أخبار البلد -
لا شك بأن هذا الإغلاق هو الأطول للمسجد الأقصى المبارك بعد حرب حزيران ١٩٦٧، والذي حتى اللحظة لا يوجد أفق لإعادة فتحه مجددًا، وبنفس الوضع القائم فيه. وقد جرى إغلاق الأقصى ثلاث مرات لفترات قصيرة بعد حرب الرابع من حزيران عام 1967: الأولى في التاسع من حزيران عام 1967، والثانية في الرابع عشر من تموز 2017 بعد عملية نفذها الأخوة جبارين من أم الفحم في الأقصى، والثالثة في الثالث عشر والعشرين من حزيران عام 2025 في فترة حرب الـ12 يومًا العدوانية الأمريكية – الإسرائيلية على إيران.
الآن نشهد أطول عملية إغلاق للمسجد الأقصى، مستمرة ومتواصلة منذ الثامن والعشرين من شباط 2026 وحتى اليوم، دون أي أفق لإعادة فتحه، ودون وجود أية ضغوط جدية عربية وإسلامية ودولية تمكن من إعادة فتحه. حيث استخدم الاحتلال ذريعة الأمن لهذا الإغلاق، والقول بأنه مؤقت، ويستهدف توفير الأمن والحماية للجمهور من الصواريخ. ونحن ندرك بأن الإغلاق يندرج ضمن مسار سياسي أيديولوجي، يستهدف تغيير الواقع الديني والتاريخي والقانوني للمسجد الأقصى.
مع بداية الاحتلال، سعت العديد من الجماعات المتطرفة لاستهداف المسجد الأقصى عبر استراتيجية التفجير والهدم. وفي السياق، نذكر أنه في 21 أب 1969، أقدم أحد المتطرفين اليهود من أصول أسترالية على حرق المسجد الأقصى، والذي طال منبر صلاح الدين الأيوبي. وفي عام 1990، حاول المدعو غرشون سلمون، رئيس جماعة ما يعرف بأمناء الهيكل، وضع حجر الأساس للهيكل الثالث في الأقصى.
هذه الاستراتيجية وجدت المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية الإسرائيلية أنه سيترتب عليها الكثير من التداعيات، وقد تمهد إلى انفجار ديني وسياسي يخرجان عن السيطرة، ويدفعان نحو مواجهات واسعة مع العالمين العربي والإسلامي. ولذلك، لا بد من الذهاب إلى استراتيجية أكثر عمقًا، وأقل ضررًا وتداعيات، بالذهاب إلى ما يعرف باستراتيجية "التفكيك الصامت"، التي تستهدف المعنى لا المكان. أي تفكيك الوضع التاريخي والقانوني والديني، الذي شكل درع وسياج الحماية للأقصى. فهذا الوضع ترسخ من الحقبة العثمانية مرورًا بالحقبة البريطانية وصولًا إلى الحقبة الأردنية، صاحبة الوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية وفي مقدمتها المسجد الأقصى، وهذا الوضع شكل التوازن الدقيق ما بين الدين والسياسة والسيادة.
مع مطلع الألفية الثالثة، أحدثت الاستراتيجية الإسرائيلية، من أجل إحكام سيطرتها وسيادتها على الأقصى، والعبور به من الزمن الإسلامي الخالص إلى الزمن اليهودي – الإسلامي المشترك في البداية، وصولًا إلى السيطرة والتهويد الكلي، بإقامة ما يعرف بالهيكل الثالث بدل مسجد قبة الصخرة، ضمن أساطير ومقولات تلمودية وتوراتية تقول بأن الأقصى "جبل الهيكل" أقدس مكان ديني لليهود، ولا بد من السيطرة والسيادة عليه.
في الاستراتيجية السابقة القائمة على التفجير والهدم، كانت هناك جماعات هامشية تتبنى هذه الاستراتيجية. ولكن استراتيجية "التفكيك الصامت" هي الأكثر عمقًا وجدوى، فهي مدعومة قانونيًا وإداريًا وحكوميًا، وخاصة بعد أن نجحت قوى الصهيونية الدينية والقومية التي كانت موجودة على هامش المشروع الصهيوني في التقدم إلى قلب المشروع الصهيوني، وأضحت مقررًا رئيسيًا في السياسة الإسرائيلية، وحتى في هوية الدولة، والتحكم في الحكومات الإسرائيلية بقاءً وسقوطًا.
الاستراتيجية الجديدة تقوم على إعادة تشكيل السيادة على الأقصى دينيًا ورمزيًا، باستهداف المعنى وليس المكان، بالإبقاء على الحجر، المبنى، ولكن بإحداث تغيير جوهري في المعنى، عبر الانتقال بشكل تدريجي من إدارة الصراع إلى حسمه بأدوات قانونية وأمنية.
وفي هذا السياق، نقول بأن إسرائيل وخاصة حكومة اليمين المتطرف وشركائها من الصهيونية الدينية والقومية، اتخذت سلسلة واسعة من القرارات والقوانين، ونفذت إجراءات ميدانية كبيرة لتحقيق هذا الغرض.
ففي الإطار الميداني، لم تكتفِ بفرض قيود مشددة على الأقصى بعدد وأعمار المسموح لهم بالصلاة في الأقصى من المسلمين، بل وسعت من دائرة الاقتحامات للمقتحمين للأقصى من المستوطنين، وبشكل جماعي باتوا يؤدون صلواتهم وطقوسهم التلمودية والتوراتية في ساحات الأقصى، ويخرجون عن مسارات الدخول والخروج، ويدخلون بلباس الكهنة البيضاء ويؤدون صلوات البركة، ويقيمون حفلات الأعراس والتعميد للبالغين في ساحاته، ويدخلون اللفائف السوداء وكتب الصلاة، مع تمديد فترة الاقتحامات الصباحية بزيادة ساعة، وكذلك القيام بعمليات النفخ في البوق، وإدخال القرابين النباتية في عيد العرش من سعف النخيل وأوراق الصفصاف وثمار الحمضيات المجففة، إلى سعي متواصل لإدخال قربين الفصح الحيوانية إلى الأقصى وذبحها فيه.
بعد استكمالهم لكل هذه الطقوس، التي يعتبرونها طقوس إحياء الهيكل المعنوي، سينتقلون إلى الطقس الأخير، تمهيدًا للانتقال إلى إقامة الهيكل الثالث بشكل عملي، وهو القيام بذبح واحدة من البقرات الحمراء الخمسة التي جرى إحضارها من ولاية تكساس الأمريكية والمستولدة جينيًا. لتجاوز قرار الحاخامية الإسرائيلية الكبرى بعدم الصعود إلى "جبل الهيكل" المسجد الأقصى، بدون بند التطهر من نجاسة الموتى. وبذبحها ونشر رمادها على أكبر عدد من الحاخامات، سنكون أمام "تسونامي" من المتطرفين يقتحمون الأقصى يوميًا وبالألوف.
وعلى طريق تحقيق الهدف بإعادة صياغة موقع المسجد الأقصى وإعادة تشكيل السيادة الدينية والرمزية عليه، كان هناك مشروعي قرارين تهويدين جرى المصادقة عليهما بالقراءة التمهيدية في الكنيست. الأول ينزع القدسية عن ساحات ومصاطب واروقة المسجد الأقصى، ويحولها إلى ساحات عامة تابعة لبلدية الاحتلال، وحصر المسجد الأقصى فقط بالمسقوف من مساحة الأقصى الـ 144 دونمًا. وهذا يعني بأنه يحق لأتباع الديانات الأخرى أداء طقوسهم وصلواتهم التلمودية والتوراتية في ساحات الأقصى، دون أن يكون بوسع دائرة الأوقاف الإسلامية، أو حراس المسجد الأقصى، منعهم عن القيام بتلك الصلوات والطقوس التلمودية، فهم سيتعرضون للاعتقال والمحاكمة والإبعاد عن الأقصى والإقامة الجبرية والحبس المنزلي.
أما مشروع القانون الثاني المعروف بقانون "إنقاذ حائط المبكى"، فينطوي على تغيرات كبيرة على وضع المسجد الأقصى، بحيث ينزع الطابع التعليمي والاجتماعي عنه، ويجري إغلاق مدارس ثانوية المسجد الأقصى فيه، وكذلك منع المناسبات الاجتماعية، لقاء العائلات، وممارسة الأطفال للعبة كرة القدم وغيرها من الألعاب في ساحات الأقصى.
بعد ذلك، عمد الاحتلال إلى استهداف البنيتين الإدارية والإعلامية، معتقدًا بأن عملية التهويد لن تكون بشكل مجرد بدون موافقة الأوقاف الإسلامية نفسها. فعمد إلى استهداف دائرة الأوقاف مباشرة، لإضعاف دورها في البداية، ومن ثم إنهائه بشكل نهائي تمهيدًا لإلغاء الوصاية الأردنية على الأقصى.
فقد جرى استدعاء الشيخ عزام الخطيب رئيس دائرة ومجلس الأوقاف الإسلامية ومعه الشيخ عمر الكسواني إلى مقر شرطة الاحتلال الرئيسي في البلدة القديمة "القشلة"، وقد رفضا الذهاب، حيث أن ذلك يشكل سابقة سياسية خطيرة، والاعتراف بأن مرجعية المسجد الأقصى هي دولة الاحتلال، وكذلك يعني ذلك فرض السيادة على الأقصى. رفض الشيخ عزام ومعه الشيخ عمر الكسواني كان متوقعًا، ولذلك صعدت إسرائيل من هجمتها على الأوقاف الإسلامية، لإضعاف قدرتها الإدارية على إدارة شهر رمضان المبارك. حيث عمدت إلى استهداف الدائرة المحيطة بالشيخ عزام، خاصة حراس الأقصى، والذين هم موظفون أردنيون تدفع رواتبهم الأردن. وقد جرى إبعاد أكثر من 49 منهم عن الأقصى، وكذلك تحويل الحارسين عبد الرحمن الشريف وحسام سدر إلى الاعتقال الإداري. وترافق ذلك من منع الأوقاف من تركيب المظلات في ساحات الأقصى للحماية من البرد والمطر والحر والشمس، وعدم تشغيل عيادة الأوقاف الطبية، وأيضًا عدم إدخال الوجبات للصائمين على الإفطار، ووجبات السحور للحراس، وكذلك منع الترتيبات اللوجستية المتعلقة باستقبال المصلين.
الاحتلال يدرك بأن وسائل الإعلام هي الخطر على صورته وعلى ما يقوم به من إجراءات وممارسات بحق الأقصى والمصلين وغيرهم، ولذلك عمد إلى شن حملة إبعادات واسعة بحق الصحفيين عن الأقصى، والتنكيل بهم، واعتقال العديد منهم. ولم يكتفِ الاحتلال بذلك، بل قام بحظر العديد من المنصات الإعلامية الكبرى، وهي التي تتمتع بحضور كبير وواسع عربيًا وإسلاميًا، في نقل ما يجري بحق الأقصى من اقتحامات وممارسات واستفزازات بحق المصلين والمرابطين وغيرهم.
هنا علينا أن نعي بأن إنهاء دور دائرة الأوقاف بالإشراف الإداري على المسجد الأقصى يعني نهاية الوصاية الأردنية، ليس على الأقصى، بل على المقدسات الإسلامية والمسيحية، بما في ذلك المدارس التابعة للسلطة والمستظلة بمظلة الأوقاف الإسلامية.
الاحتلال يعتقد الآن بأن هناك فرصة مؤاتية جدًا لفرض وقائع تهويدية في الأقصى تتجاوز التقسيمين الزماني والمكاني، وبما يشمل تغييرًا جذريًا في واقعه الديني والقانوني والتاريخي "الاستاتيكو". فالعالم كل أنظاره متجهة إلى الحرب العدوانية الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، وتداعيات تلك الحرب على كامل المنطقة والإقليم والعالم، وخاصة، بأن هناك حالة "موات" عربي وإسلامي. والعرب والمسلمون في ردودهم على تلك الإجراءات والممارسات التهويدية، والإغلاق المستمر للأقصى، لم يغادروا اللازمة المعهودة والأسطوانة المشروخة: نشجب ونستنكر وندين ونطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته.
من وجهة نظري، بأن نتائج الحرب المتواصلة ما بين إيران ومحورها من جهة، وما بين أمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، هي من ستحدد مصير المسجد الأقصى. هل سيبقى مسجدًا إسلاميًا خالصًا بمساحته المعروفة 144 دونمًا، وبقبابه ومصاطبه وساحاته، أم سيتحول إلى فضاء ديني عام وفق ما روجت وتروج له بعض دول النظام الرسمي العربي، ما يسمى بالديانة الإبراهيمية؟
قادم الأيام ستجيب عن هذا السؤال سلبيًا أو إيجابيًا.
إغلاق المسجد الأقصى بهدف إعادة تشكيل السيادة الدينية والرمزية عليه
راسم عبيدات







