أخبار البلد -
اخبار البلد_ مصطفى الريالات_لا يحتاج المرء ان يضع يديه
بالنار ليشعر بالحريق...ولكن تبدو الحاجة ملحة للاطلاع والتمعن جيدا لما
يجري من احداث في دول «الربيع العربي» حاليا، لنعرف حجم الألم.
وتجربة
استغلال القوى الاسلامية لمناخات الحرية والديمقراطية والعدالة، تبدو
واضحة للعيان ولكل مراقب فمخرجاتها اليوم في مصر تظهر بشكل فاضح من استغلال
القوى الاسلامية لمطالب الثوار والحراكات الشعبية وركوب موجتها ومن ثم
الانقضاض للحصول على كعكعة الحكم كاملة والانقلاب على ما يدعى ثوابت
وشعارات كالمشاركة لا المغالبة..!! او من طراز رفض الاقصاء.
وفي
التجربة المصرية وتعاطي القوى الاسلامية معها وخصوصا الاخوان المسلمين،
الكثير من الدلالات والاستخلاصات في مقدمتها انقلابهم الواضح على حلفائهم
من الثوار والشباب والقوى الحزبية عشية الانتخابات التشريعية وخوضهم
الانتخابات بقوائم « الحرية والعدالة « والفوز بالاكثرية النيابية،..
وحين
خرج الثوار والحراك الشبابي المصري الى شارع محمد محمود في تشرين الثاني/
2011، حيث رفض الاخوان المشاركة معهم فكانوا يعملون على تعزيز مكتسباتهم في
برلمان الثورة ومضاعفة حجم مقاعدهم في الانتخابات البرلمانية.
وللتذكير
ما حدث في «جمعة العزة والكرامة» عندما انقلب ميدان التحرير على الاخوان
واتهم الثوار الاسلاميين بخيانة الثورة والتحالف مع العسكري.. وتم اجبار
أمين عام حزب الحرية والعدالة الدكتور محمد البلتاجي على مغادرة ميدان
التحرير.
واليوم تدخل مصر ازمة جديدة بسبب الاخوان المسلمين
عنوانها « تأسيسية الدستور» حيث يرفض «الاخوان المسلمين» الجلوس على مائدة
الحوار الى جانب القوى السياسية كافة في مصر مع المجلس العسكري لتحديد
صلاحيات الرئيس المصري المقبل، رغم انها شاركوا في اربع جلسات واتفقوا في
الجلسة الاخيرة التي عقدت نهاية نيسان الماضي على كافة التفاصيل المتعلقة
باللجنة التأسيسية وشارك قياداتهم في تلك الاجتماعات بما فيها مرشحهم
للرئاسة المصرية الدكتور محمد مرسي، وحين تم دعوتهم للاجتماع اول من امس
الثلاثاء لاقرار ما تم الاتفاق عليه رفضوا ذلك وانقلبوا في مواقفهم على ما
تم الاتفاق عليه.
في دلالات تجربة الاسلاميين في مصر هذا الآوان ،
الكثير مما يقال وتعكس منهج الفقه السياسي للإخوان في مصر « الفقة الباطني
«،لكن سقتُ هذه المقدمة للتأشير الى تجربة الاخوان المسلمين في الاردن حيث
يضعون تجربة «اخوانهم « في مصر نموذجا يتوجب الاقتداء به، وايمانا بذلك
تسعى الحركة الاسلامية في الاردن الى استنساخ التجربة المصرية التي تعتمد
على رفع منسوب التوتر في الساحة السياسية والتحالف « بالقطعة «مع القوى
الثورية والشبابية لتعزيز مكتسباتهم الانتخابية بالدرجة الاولى.
يبدو
واضحا من سياق الخطوات التي مارستها الحركة الاسلامية اخيرا، انحرافها عن
مسارها الوطني ويؤشر على ذلك ثلاثة احداث : الاول البيان الذي اصدرته جماعة
الاخوان المسلمين حمل عنوان «أيها المصلحون في أرجاء الوطن « والذي مثل في
مضمونه انحرافا واضحا في مواقف الاخوان المسلمين في المطالبة بالاصلاح
وصعدت من خلاله خطابها الاعلامي ضد الدولة الاردنية.
في خلفيات مشهد
اصدار البيان انه جاء في اعقاب زيارة قيادات اخوانية الى مربط خيلهم «
تركيا « تحت عنوان المشاركة في «مؤتمر حسن البنا وحركة الاخوان المسلمين «
بدعوة من جمعية الحضارة والعلوم والثقافة والتضامن التركية،وفي واقع الحال
ان المؤتمر مجرد غطاء لعقد سلسلة من اللقاءات والاجتماعات مع قيادات
التنظيم الدولي ودراسة المرحلة القادمة وكيفية تعامل الجماعة معها على
الساحة الاردنية بعد التطورات الاخيرة.
الحدث الثاني : محاولة اللعب
بورقة المخيمات لتصعيد الاحتجاجات التي ينفذها الإسلاميون، حيث سجل قيامهم
بمسيرة شعبية في مخيم الحسين في خطوة غير مسبوقة بإقحام المخيمات على
اجندة الحركة الاسلامية منذ انطلاق الحراك الشعبي قبل عام ونصف العام.
ومن
المفيد الاشارة هنا الى كيفية محاولة الاسلاميين ركوب موجة المخيمات من
خلال اللعب على الورقة المعيشية واستغلال قرار رفع الاسعار بدغدغة عواطف
ابناء المخيم للخروج تحت عناوين سياسية واستغلال مشاعر المواطن في الشق
الاقتصادي لإيصال رسائل للدولة غير التي خرج من اجلها العشرات من ابناء
مخيم الحسين.
اما الحدث الثالث : فجاء عندما دعت الحركة الاسلامية الحراكات الشبابية والشعبية لاجتماع في مقر جماعة الاخوان المسلمين.
الاحداث
الثلاث لا تخرج في تقديرنا عن سياق سعي الاسلاميين الحثيث لتحسين شروط
التفاوض للحصول على مقاعد تحت القبة...وبالتالي تعزيز مكتسبات ذاتية لهم
بغض النظر عن اية نتائج اخرى كإحداث فتنة مثلا عندما يتم اللعب بورقة
المخيمات والتلويح بها في وجة الدولة من قبلهم. اما اللقاء مع الحراك
الشبابي فان اهدافه غير المعلنة واضحة ومكشوفة، فهم يريدون ان يبقى الحراك
هلاميا ومفتتا لتكون الحركة الاسلامية المظلة له والراعية له وبالتالي
تحسين شروط الحركة عند الحوار مع الحكومة...ان خطوة لقاء الحراكات اريد
منها ايصال رسالة للدولة بانها لا تستطيع التحاور مع هذه الحراكات لأن ليس
لها جسم موحد وان الحركة الاسلامية ورعايتها لهذه الحراكات الوحيدة
والقادرة حصريا ان تتحدث باسمهم..وهو امر يشابه بشكل كبير لما جرى مع
الشباب والثوار المصريين عندما انضموا بحسن النية للتحالف مع الاسلاميين
واقناعهم بان ذلك «عين الشرع» ومن ثم نعرف ما حدث معهم... ولعل ما كشفته
صحيفة «التحرير» المصرية اخيرا من «وثيقة سرية» حصلت عليها من أحد قيادات
جماعة «الإخوان المسلمين»، تدلل على ما نقوله فقد ذكرت الوثيقة بحسب
الصحيفة حيث جاء فيها «..تضع الوثيقة القاعدة الشرعية التي تحكم عمل
الجماعة خلال المرحلة بأنها» السياسة الشرعية لها أحكامها، ومن أحكامها
تغليب الأوجب على الواجب والأصوب على الصائب، وإذا كان من الواجب في
الانتخابات أن يكون أفراد قائمة الإخوان من أصحاب الكفاءات الشرعية
والسياسية ممن يشتركون معنا في الغايات ولا يحاربون إقامة دولة
الإسلام...فإن الأوجب أن نتمترس في قوائمنا «بالجاهلين من الناصريين
والنصارى والليبراليين من أجل صد هجمات التيار الجاهلي في المجتمع».
ان
منهج الفقه السياسي للإخوان المسلمين هو اقرب للتسمية «النسخة الإسلامية
من الميكافيلية» باستخدام أدوات الفقه الإسلامي في غير موضوعها بكل الوسائل
حتى لو كانت هذه الوسائل في ظاهرها مفسدة كالضرورات تبيح المحظورات، وهذه
القاعدة هي إحدى القواعد الكلية الفرعية التي أدرجها بعض العلماء تحت قاعدة
«الضرر يُزال» والبعض الآخر»المشقة تجلب التيسير»... وقول ابن القيم وابن
سعدي»لا واجب مع عجز، ولا حرام مع ضرورة..».