لم تكن الحروب يوما مسألة قوة مجردة أو كثافة نارية، قدر ما كانت مسألة توظيف للقدرات. فمجال الصراع، كما يراه المفكر والاستراتيجي الأمريكي "إدوارد لوتواك"، يخضع لـ"منطق مفارق"، قد تنقلب فيه مواطن القوة إلى نقاط ضعف والعكس، حيث الوسائل الأبسط قادرة على تقييد قوة أكبر، إذا وضعت في المكان المناسب. ويعد مضيق هرمز من أبرز تجليات هذا المنطق في الوقت الحالي، فهو ممر مائي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقطة نحو 34 كيلومترا، لكن لغما معدنيا صغيرا يستقر في قاعه أو يطفو على سطحه، يكفي لتحويله إلى منطقة تهديد فعلي لحركة الملاحة العالمية.
لا يعود هذا الواقع إلى بساطة الوسائل المتاحة لتعطيل الملاحة فحسب، بل يرتبط أيضا بتأثيرها الفعال داخل بيئتها. ففي هرمز تتكامل الجغرافيا مع الوسائل، حيث تحد الممرات الضيقة من المناورة، وتعد المياه الضحلة نسبيا، التي لا يتجاوز عمقها نحو 60 مترا، مثالية لزراعة الألغام، كما تتيح سواحل إيران الجنوبية الطويلة نشر الألغام عبر زوارق صغيرة سريعة يصعب تعقبها. وفي هذه الظروف، لا تحتاج طهران إلى كثافة نارية كبيرة بقدر ما تحتاج إلى توزيع ذكي للخطر داخل الممر، مستفيدة من معادلة تكلفة غير متكافئة، حيث يمكن لسلاح زهيد الثمن أن يلحق ضررا هائلا بخصم أكثر تفوقا.
وقد تجسدت هذه المعادلة بوضوح عام 1988، حين اصطدمت الفرقاطة الأمريكية "صامويل بي روبرتس" (FFG-58) بلغم إيراني في الخليج العربي، ما أدى إلى فتح ثقب كبير في هيكلها وكسر عارضتها. وفي حين لم تتجاوز تكلفة اللغم ألفي دولارِ، بلغت تكلفة إصلاح السفينة قرابة 90 مليون دولارِ.وتقدر الاستخبارات الأمريكية أن إيران تمتلك أكثر من 5 آلاف لغم بحري، وقد بدأت بالفعل في نشرها داخل هرمز، بما يمنحها قدرة غير متكافئة على تعطيل حركة السفن ورفع كلفة أي تدخل عسكري دون الانخراط في مواجهة مباشرة.
"تقدر الاستخبارات الأمريكية أن إيران تمتلك أكثر من 5 آلاف لغم بحري، وقد بدأت بالفعل في نشرها داخل هرمز".
وفي المقابل، تمتلك واشنطن حزمة متكاملة من قدرات مكافحة الألغام، في مقدمتها سفن القتال الساحلي الأمريكية (إل سي إس – LCS)، التي تبرز بوصفها أداة مركزية لكسر هذا النمط من الردع. فهذه السفن، المصممة للعمل في المياه الضحلة والبيئات الساحلية المعقدة، مزودة بأنظمة متخصصة لمكافحة الألغام، وتعتمد على مسيرات سطحية وتحت سطحية لكشف الألغام وتعطيلها بهدف فتح ممرات آمنة داخل المضيق.
في ظل هذه الظروف، تتحول عملية إزالة الألغام إلى جهد بطيء ومعرض للانقطاع، خصوصا مع إمكانية إعادة زرع الألغام بوتيرة أسرع من تلك التي تزال بها. فهل تستطيع هذه السفن فرض ممر آمن ومستقر داخل المضيق؟ أم أن طبيعة المعركة ستجعل من كل محاولة لفتحه إجراء مؤقتا ينتهي بخيبة أمل؟
تطوُّر اللغم البحري
تعود جذور الألغام البحرية إلى القرن الرابع عشر، حيث استخدم الصينيون عبوات ناسفة بدائية، مصنوعة من مثانة حيوانية محكمة العزل، تحتوي على شحنة متفجرة تشعل عبر فتيل بسيط. وفي عام 1777، طور الأمريكي "ديفيد بوشنل" أول لغم بحري بمعناه الحديث، حين وضع في نهر "ديلاوير" برميلا من البارود، وزوده بصاعق يفعل عند اصطدامه بجسم صلب، لاستهداف السفن البريطانية خلال حرب الاستقلال. ورغم أن الهجوم لم ينجح في إغراق أي سفينة كبيرة، لكنه أثبت أن عبوة صغيرة مخفية تحت الماء يمكن أن تربك أسطولا بأكمله.
منذ ذلك الحين، لم تتوقف الألغام البحرية عن التطور؛ إذ رافقت كل حرب كبرى تقريبا. ففي الحرب العالمية الأولى زرع الحلفاء والألمان مئات الآلاف من الألغام، وكان أبرز تجلياتها ما عرف بـ "حاجز بحر الشمال"، وهو حقل ألغام ضخم امتد لمئات الأميال بين بريطانيا والنرويج بهدف تقييد حركة السفن والغواصات الألمانية. وفي الحرب العالمية الثانية تحولت الألغام إلى أحد أكثر الأسلحة البحرية فتكا، حيث تسببت في إغراق أعداد كبيرة من السفن لدى مختلف الأطراف. ويكشف هذا المسار التاريخي حقيقة ثابتة مفادها أن اللغم البحري سلاح منخفض التكلفة لكنه مرتفع التأثير.
أما في شكلها المعاصر، فتنقسم الألغام البحرية إلى 4 فئات رئيسية، يتحدد الفارق بينها بموقع اللغم في الماء وآلية تفجيره. أولها اللغم المربوط، وهو الأقدم والأكثر شيوعا تاريخيا، إذ يتكون من رأس حربي كروي يطفو تحت سطح الماء مباشرة، مثبت بكابل متصل بمرساة في القاع. ويحتوي الجزء السفلي من الرأس الحربي على المتفجرات، بينما يوفر جيب هوائي في الأعلى الطفو اللازم. وعلى السطح الخارجي تبرز "قرون" معدنية، تحتوي على أمبولات زجاجية مملوءة بمحلول إلكتروليتي موصل للكهرباء. وعندما يصطدم هيكل السفينة بأحد هذه القرون، تنكسر الأمبولات ويسيل المحلول داخل خلية جافة مما يغلق الدائرة الكهربائية ويؤدي إلى تفجير اللغم. هذا التصميم البسيط، الذي ابتكره الألمان في مطلع القرن العشرين، لا يزال فعالا حتى اليوم.
"تنقسم الألغام البحرية إلى 4 فئات رئيسية، يتحدد الفارق بينها بموقع اللغم في الماء وآلية تفجيره".
الفئة الثانية هي اللغم الطافي، وهو أبسط الأنواع، إذ يتحرك بحرية مع التيارات دون ارتباط بالقاع. وتكمن خطورته في صعوبة التنبؤ بمساره، ما قد يدفعه إلى الانجراف بعيدا عن منطقة زرعه. وقد سعت اتفاقية لاهاي عام 1907 إلى تقييد استخدامه بسبب طبيعته غير القابلة للسيطرة، غير أن هذا القيد لم يمنع ظهوره في الممارسة الفعلية. كما أن قطع كابل اللغم المربوط، سواء بفعل عمليات الكسح أو التآكل، يمكن أن يحوله إلى لغم طافٍ بما يضاعف أيضا من مستوى تهديده.
أما الفئة الثالثة فهي اللغم القاعي، ويعد الأخطر والأكثر تطورا، فهو يستقر في قاع البحر بما يتيح تعبئته بأوزان كبيرة من الشحنات المتفجرة، كما أنه لا يعتمد على التلامس المباشر، بل يعمل عبر ما يعرف بأنظمة التأثير، إذ يرصد بصمة السفينة المارة فوقه باستخدام مجموعة من المستشعرات، التي تشمل كواشف مغناطيسية ترصد تغير المجال المغناطيسي للأرض بفعل الهيكل المعدني للسفينة، وهيدروفونات صوتية (أي ميكروفونات مصممة لرصد الأصوات تحت الماء) تلتقط ضوضاء المحركات والمراوح، إضافة إلى مستشعرات ضغطية تقيس التغير في ضغط الماء الناتج عن إزاحة السفينة. هذا المزيج يتيح للغم التمييز بين الأهداف، بحيث يمكنه تجاهل السفن الصغيرة أو غير ذات الأهمية، وانتظار الهدف المحدد قبل التفجير.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، إذ يمكن برمجة الألغام القاعية الحديثة بواسطة مؤقتات تأخير تجعلها خاملة لفترة بعد زرعها، وعبر عدادات تسمح لها بتجاهل عدد من الإشارات قبل تفعيلها. وتجعلها هذه الخصائص أكثر خداعا، إذ قد تمر وحدات كسح الألغام فوقها دون أن تنفجر، ما يخلق انطباعا زائفا بأن المنطقة آمنة، بينما تظل الألغام كامنة في انتظار لحظة التفعيل المناسبة.
وأخيرا تأتي الفئة الرابعة، المعروفة باسم اللغم اللاصق أو "ليمبت"، نسبة إلى حلزون بحري يلتصق بالصخور. وهو لغم صغير الحجم يثبت يدويا على هيكل السفينة بواسطة غواص أو سباح باستخدام مغناطيسات، ويفجر عادة بمؤقت زمني بما يمنح من زرعه فرصة للانسحاب. وقد طوره البريطانيون خلال الحرب العالمية الثانية لعمليات التخريب الخاصة، وهدفه في الغالب ليس إغراق السفينة بل شلها عبر استهداف المروحة أو دفة التوجيه.
جاهزية إيرانية.. وسوء استعداد أمريكي
وتقدر تقارير الكونغرس الأمريكي أن مخزون إيران من الألغام البحرية يشمل مزيجا من ألغام التلامس المربوطة وألغام القاع، وهو مخزون تراكم على مدار أربعة عقود، عبر الاستيراد والإنتاج المحلي. فعلى مستوى الألغام التقليدية، تقدر ترسانة إيران بنحو ألفي لغمِ، أبرزها ألغام "صدف" و"إم-8″، والأخير تحديدا هو الذي كاد أن يتسبب في إغراق الفرقاطة "صامويل بي. روبرتس" عام 1988.
أما الألغام الأكثر تطورا لدى إيران فتشمل ألغاما قاعية من فئة "إم دي إم-6" (MDM-6) الروسي، الذي يحمل رأسا حربيا ثقيلا بوزن يصل إلى نحو 1100 كيلوغرامِ، إلى جانب لغم "إم سي-52" (MC-52) المصنوع من غلاف غير مغناطيسي بما يقلل احتمالات اكتشافه ويربك أنظمة الكسح، فضلا عن لغم "ماهام-2" المحلي الإنتاج.
"التهديد الأكثر تعقيدا يتمثل في لغم "إي إم-52″ (EM-52) الصيني المنشأ، وهو من فئة الألغام الصاعدة".
غير أن التهديد الأكثر تعقيدا يتمثل في لغم "إي إم-52" (EM-52) الصيني المنشأ، وهو من فئة الألغام الصاعدة؛ إذ يستقر في القاع على أعماق قد تصل إلى 200 مترِ، وعند رصده الهدف، يطلق مقذوفا عموديا بإمكانه إصابة أسفل هيكل السفينة. ويجمع هذا النوع بين ميزة التخفي التي تميز الألغام القاعية التقليدية وقدرة الاشتباك مع أهداف في أعماق أكبر، ما يوسع نطاق التهديد بشكل ملحوظ. وتشير التقديرات إلى أن نشر هذا النوع من الألغام قد يتطلب استخدام غواصات، مثل غواصات "كيلو" الروسية التي تمتلك إيران عددا منها، ما يعكس مستوى أعلى من التعقيد العملياتي في توظيف هذه القدرات.
في المقابل، ترصد التقارير فجوة لافتة في الجاهزية الأمريكية للتعامل مع هذا النوع من التهديدات، سواء على مستوى التقدير المسبق أو الاستعداد العملياتي. فبينما كانت إيران تطور أدواتها وتراكم قدراتها في مجال حرب الألغام، كانت واشنطن تتحرك في اتجاه معاكس، قائم على إعادة هيكلة قدراتها التقليدية دون اكتمال بدائلها الجديدة.
ففي سبتمبر/أيلول 2025، أي قبل أشهر قليلة من بدء العملية العسكرية الحالية ضد إيران، أخرجت البحرية الأمريكية آخر 4 كاسحات ألغام من فئة "أفنجر" (Avenger) من الخليج العربي، منهية بذلك وجودا استمر أكثر من 3 عقود. وجاء هذا القرار في إطار التحول نحو مفهوم جديد لمكافحة الألغام يعتمد على الأنظمة غير المأهولة.
"وصلت كاسحات الألغام الأمريكية إلى ميناء فيلادلفيا للتخريد في التوقيت نفسه الذي بدأت فيه التقارير تشير إلى زرع إيران ألغاما في مضيق هرمز".
وتبرز المفارقة في أن هذه السفن وصلت إلى ميناء فيلادلفيا للتخريد في التوقيت نفسه الذي بدأت فيه التقارير تشير إلى زرع إيران ألغاما في المضيق، ما يعكس فجوة زمنية بين تفكيك القدرات القديمة وتفعيل البدائل الجديدة. ولم يقتصر هذا النهج على الولايات المتحدة فقط، إذ سارت البحرية البريطانية في الاتجاه ذاته، حيث سحبت آخر سفنها المتخصصة في إزالة الألغام من الخليج في وقت سابق من العام الحالي 2026 دون إرسال بديل مباشر.
يذكر أن سفن "أفنجر" مصممة من هياكل خشبية مغلفة بألياف زجاجية، بما يقلل من بصمتها المغناطيسية ويحد من احتمالات تفعيل الألغام أثناء عملها، وهو ما يتيح لها العمل داخل حقول الألغام نفسها. وبفضل هذا التصميم، ساهمت هذه السفن في تدمير أكثر من ألف لغمِ قبالة سواحل الكويت، زرعها العراق خلال حرب الخليج مطلع التسعينات..
الرهان الأمريكي الجديد
أما البديل الذي تراهن عليه البحرية الأمريكية، وهو سفن القتال الساحلي (إل سي إس – LCS)، فيختلف في فلسفة عمله جذريا عن كاسحات الألغام البحرية مثل "أفنجرز". فبدلا من دخول حقل الألغام مباشرة كما تفعل "أفنجرز"، تبقى السفينة خارج منطقة التهديد بينما ترسل أنظمة غير مأهولة للقيام بالعمل. وتشمل الحزمة التي تعتمد عليها سفن القتال الساحلية الأمريكية مزيجا من المنصات المأهولة والمسيرات السطحية وتحت السطحية، المصممة لتحديد مواقع الألغام والتعرف عليها ثم تعطيلها أو تدميرها، دون تعريض السفينة والطاقم للخطر المباشر.
عمليا، تعتمد المنظومة على 3 مستويات متكاملة؛ الأول جوي، عبر مروحيات "سي هوك" التي تنطلق من سطح السفينة، وهي مزودة بنظام مسح ليزري محمول جوا، يقوم بتمشيط المياه الضحلة بسرعة عالية بحثا عن الألغام الطافية أو القريبة من السطح. ويمكن تبسيط عمل هذا النظام باعتباره أشبه بشعاع ليزر يمسح ما تحت الماء ويكشف الأجسام الغريبة بسرعة تفوق وسائل الاستشعار التقليدية. كما تحمل المروحية نظاما آخر يطلق مركبة صغيرة تحت الماء تتجه نحو اللغم المكتشف وتعمل على تدميره.
أما المستوى الثاني فهو سطحي، ويعتمد على زورق غير مأهول يعمل كمنصة استطلاع متقدمة للسفينة الأم. هذا الزورق يمكن تزويده بسونار متطور لمسح القاع ورسم صورة دقيقة له؛ بحثا عن الألغام القاعية أو المربوطة، كما يمكن تزويده بنظام يحاكي البصمة الصوتية والمغناطيسية لسفينة حقيقية، بهدف استدراج الألغام التأثيرية لتنفجر قبل اقتراب القطع البحرية الفعلية.
وفي المستوى الثالث (تحت الماء)، تستخدم مسيرات مغمورة مصممة خصيصا للكشف عن الألغام القاعية، خصوصا تلك المدفونة داخل الرواسب والتي يصعب رصدها بالوسائل التقليدية. وتعمل هذه المركبات بهدوء نسبي وتوفر قدرة دقيقة على تحديد مواقع الألغام الأكثر تعقيدا.
ورغم هذه الجاهزية النظرية، فإن استخدام هذه السفن في السياق الحالي سيكون سابقة، إذ لم تختبر هذه المنظومة بعد في عمليات فعلية واسعة النطاق لإزالة الألغام تحت ظروف قتال معقدة. كما أن البرنامج واجه منذ بدايته سلسلة من الإخفاقات. فقد صممت سفن القتال الساحلي كمنصة سريعة ومرنة منخفضة الكلفة، قادرة على تبديل مهامها بين مكافحة الألغام ومكافحة الغواصات والقتال السطحي. غير أن هذا التصور تعثر مبكرا بفعل مشكلات تقنية، إلى جانب معاناة بعض السفن من أعطال ميكانيكية، خاصة في نظام الدفع، وهو ما أدى إلى انخفاض سرعتها مقارنة بالمخطط له.
"لم تختبر منظومة سفن القتال الساحلية حتى الآن في عمليات فعلية واسعة النطاق لإزالة الألغام تحت ظروف قتال معقدة".
أما على مستوى حزمة مكافحة الألغام، يخلص تقرير مكتب الاختبار والتقييم العملياتي في البنتاغون لعام 2025 إلى أنه لا يمكن الحكم على الفعالية التشغيلية أو الملاءمة لسفن القتال الساحلي المزودة بهذه الحزمة، بسبب نقص البيانات الكافية حول أداء أنظمة الكشف والتدمير. كما يرصد التقرير مشكلات واضحة في بعض المكونات الأساسية. فقد صنف نظام "الكنس بالتأثير" الذي يحاكي بصمة السفن على أنه غير ملائم تشغيليا، مع جاهزية لم تتجاوز 29%، وهي أقل بكثير من الحد الأدنى الذي حددته البحرية. وإلى جانب ذلك، أظهر نظام التحييد الجوي للألغام المحمول على مروحية "سي هوك" والمسؤول عن تدمير الألغام المكتشفة، مستوى موثوقية منخفضا قبل دخوله الخدمة، فضلا عن محدودية قدرته على التعامل مع معظم أنواع الألغام ضمن سيناريوهات التهديد الفعلية.
علاوة على ذلك، تصنع سفن القتال الساحلي من الألومنيوم وليس من الخشب والألياف الزجاجية على غرار "أفينجر"، وهو ما يمنحها بصمة مغناطيسية أعلى ويمنعها من دخول حقول الألغام مباشرة دون تعريض نفسها لخطر التفجير. لذلك يتعين عليها البقاء خارج منطقة التهديد والاعتماد على منصات غير مأهولة لتنفيذ المهمة كما ذكرنا، إلا أن هذه المنصات مقيدة بمدى الاتصال وخط الرؤية مع السفينة الأم، ما يحد من نطاق عملها، خاصة في الظروف البحرية الصعبة أو على المسافات الكبيرة.
3 سفن في مهمة مستحيلة
في هذا السياق، يشير تقرير صادر عن مركز الاستراتيجية البحرية، وهو مركز أبحاث أمريكي يركز على الأمن القومي في المجال البحري، إلى أن هذه السفن واجهت صعوبات في أداء مهامها حتى في ظروف اختبار مثالية. فقد أظهرت اختبارات أجريت قبالة سواحل جنوب كاليفورنيا، في مياه صافية وخالية من العوائق البصرية، أن هذه الأنظمة أخفقت في تحقيق الكفاءة المطلوبة، بما يدفع إلى التساؤل عن كيفية أدائها في مياه هرمز العكرة، إذا ما كانت ترتكب مثل هذه الأخطاء في بيئة اختبار مثالية.
غير أن الصعوبات التي تواجهها هذه السفن لن تقتصر على تعذر الرؤية، بل تمتد إلى بيئة تهديد متعددة الطبقات تحيط بعملية كسح الألغام نفسها. فعلى الساحل الإيراني الجنوبي، تنتشر منصات إطلاق متحركة لصواريخ مضادة للسفن مثل "نور" و"قادر"، بمدى يمتد إلى نحو 300 كيلومترِ. وتتميز هذه الصواريخ، خصوصا في مرحلتها النهائية، بأنها تحلق على ارتفاع منخفض جدا لا يتجاوز أمتارا قليلة فوق سطح الماء، ما يقلص زمن اكتشافها ويصعب رصدها راداريا. كما تمتلك إيران صواريخ باليستية مضادة للسفن مثل "خليج فارس"، القادرة على استهداف أهداف متحركة برؤوس مناورة.
وعلى سطح الماء، يعتمد الحرس الثوري على أسراب من الزوارق السريعة الصغيرة التي تتجاوز سرعتها 50 عقدة، وتهاجم بشكل جماعي لتطويق السفن من اتجاهات عدة. وبعض هذه الزوارق مزود بصواريخ خفيفة وأسلحة رشاشة، فيما يعمل بعضها الآخر كزوارق انتحارية محملة بالمتفجرات. وتشير التقديرات الاستخبارية الأمريكية إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بنحو 90% من زوارقها الصغيرة وقوارب إلقاء الألغام حتى بعد الضربات الأمريكية الأولى.
وفي الوقت ذاته، تمتلك غواصات "غدير" الإيرانية القدرة على العمل في المياه الضحلة، حيث يصعب رصدها بوسائل الحرب المضادة للغواصات التقليدية المصممة لغواصات أكبر في مياه أعمق، أي أن بيئة العمليات نفسها تمنح هذه المنصات أفضلية تكتيكية.
يعني ذلك أن سفن القتال الساحلي لن تعمل بمعزل عن التهديد، بل ستحتاج إلى غطاء جوي وبحري مستمر طوال عملية الكسح. فمروحية "سي هوك"، التي تقوم بتمشيط المياه بالليزر، تظل هدفا محتملا لصواريخ أرض-جو قصيرة المدى، فيما تعمل المركبات السطحية غير المأهولة، التي تسحب أنظمة السونار، داخل ممرات ضيقة لا يتجاوز عرضها ميلين بحريين، وعلى مقربة من جزر إيرانية محصنة.
"يؤكد الخبراء أن الولايات المتحدة وحدها لا تملك الأصول الكافية لتنفيذ مهام الضرب والمرافقة وكسح الألغام في آن واحد".
وتشير "إيما سالزبوري"، الباحثة في معهد أبحاث السياسة الخارجية، إلى أن الولايات المتحدة -دون دعم حلفائها- لا تمتلك الأصول الكافية لتنفيذ مهام الضرب والمرافقة وكسح الألغام في آن واحد، بما يضيف قيدا إضافيا على فعالية هذه العمليات. فالبحرية الأمريكية لا تمتلك سوى 3 سفن قتال ساحلية مجهزة بحزمة مكافحة الألغام. كما تكشف التجارب الميدانية عن هشاشة إضافية في منظومة التشغيل، حيث يؤدي تعطل أي مكون إلى تعطيل المهمة بالكامل. ففي إحدى الاختبارات، تعطلت آلية استعادة مركبة سطحية غير مأهولة، ما استدعى تدخل سفينة أخرى لاسترجاعها، فالسفينة الأم لن تستطيع التعامل مع مثل هذه الأعطال بنفسها، نظرا لتصميمها المعتمد على الألومنيوم، والذي يمنعها من دخول حقل الألغام دون تعريضها لخطر مباشر.
غير أن ذلك لا ينفي تماما قدرة الولايات المتحدة على فتح ممر داخل المضيق، لكن السؤال الأكثر إلحاحا يتعلق بقدرتها على إبقائه مفتوحا. فكما أشرنا، تمتلك إيران القدرة على إعادة زرع الألغام بوتيرة أسرع من إزالتها، وفي ممر لا يتجاوز عرضه بضعة أميال، يكفي لغم واحد أو حتى اشتباه بوجوده، لإعادة إغلاق ما تم تأمينه بجهد استغرق أسابيع، مما يجعل المضيق في جوهره اختبارا لطول النفس والقدرة على الاستمرار في القتال لمدى زمني أطول، ولن يقاس فيه النجاح بمجرد تحقيق إنجاز محدود سرعان ما تعكسه تطورات القتال.