كثيرون ينهون يومهم الطويل في العمل ويعودون إلى بيوتهم وهم على دراية بأن كل ما لديهم للراحة هو ساعة أو ساعتان على الأكثر.
والمشهد المتكرر لدى الكثيرين هو الاستلقاء وتصفح الهاتف؛ فلا رغبة في الخروج، ولا طاقة لمكالمة صديق، ولا حماس لهواية كانوا يحبونها، وحتى الأشياء الصغيرة التي كانت تمنحهم شعورا بالمتعة تبدو فجأة وكأنها تحتاج إلى مجهود إضافي.
يكون التعب السمة العامة لما بعد العمل، وحتى نهاية الأسبوع لا تسير الأمور كما كانت معتادة، فيصبح الوقت مخصصا للنوم أكثر أو للاستلقاء على الأريكة والبقاء في المنزل. وإن كانت هناك مواعيد، يعملون على إلغائها، ليبدأ أسبوع جديد قبل أن يشعروا براحة حقيقية.
يتحدث علم النفس عما يسمى بـ"الاحتراق الهادئ"، وعادة لا يكون حالة مفاجئة أو انهيارا واضحا، بقدر ما هو تعب يتسلل إلى الحياة اليومية بصمت، حتى يصبح الإنسان قادرا على أداء واجباته، لكنه لم يعد يملك الطاقة نفسها ليعيش ما هو أبعد منها.
وبوصفه البسيط، فإن هذا التعب لا يراه أحد؛ فقد يكون الشخص منتظما في عمله، يرد على الرسائل وينجز المطلوب منه، ويبدو للآخرين كما لو أن حياته تسير بشكل طبيعي.
لكن داخله قد يكون في حالة مختلفة تماما: إرهاق متراكم، وفقدان للحماس، وضيق من التفاصيل اليومية، ورغبة متزايدة في الابتعاد عن كل ما يحتاج إلى طاقة إضافية.
وتوضح المرشدة النفسية والتربوية رائدة الكيلاني أن العبء العاطفي يبدأ غالبا بهدوء ومن دون علامات واضحة، ويتراكم مع الوقت، فيما يظل المحيطون بالشخص يعتقدون أنه بخير. ويظهر هذا الإرهاق في صورة تعب مزمن، وعصبية، وفقدان للشغف، وشعور دائم بالإنهاك.
والأصعب، بحسب الكيلاني، أن الإنسان قد يعتاد هذا الشعور إلى درجة يصبح معها التعب جزءا من صورته عن نفسه، كأن يقول: "أنا هكذا"، أو "أنا أتحمل"، أو يقنع نفسه بأنه لا يملك رفاهية التوقف.
وهنا لا يعود الإرهاق مجرد مرحلة عابرة، بل يتحول إلى نمط حياة يستمر لأن صاحبه لم يعد ينتبه إلى أنه يعيش فوق طاقته.
وفي الحياة اليومية، يمكن ملاحظة ذلك في تفاصيل تبدو عادية؛ شخص يؤجل لقاء أصدقائه للمرة الرابعة، وآخر يتوقف عن ممارسة رياضة كان يحبها، وثالث يقضي عطلته كاملة في محاولة لاستعادة الطاقة التي استهلكها خلال الأسبوع، فيما يظل هاتفه قريبا منه حتى في لحظات يفترض أن تكون مخصصة للراحة.
وتشير الكيلاني إلى أن الراحة اليوم، مع الهواتف الذكية، لم تعد راحة حقيقية؛ إذ يبتعد الإنسان عن مكتبه، لكنه يبقى متصلا بالعمل عبر الهاتف، ويتفقد رسائل البريد الإلكتروني المرسلة والمستقبلة، ثم يفتح تطبيقات التواصل الاجتماعي. ويجلس مع عائلته، لكنه يتابع الإشعارات، ويذهب في إجازة، لكنه يظل مشغولا بما فاته وما ينتظره بعد العودة.
أما من زاوية اجتماعية، فيرى اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين خراعي أن هذه الظاهرة ترتبط أيضا بطريقة تعامل المجتمع مع فكرة القوة والدعم؛ حيث يُطلب من الإنسان أن يبقى متماسكا وقادرا على الاحتمال، بينما لا يمنحه دائما المساحة نفسها للاعتراف بالتعب أو طلب المساعدة.
ويشير إلى أن بعض الأشخاص لا يحتاجون إلى نصائح أو تحفيز بقدر حاجتهم إلى شخص يسمعهم بصدق، ويسألهم: "كيف أنت؟"، ويترك لهم المجال للإجابة من دون تزييف.
وتلفت هذه الحالة أيضا إلى مفارقة يعيشها كثيرون في حياتهم اليومية؛ فكلما ازدادت الأدوات التي توفر الوقت، ازداد الشعور بأن الوقت لا يكفي.
ويبين أن العمل يمكن متابعته من المنزل، والمواعيد يمكن ترتيبها خلال دقائق، والطلبات تصل إلى الباب، والتواصل مع الآخرين لا يحتاج إلى لقاء، ومع ذلك تبقى قائمة المهام مفتوحة.
وكأن توفير الوقت لم يؤد دائما إلى امتلاك وقت إضافي، بل إلى إضافة مهام جديدة إلى الساعات التي تم توفيرها.
ويشرح خراعي أنه، في المقابل، أصبح الانشغال نفسه علامة ضمنية على النجاح بالنسبة إلى بعض الناس. فعندما يسأل شخص عن أحوال آخر، قد تكون الإجابة المعتادة: "مشغول جدا"، وكأن الانشغال دليل على الأهمية والإنتاجية.
أما الاعتراف بالحاجة إلى التوقف، فقد يُفسر أحيانا على أنه ضعف أو تقصير، وهذا ما يجعل البعض يستمر في الضغط على نفسه حتى عندما تبدأ إشارات التعب بالظهور؛ لأن المشكلة لم تعد في كثرة المسؤوليات فقط، بل في الاعتقاد بأن التوقف غير مسموح.
وفي هذا السياق، تصبح العودة إلى النفس ضرورة لا رفاهية؛ لأن الإنسان الذي لا يجد مساحة للهدوء قد يكتشف متأخرا أن قدرته على العطاء نفسها بدأت تتراجع ببطء.
ويتفق خراعي مع الكيلاني على أنه لهذه الأسباب يصبح الاحتراق الهادئ أصعب من التعب العابر؛ فالتعب العادي يقول للإنسان إنه يحتاج إلى النوم أو الراحة، أما الإرهاق المتراكم فقد يجعله يعتاد الشعور نفسه إلى درجة لا يعود معها يعرف إن كان ما يعيشه طبيعيا أم أنه تجاوز بالفعل حدود احتماله.
وتلفت الكيلاني إلى أن الإنسان لا يحتاج دائما إلى تغيير جذري في حياته حتى يبدأ باستعادة شيء من توازنه.
وتبدأ المسألة أحيانا من الاعتراف بأن الراحة ليست مكافأة يحصل عليها بعد إنهاء كل المهام؛ لأن المهام في الحياة لا تنتهي. هناك دائما رسالة يمكن الرد عليها، وموعد يمكن التحضير له، وواجب يمكن تأجيله، وعمل إضافي يمكن إنجازه.
لكن الجسد والعقل لا يعملان بالمنطق نفسه؛ فقد يكون من الضروري أحيانا ترك شيء غير مكتمل، أو إغلاق الهاتف لبعض الوقت، أو الخروج للمشي أو الجلوس مع شخص قريب، أو العودة إلى هواية توقفت عنها، لا باعتبارها ترفا، وإنما باعتبارها مساحة يستعيد فيها الإنسان علاقته بنفسه بعيدا عن قائمة الواجبات.
وأخيرا، تبين أن السؤال الأهم ليس: "كم أنجزت اليوم؟"، بل: "كم بقي مني بعد كل ما أنجزته؟".
وحين تصبح نهاية الأسبوع مجرد محطة لاستعادة الحد الأدنى من الطاقة حتى يتمكن الفرد من بدء أسبوع جديد، وحين تتحول الأشياء التي نحبها إلى مهام نؤجلها، وحين نقضي وقت الراحة في محاولة للهروب من التعب بدلا من الاستمتاع بالوقت، ربما يكون ذلك التعب قد تجاوز حدود الإرهاق العابر.
ويكون الاعتراف به، قبل أن يصبح جزءا من حياة الإنسان، خطوة ضرورية لاستعادة مساحات الراحة والتوازن.