاقة بين أبناء الوطن قائمة على حقوق وواجبات معلومة وتمنحهم مرجعًا مشتركًا عند الاختلاف وينص الدستور الأردني على المساواة أمام القانون دون تمييز بسبب الدين ويحمي حرية القيام بالشعائر ضمن أحكامه وتتمثل مسؤوليتنا في ترجمة هذه المبادئ إلى سلوك وتربية وإجراءات يجد المواطن أثرها في حياته.
ويساعد فهم التاريخ على ترسيخ هذا الانتماء. فالوجود المسيحي في الأرض التي تشكل الأردن اليوم سابق لظهور الإسلام بقرون وتشهد عليه المواقع الأثرية والكنائس القديمة وتوثق اليونسكو جوانب من هذا الحضور في أم الرصاص والمغطس. إن تدريس هذا التاريخ يعزز معرفة الأردنيين بوطنهم ويتيح لكل طالب أن يرى تنوعه جزءًا من قصة مشتركة ولا تعني الأقدمية تفاوتًا في الحقوق، فالمواطنة المتساوية تشمل الجميع.
وتقع المناهج المدرسية في قلب هذا الجهد. فالكتاب يقدم معلومات ويسهم أيضًا في تشكيل صورة الطفل عن نفسه وعن الآخرين. لذلك تستحق المناهج مراجعة دورية تسأل عن دقة التاريخ وتوازن عرض مكونات المجتمع ووضوح العلاقة بين الاختلاف الديني والمساواة في الحقوق وهذه مراجعة لتطوير التعليم، ولا تفترض سلفًا وجود خلل في كتاب بعينه أو مسؤولية المناهج عن واقعة محددة.
وتوجد أسس إيجابية يمكن البناء عليها. يذكر الإطار المنشور لدى المركز الوطني لتطوير المناهج التسامح والمواطنة والتعايش واحترام الأديان ضمن أهداف التربية الإسلامية والمهمة التربوية هي متابعة انتقال هذه الأهداف إلى الدروس والأنشطة وأساليب التقويم، ثم إلى علاقة الطلبة بعضهم ببعض. فنجاح القيمة يظهر حين يستطيع الطالب تطبيقها في موقف اختلاف حقيقي.
ويمكن تطوير هذا العمل بإبراز التاريخ المسيحي للأردن ضمن سياقه الوطني وعرض إسهامات الأردنيين بمختلف انتماءاتهم في الحياة العامة وتقديم مواقف تعليمية يتدرب فيها الطلبة على الحوار وحماية كرامة زملائهم. كما يفيد أن نميز بوضوح بين تعليم العقيدة وبين تنظيم العلاقة المدنية مع أصحاب العقائد الأخرى، بحيث يفهم الطالب أن تمسكه بدينه ينسجم مع التزامه العدل تجاه الجميع.
ويمتد التعليم إلى ما يجري داخل الصف. فأسلوب المعلم في معالجة تعليق جارح وطريقة الاستماع إلى شكوى طالب، وقدرة المدرسة على إنصافه، كلها دروس عملية تبقى في الذاكرة ولهذا يستحق المعلمون تدريبًا ودعمًا يساعدانهم على إدارة الاختلاف ويستحق الطلبة بيئة يستطيعون فيها السؤال والتعبير عن انتمائهم دون سخرية أو انتقاص.
أما تنمية التفكير، فتمنح الطالب أدوات لفحص ما يسمعه خارج المدرسة أيضًا. يحتاج أبناؤنا إلى تعلم طلب الدليل، وفهم السياق، والتمييز بين الخبر والرأي، وبين النص وتفسيره. كما يحتاجون إلى إدراك أن الخطأ قابل للتصحيح، وأن اختلاف الرأي لا يبرر الخصومة مع صاحبه. هذه قدرات تعزز الاستقلال العقلي وتعين على التعامل مع الرسائل المضللة والاستقطاب.
ولخطب الجمعة دور مهم في ترسيخ هذه المعاني، لما يتمتع به المنبر من مكانة وثقة. وتظهر في المواد الرسمية المنشورة مضامين تدعو إلى العدل والإحسان وحسن الخلق وتجنب الفتن ويمكن البناء على هذا الرصيد بتناول مواقف الحياة اليومية، وتوضيح واجبات الجيرة، وحرمة الاعتداء، واحترام دور العبادة، وصون حقوق المواطنين على اختلاف أديانهم.
وأقترح أن تحظى هذه الموضوعات بحضور منتظم في البرامج الإرشادية، وأن تُدعم بتأهيل مستمر للخطباء في قضايا المجتمع والتواصل مع الشباب ومن المفيد تقييم أثر البرامج بالاستماع إلى الناس ودراسة احتياجاتهم، مع التمييز بين الموضوع المقترح والنص المكتوب والكلام الملقى فعلًا. وكل تقييم منصف يحتاج إلى عينة موثقة وسياق كامل ولا يصح أن يتحول إلى حكم عام على المساجد أو القائمين عليها.
ويشترك البيت والإعلام والفضاء الرقمي في المسؤولية. فالطفل يتعلم من طريقة حديث الكبار عن المختلف، والشاب يتأثر بما يتكرر أمامه من رسائل وصور ويمكن للأسرة أن تدرب أبناءها على الاعتراض دون إهانة، وللإعلام أن يعرض التنوع الاجتماعي بمعرفة واحترام، وللمستخدم أن يتحقق قبل المشاركة، وأن يمتنع عن تداول ما يمس خصوصية الناس أو يحرض عليهم.
ولكي تصبح هذه الأفكار قابلة للتنفيذ، أقترح برنامجًا تشاركيًا لتطوير التربية على المواطنة واحترام الاختلاف. يضم متخصصين في التعليم والتاريخ والقانون والدراسات الدينية، ويستمع إلى المعلمين والخطباء والطلبة والأسر وتكون له أهداف محددة ومواعيد معلنة، تشمل مراجعة المواد التعليمية والإرشادية، وتطوير التدريب، وتحسين قنوات الشكوى والاستجابة، وقياس الأثر مع احترام الخصوصية.
ومن المفيد أن تتيح الجهات المعنية للجمهور معرفة ما تحقق من تطوير، وما يحتاج إلى استكمال. فالمراجعة المنتظمة تعزز الثقة وتسمح بتصحيح الملاحظات وإبراز النجاحات. كما تمنح النقاش العام أساسًا معرفيًا يحول دون اتهامات متسرعة أو أحكام لا تسندها الأدلة.
والسؤال الذي ينبغي أن يوجه هذا العمل هو كيف نربي إنسانًا ثابتًا في قناعته، عادلًا مع من يخالفه، قادرًا على العيش معه دون خوف متبادل. إن تحقيق ذلك يحتاج إلى معرفة وتدريب وقدوة وإنصاف وإلى اتفاق على أن كرامة الإنسان وحقوقه مسؤولية مشتركة.
من أجل حمود، ومن أجل كل أسرة تريد لأبنائها حياة آمنة، أدعو إلى مراجعة هادئة في منهجها، جادة في أهدافها، واضحة في نتائجها. مراجعة تجعل احترام الاختلاف حاضرًا في درس المدرسة وخطبة الجمعة وحديث البيت وعمل المؤسسة. عندها يلمس الناس معنى المواطنة في تفاصيل حياتهم ويكبر أبناؤنا وهم يعرفون أن الوطن يتسع لهم جميعًا وأن صون هذا الاتساع واجب عليهم جميعًا.




