لا يُنظر إلى التهديدات باندلاع حرب مع إيران كمجرد صراع عسكري محدود، بل كتحول تاريخي سيعيد صياغة توازنات القوى في النظام العالمي. هذه الحرب لن تقتصر تداعياتها على ساحات القتال فحسب، بل ستصل شظاياها إلى قلب أسواق الطاقة وهيكلية التحالفات الدولية.
بحسب تقرير صادر عن "مركز الإصلاح الأوروبي" (CER)، تتصدر روسيا قائمة المستفيدين من هذا التأزم؛ إذ إن ارتفاع أسعار النفط والغاز سيؤمن لموسكو تدفقات مالية ضخمة، مما يمنحها القدرة على الاستمرار في حربها ضد أوكرانيا دون ضغوط مالية تذكر.
من جهة أخرى، تُصنف إسرائيل كربح استراتيجي رغم كونها طرفاً مباشراً في النزاع. فتقويض البنية التحتية العسكرية لإيران يقلل من تهديدات الفصائل الموالية لطهران في المنطقة، كما أن حالة الحرب تعزز الموقف السياسي لنتنياهو في الداخل الإسرائيلي.
أما الصين، فتقدم نموذجاً أكثر تعقيداً؛ فبينما تتضرر في المدى القصير بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة، إلا أنها تبرز كرابح استراتيجي طويل الأمد. تستغل بكين هذه الفوضى لتقويض الثقة في السياسات الأمريكية وتقديم نفسها كشريك دولي أكثر استقراراً، تزامناً مع تعزيز هيمنتها في قطاع الطاقة المتجددة وتقنيات السيارات الكهربائية (مثل شركة BYD).
في المقابل، تبرز قائمة طويلة من المتضررين، يأتي على رأسهم:
الشعب الإيراني: الذي سيدفع الثمن الأكبر من دمه واستقراره المعيشي وسط أزمة إنسانية متفاقمة.
أوروبا: التي ستجد نفسها في مواجهة مباشرة مع أزمة طاقة خانقة وموجات نزوح بشري جديدة تهدد استقرارها السياسي والاجتماعي.
أوكرانيا: حيث ستصبح ضحية لتغير الأولويات الاستراتيجية لواشنطن، مع تحول بوصلة المساعدات العسكرية ومنظومات الدفاع الجوي من كييف نحو الشرق الأوسط.
الولايات المتحدة: رغم انتعاش مجمعها الصناعي العسكري، إلا أنها تُصنف كخاسر على المدى المتوسط بسبب التكاليف الباهظة للحروب، وتآكل "قوتها الناعمة"، واضطراب علاقاتها مع حلفائها التقليديين.
يرى الدكتور أحمد معطي، المدير التنفيذي لشركة VI Markets، أن "الحروب دائماً ما تفرز رابحين وخاسرين على الصعيد الاقتصادي". ويشير إلى أن شركات السلاح العملاقة مثل (Lockheed Martin) وقطاع النفط هم المستفيد الأول، بينما تتلقى قطاعات الطيران والسياحة والدول الناشئة ضربات موجعة نتيجة انهيار قيم عملاتها.
وفي سياق متصل، تؤكد خبيرة الأسواق المالية حنان رمسيس أن المواطن البسيط والطبقة الوسطى هم الضحية الدائمة؛ فارتفاع أسعار السلع، وتراجع القوة الشرائية، واحتكار الأسواق، هي أعباء ثقيلة تفرضها الحروب على الشعوب، في حين يمتلك كبار المستثمرين والطبقات المخملية المرونة الكافية لنقل رؤوس أموالهم إلى "الملاذات الآمنة".
إن الحرب المحتملة مع إيران ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي اختبار مفصلي لنظام إدارة الصراعات الدولية. وتشير المعطيات الحالية إلى أن الخصوم الاستراتيجيين للغرب، وعلى رأسهم روسيا، قد يكونون أكبر المستفيدين من هذه الفوضى، بينما يندفع العالم بأسره نحو نفق مظلم من عدم الاستقرار.