بدّلت جرائم الاحتلال معنى السفر والسياحة للإسرائيليين، ففي أكثر من دولة ترفض حجوزاتهم، أو خدمتهم، بينما تشكّل انتهاكات بعض جنود الاحتلال وسيلة لملاحقتهم.
وقد انتشرت الصور ومقاطع الفيديو التي توثق جرائم الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة حول العالم، وأحدثت صدمات وغضباً، وتعرض عشرات الجنود في جيش الاحتلال لشكاوى قانونية بسبب اتهامات مرتبطة بما ارتكبوه خلال خدمتهم العسكرية، كما واجه إسرائيليون في مطاعم ومدن سياحية ومهرجانات أوروبية وآسيوية الطرد والانتقاد، حيث تطاردهم تبعات حرب الإبادة إلى أماكن يُفترض أن تكون بعيدة عنها.
وفي سياق مواز، بدأ آلاف الإسرائيليون ينظرون إلى دول أوروبا وآسيا باعتبارها أماكن يمكن الانتقال إليها والعمل فيها وتربية الأطفال، والابتعاد عن أجواء الحرب والاستقطاب المتزايد داخل دولة الاحتلال، أكثر من كونها مجرد وجهات سياحية. وصارت مئات العائلات تبحث عن منزل في قبرص أو البرتغال أو تايلاند.
في يوليو/ تموز 2025، انتشر مقطع من مطعم في مدينة فيغو الإسبانية يظهر صاحبه، سمير سليم، وهو يطلب من مجموعة من السياح الإسرائيليين مغادرة المكان، وسط عبارات غاضبة مرتبطة بالحرب في غزة. وقال سليم حينها إنّ الزبائن أساؤوا معاملته واستفزّوه بعد أن شاهدوا علم لبنان في المطعم، بينما أظهرت المشاهد تبادلاً للصراخ والهتافات بين الطرفين. وفتحت الشرطة الإسبانية تحقيقاً، وأحالت تقريراً على النيابة العامة للنظر في احتمال وجود جريمة كراهية.
وفي نابولي الإيطالية، ظهر خلاف مشابه في مايو/ أيار 2025، عندما طلبت نيفيس موندا، وهي صاحبة مطعم، من مجموعة من السياح الإسرائيليين المغادرة عقب نقاش حول غزة. وقالت موندا إنّها ليست ضد اليهود، وإنّ يهوداً يتردّدون على مطعمها، ولكنها ترفض الصهيونية، وترى في مطعمها مساحة للاحتجاج على سياسات دولة الاحتلال تجاه الفلسطينيين. أما الأسرة الإسرائيلية فرأت في الواقعة استهدافاً لها بسبب هويتها. وفي الحالتين توافد إسبان وإيطاليون لتأييد المطعمين ورفض اتّهمامها بأنّهما معاديان لليهود.
وفي اليونان، انتقلت الاحتجاجات من المطاعم إلى الموانئ. ففي يوليو من العام الماضي، تظاهر ناشطون مؤيّدون للفلسطينيين في جزيرة رودس بالتزامن مع وصول سفينة سياحية كانت تقلّ أكثر من 600 سائح إسرائيلي. ووقعت مناوشات محدودة قرب الميناء، في حين تمكّن الركاب من النزول. وقبل ذلك بأيام، غادرت السفينة نفسها جزيرة سيروس في بحر إيجه من دون أن ينزل ركابها، بعد تجمّع أكثر من 150 متظاهراً في الميناء.
لكن العلاقة بين الحرب والسفر اتّخذت منحى أكثر حساسية عندما بدأ الأمر يتعلق بجنود من جيش الاحتلال. إذ نشر بعض الجنود خلال الحرب صوراً ومقاطع تظهر مشاركتهم في الجرائم على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحوّلت هذه المواد لاحقاً إلى أدلّة تستند إليها منظمات حقوقية في محاولة تحديد هويات أصحابها وملاحقتهم عندما يسافرون إلى الخارج.
وتكشف مؤسسة هند رجب، وهي منظمة حقوقية فلسطينية - بلجيكية، أنّها تجمع صوراً ومقاطع ومنشورات ومعلومات جغرافية منشورة، ثم تقدّم شكاوى إلى السلطات في البلدان التي يوجد فيها جنود تتّهمهم بارتكاب جرائم حرب. وفي بلجيكا، قدّمت المؤسسة في يوليو الماضي شكوى ضد جندي قالت إنّها حددت وجوده في مهرجان تومورولاند الموسيقي. وفي هولندا، أعلنت تقديم شكاوى ضد جنود احتياط إسرائيليين، مستندةً إلى منشورات على وسائل التواصل تتعلق بخدمتهم في غزة. كما قدّمت المؤسسة أيضاً شكاوى في البرتغال وإيطاليا، ثم في الهند وفيتنام، وقالت في ملفات مختلفة إنّ منشوراتٍ وصوراً نشرها الجنود بأنفسهم توثّق مشاركتهم في عمليات عسكرية أو في تدمير ممتلكات مدنية في غزة.
ورغم أنّ القضايا لم تصل بعد إلى القضاء، لكن الجديد هو أنّ السفر إلى الخارج لم يعد بالضرورة فاصلاً بين الجندي المحتل وحربٍ شارك فيها. فالهاتف الذي كان وسيلة لتوثيق ما يقوم به يمكن أن يصبح، بعد أشهر، مصدراً لمعلوماتٍ تستخدمها منظمات حقوقية في تحديد هوية صاحبه ومكان وجوده.
المفارقة أنّ أوروبا التي يلقى فيها بعض الإسرائيليين احتجاجاً أو ملاحقة قانونية، صارت في الوقت ذاته مكاناً يبحث فيه إسرائيليون آخرون عن حياة مختلفة. وتشير بيانات إسرائيلية إلى ارتفاع أعداد مَن يغادرون لفترات طويلة. ووفقاً لبيانات عرضها الكنيست، ارتفع عدد المغادرين من متوسط يقارب 40 ألفاً سنوياً بين عامَي 2009 و2021، إلى 59 ألفاً و400 في عام 2022، و82 ألفاً و800 في عام 2023، و69 ألفاً و500 في عام 2024. .
كما أظهرت دراسة حديثة لجامعة تل أبيب أنّ مئات آلاف الإسرائيليين أمضوا فترات لا تقلّ عن ثلاثة أشهر خارج البلاد بين عامَي 2023 و2025، مع تقديرات تشير إلى أنّ عشرات الآلاف غادروا في عام 2025 لفترات طويلة. ولا تعني هذه الأرقام أنّ جميع هؤلاء هاجروا بسبب الحرب، أو أنّهم ينوون عدم العودة، فالعوامل الاقتصادية والسياسية والأمنية وفرص العمل والتعليم ونمط الحياة تتداخل في قراراتهم. لكن الحرب صارت بالنسبة إلى بعضهم عاملاً إضافياً، وأحياناً محفّزاً لتسريع قرارٍ كان مؤجّلاً.
تُلخّص قبرص جانباً من هذه المفارقة، ففي يونيو/ حزيران من العام الماضي، عندما أُغلق المجال الجوي الإسرائيلي في خلال الحرب مع إيران، وجد عشرات الآلاف من الإسرائيليين أنفسهم عالقين خارج البلاد، وتحوّلت مدينة لارنكا إلى نقطة رئيسية لعمليات إعادتهم. لكن الجزيرة لم تعد مجرد محطة عبور، إذ بالنسبة إلى بعض الإسرائيليين، صارت مكاناً قريباً جغرافياً من دولة الاحتلال، ولكنّه في الوقت ذاته، يوفّر مسافة نفسية واجتماعية بعيدة عن أجواء الحرب.
وهناك إسرائيليون آخرون يتّجهون إلى البرتغال واليونان ودول أوروبية مختلفة، خصوصاً أنّهم يحملون جنسيات مزدوجة. بالنسبة إليهم قد تكون الهجرة مرتبطة بالعمل أو السكن أو التعليم أو الضرائب، ولكن الحرب تجعل فكرة امتلاك بيت أو إقامة بديلة خارج دولة الاحتلال أكثر حضوراً.
في دول شرق وجنوب شرق آسيا، بدأت الحرب على غزة ولبنان وعربدة المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة تظهر أيضاً في تفاصيل السياحة اليومية. ففي اليابان، أُثيرت قضية فندق في محافظة ناغانو رفض حجزاً قدّمته وكالة سفر إسرائيلية، وقالت إدارة الفندق إنّ موقفها مرتبط بمعارضتها للسياسة الإسرائيلية في غزة. وأثارت الواقعة نقاشاً حول حدود حق المؤسسات السياحية في التعبير عن موقف سياسي عندما يتحوّل إلى قرار يتعلق بزبون يحمل جنسية معينة.
في تايلاند، اتّخذت التوترات مساراً مختلفاً، ففي أغسطس/ آب الماضي، تجمّع نحو 150 إلى 200 شخص في جزيرة فوكيت الشهيرة ضمن احتجاج حمل اسم "أنقذوا فوكيت"، وقال منظموه إنّهم يحتجّون على سلوك بعض السياح الإسرائيليين، بما في ذلك العنف وعدم احترام أصحاب الأعمال ومخالفة القوانين. وفي فيتنام، سُجّل احتجاج أصحاب مطاعم ومنتجعات يرفضون خدمة زبائن من دولة الاحتلال.
من فيغو إلى نابولي، ومن رودس وسيروس إلى مهرجان تومورولاند الموسيقي، ومن الفنادق اليابانية إلى شوارع فوكيت، تبدو المشاهد متباعدة، ولكنّها تكشف تحوّلاً واحداً؛ فقد دخلت جرائم الجيش الإسرائيلي إلى مساحات الحياة اليومية، بعضها استند إلى شكاوى قانونية تُركّز على اتّهامات محدّدة ضد أفراد خدموا في جيش الاحتلال.
وفي حالاتٍ أخرى، تتجاوز المواقف حدود الاحتجاج السياسي لتلامس مشاعر سلبية تجاه الإسرائيليين، وليس بالضرورة من اليهود، وهو أمر لا يمكن تجاهله أيضاً، ورغم أنّ الإسرائيلي الذي يغادر دولة الاحتلال ليس بالضرورة هارباً من الحرب وحدها. لكن الحرب صارت حاضرة في علاقته مع العالم الخارجي بطريقة لم تكن بهذه الكثافة قبل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
فالسائح قد يدخل مطعماً حاملاً جواز سفره، أو يصعد إلى سفينة تحمل اسم شركة إسرائيلية، أو يحجز غرفة في فندق، أو يصل إلى مهرجان فيجد نفسه محاصراً بالرفض. وقد يكون، في المقابل، شخصاً خدم في الجيش ونشر صوراً من جرائم ارتُكبت في قطاع غزة، أو قد تكون عائلة تبحث عن مدرسة وبيت في بلدٍ آخر، فيجد أفرادها أنفسهم إمّا ملاحقين وإما أنهم يواجهون الرفض عند طلب أيّ خدمة. وهكذا، لم تعد المسافة الجغرافية كافية للفصل بين الحرب والحياة اليومية، إذ باتت الحروب الإسرائيلية حاضرة في موائد الطعام والموانئ والفنادق والمهرجانات، وفي الصور التي تبقى على الهاتف، وفي القرار الذي تتّخذه عائلة بأن يكون لها منزل آخر خارج دولة الاحتلال.
ومن السياحة إلى الإقامة، ومن الاحتجاج في الشارع إلى الشكوى في المحكمة، لم يعد السفر مجرّد رحلة قصيرة بعيداً عن الحرب، بل صار محطة محفوفة باحتمال مواجهة احتجاجٍ هنا، أو ملف قانونيّ هناك، أو قد يكون في بعض الأحيان، بدايةً لحياةٍ جديدة يحاول بعض الإسرائيليين خلقها في مكانٍ بعيدٍ عن الحرب.