لم يعد انتشار الكلاب الضالة في الأحياء السكنية مجرد مشهد عابر أو ظاهرة يمكن تجاهلها، بل أصبح قضية يومية تؤرق السكان وتفرض نفسها على تفاصيل حياتهم، خاصة مع التزايد الملحوظ في أعدادها خلال السنوات الأخيرة ، فبين أصوات النباح التي لا تهدأ ليلًا أو نهارًا، وحالات الخوف والقلق التي يعيشها المواطنون أثناء تنقلهم، بات الأمر يستدعي وقفة جادة من الجهات المختصة قبل أن تتفاقم المشكلة أكثر.
ومع بدء العطلة الصيفية للمدارس، تزداد حساسية هذا الملف، فالأطفال يقضون أوقاتًا أطول خارج المنازل، في الشوارع والساحات وأماكن اللعب، الأمر الذي يرفع من مستوى القلق لدى الأهالي الذين يخشون تعرض أبنائهم لأي أذى أو مطاردة من مجموعات الكلاب المنتشرة في العديد من المناطق.
لقد اعتاد كثيرون في الماضي الخروج للمشي مع ساعات الفجر الأولى أو في ساعات المساء الهادئة، لكن هذا النشاط البسيط أصبح بالنسبة للبعض مغامرة غير محسوبة النتائج ، فالمارّ في بعض الأحياء يجد نفسه مضطرًا للبقاء في حالة تأهب دائم خوفًا من اندفاع مجموعة من الكلاب نحوه، خاصة عندما تتحرك بشكل جماعي أو تتجمع بالقرب من الطرق والأماكن العامة.
ولا يقتصر الأمر على الخوف من الهجمات المحتملة، بل يمتد إلى الإزعاج المستمر الناتج عن أصوات النباح المتواصلة، والتي تحرم الكثيرين من الراحة والهدوء، وتؤثر على جودة الحياة في الأحياء السكنية، خصوصًا خلال ساعات الليل.
وفي الوقت ذاته، فإن الحديث عن هذه المشكلة لا يعني الدعوة إلى إيذاء الحيوانات أو التعامل معها بعنف، فالحيوان كائن يستحق الرعاية والرحمة، وحقوق الحيوان قيمة إنسانية لا خلاف عليها ، لكن الحفاظ على حقوق الحيوان لا يجب أن يكون على حساب حق الإنسان في الأمن والسلامة والطمأنينة ، فالمعادلة الصحيحة تقوم على إيجاد حلول علمية وإنسانية تضمن حماية المجتمع والحفاظ على الحيوانات في الوقت نفسه.
إن المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات أو تجاهل المشكلة، بل وضع خطط واضحة لمعالجة الظاهرة من خلال الجهات المختصة، سواء عبر برامج الإيواء والتنظيم والتعقيم، أو من خلال إيجاد حلول مستدامة تحد من تزايد الأعداد وتحافظ على سلامة المواطنين.
هذه القضية ليست مطلب فئة محددة من الناس، بل مطلب مجتمعي يتعلق بأمن الأسر وراحة السكان وسلامة الأطفال وكبار السن ، ومن هنا فإن الرسالة موجهة إلى كل من يهمه الأمر، وإلى الجهات المعنية، وإلى المهتمين بحقوق الحيوان على حد سواء: ابحثوا عن حلول متوازنة تحفظ حق الحيوان في الحياة، وحق الإنسان في العيش بأمان.
فالمواطن لا يريد إيذاء الكلاب، لكنه أيضًا لا يريد أن يعيش أسير الخوف في طريقه إلى عمله، أو أن يمنع أبناءه من اللعب خوفًا من خطر قد يكون على بعد أمتار قليلة من منزله.
إنها قضية تستحق أن تُسمع، قبل أن تتحول من مصدر قلق وإزعاج إلى مشكلة أكبر يدفع الجميع ثمن تجاهلها.
المهندس عبدالحميد الرحامنة.