اللغة كأداة سلطة..!

اللغة كأداة سلطة..!
علاء الدين أبو زينة
أخبار البلد -  
ثمة ظاهرة ملفتة في نقاشاتنا الفكرية المعاصرة: ضربٌ من العبث المقصود بالبنية الصرفية لبعض الصفات ذات الحمولة الإيجابية في أصلها، لتحويلها إلى أوصاف ازدرائية تقلل من شأن الفكرة وحاملها معًا. في وسط حوار حول مسائل مصيرية، يرتدي متحاورٌ ابتسامة متعالية ممزوجة بادعاء الحكمة العميقة، ويستدعي نعوتًا من نوع «ثورجي» و»قومجي» (بدلًا من «ثوري» و»قومي») لوصف «الآخر» بقصد الإقصاء والتسفيه ونزع الشرعية الرمزية.
 

لغويًا، لا يُستخدم الانتقال من صيغة «فَعل» أو «فَعلي» إلى صيغة «فوعلي» أو «فَعلجي» على أساس الاشتقاق حسن النية. وليست الكلمات المشتقة بإضافة لاحقة «- جي» في العربية المعاصرة من منظومة الأوزان الاشتقاقية المعروفة في العربية الفصحى. وهي متعلقة أساسًا باستخدامات عثمانية وتركية حيث استُخدمت للدلالة على أصحاب حرف أو مهن أو انتماءات اعتُبرت هامشية (عربجي، قهوجي).
ومع الزمن، ترسّخ في الوعي الجمعي إيحاءٌ سلبي لهذه اللاحقة، خاصة حين تُستخدم خارج سياق المهنة لتصبح دالة على الادّعاء، أو المبالغة، أو السطحية، أو الانتهازية. ويستخدمها المصريون في «بلطجي» و»بودرَجي» (متعاطي المخدرات). وحين يُقال «ثورجي» في النقاشات الفكرية، ينزع النعت عن الثائر وظيفته كفاعل تاريخي إيجابي يسعى إلى تغيير بنية الظلم، ليصف شخصًا صاخبًا، عاطفيًا، غير عقلاني، يعيش على الشعارات ويفتقر إلى الرشد السياسي. وحين يُقال «قومجي»، يتحول الموصوف من صاحب فكرة كبيرة جامعة لها الكثير من السند التاريخي والمنطقي إلى فرد متخشب وعدمي، متعصب لفكرة بلا أفق.
يتعدى هذا العبث تشويه الألفاظ إلى التفريغ المنهجي لمفاهيم كبرى مثل «الثورة» و»القومية» من محمولها التاريخي وربطها حصريًا بتجارب فاشلة أو ممارسات انتهازية. ومن المؤكد أن هذا المسلك لا ينتمي إلى النقد الفكري قدر ما يشكل اعتداءً على المنطق الداخلي للأفكار. ويحوِّل اختزال الفكرة في أسوأ تمثلاتها النقد من استنطاق التجربة إلى نفي الإمكان، ويخدم- من حيث لا يُعلن- البنى المهيمنة التي تستفيد من تنفير الجمهور من بدائل جذرية وإقصائها من التداول العام.
يكشف هذا التحريف اللغوي عن تحولات مهمة في موازين القوة الرمزية في المجال العام العربي. ثمة أفكار أساسية تمتعت طويلًا بشرعية أخلاقية وتاريخية- الثورة، والقومية، والتحرر، والمقاومة- أصبحت تُعتبر اليوم تهديدًا سرديًا للسلطات السياسية أو الثقافية القائمة- أو للنخب التي أعادت تعريف «العقلانية» و»الواقعية» لتبرير وتأمين استقرار الأمر الواقع. وعندما تعجز هذه القوى عن تفنيد الأفكار على مستوى الحجة، فإنها تلجأ إلى تشويه تسمياتها، وبذلك تحوِّل اللغة إلى أداة ضبط لا تقل فاعلية عن القمع المادي المباشر.
بالإضافة إلى استهداف الفكرة، يستهدف هذا الأسلوب حاملها الاجتماعي. ويؤدي التوصيف الازدرائي وظيفة تصنيفية: إنه يرسم حدًا بين «نحن» العقلانيين المتزنين، و»هم» الحالمين، المتطرفين، أو غير الناضجين سياسيًا. وبذلك يتم إغلاق إمكانية النقاش المتكافئ لأن الطرف المُوصوف لم يعد شريكًا مؤهلًا للحوار، وأصبح حالة مرضية أو كاريكاتورية. ويغني وصف شخص بأنه «ثورجي» عن مناقشة أطروحاته، تمامًا كما يغني وصف آخر بأنه «قومجي» عن التعامل مع أسئلته عن الاستقلال والسيادة والعدالة التاريخية.
في الحقيقة، لا يُقتصر هذا الضرب من العبث باللغة على السياق العربي. في السياق الغربي أيضًا شهدت اللغة عمليات مشابهة لتقويض أفكار إيجابية في أصلها. وعلى سبيل المثال، تحولت كلمة «ليبرالي»liberal في الولايات المتحدة، التي كانت تعني تاريخيًا المدافع عن الحريات المدنية والعدالة الاجتماعية، في الخطاب المحافظ إلى تهمة تُشير إلى السذاجة والانفصال عن الواقع. وأُفرغت كلمة woke، التي نشأت في أوساط السود الأميركيين لتعني الوعي بالظلم البنيوي، من مضمونها وأصبحت أداة سخرية تُستخدم لتشويه أي خطاب نقدي للعنصرية أو الرأسمالية أو الاستعمار. وفي أوروبا، استُخدمت كلمة idealist (مثالي) أحيانًا بحس ازدرائي للدلالة على الانفصال عن «السياسة الواقعية» بدلًا من المسعى الأخلاقي.
ما يجمع بين هذه الحالات هو أن التشويه اللغوي يظهر عادة حين تفقد المنظومات المهيمنة قدرتها على الإقناع المنطقي والأخلاقي. بدل أن تقول: «أنا أختلف مع هذه الفكرة»، تقول: «هذه الفكرة يحملها أناس غير جادين، غير ناضجين، أو غير أسوياء». وبذلك يتحول الصراع من تنافُس أفكار إلى صراع تسميات، حيث الكلام ميدان المعركة.
في اختلاف عن الغرب، تكتسب هذه الظاهرة في العالم العربي بعدًا أكثر حدة وتأثيرًا بسبب تاريخ القمع السياسي وتقييد المجال العام. في هذا السياق، تصبح اللغة في بعض الأحيان المجال الوحيد المتاح للمقاومة- أو، في المقابل، للهيمنة الناعمة. ويجعل ذلك صراع الكلمات والتسميات جزءًا من الصراع على الذاكرة والمعنى والمستقبل. ويعني قبولنا غير النقدي لمصطلحات مثل «ثورجي» و»قومجي»، ضمنًا، قبولنا بإطار تفسيري يُفرغ مفاهيم بوجاهة وجوهرية الثورة والقومية من بعدها التحرري، ويحيلها إلى خانة العبث أو الفشل أو الحنين.
الأصل في اللغة أن تُستخدم في الحوار لتوسيع الفهم وتطوير النقاش، لتكون بذلك أداة معرفة كما ينبغي أن تكون. لكنّ استخدامها للاختزال والتسخيف والإقصاء، يحولها إلى أداة سلطة. والانتباه إلى هذا الفارق شرطٌ أساسي لاستعادة النقاش العام من ميوعة الاستخفاف، وإعادة الأفكار- ولو اختلفنا معها- إلى منطقة الجدل المنطقي والعقلاني حسَن النية.
شريط الأخبار المجموعة العربية الاوروبية للتامين .. استقالة المدير المالي و"قسطندي" يشتري 100 الف سهم في الشركة بعد خسارة الجمهوريين .. ترمب ينشر صورة لقبعة تحمل كلمة "فيتو" ماستركارد وبنك صفوة الإسلامي يطلقان بطاقة "شفاء" الأولى من نوعها لتوفير آلية دفع مرنة للقطاع الصحي في الأردن طبيب جرحى غزة يمثل ولاية نيوجيرسي في الكونغرس ارتفاع أسعار الذهب في الأردن.. وعيار 21 يقفز إلى 82.40 دينار تعيين عصام الراميني رئيسًا لدائرة عمّان الثانية في شركة الكهرباء الأردنية صرخة من مستثمر في القطرانة الى وزير الادارة المحلية وليد المصري .. نصف مليون في مهب الريح اين العدالة ؟ انتكاسة تاريخية للحزب الجمهوري.. تقدّم ديمقراطي يهدّد أجندة ترمب مستشار أعلى محكمة أوروبية: Gemini ينتهك حقوق نشر الأخبار الصحافية شاب ووالداه يقتلان طفلا عمره 4 سنوات بعد استدراجه وزارة العمل تضبط 20 عاملة منزل مخالفة من الهاربات والدة وزير الخارجية ايمن الصفدي في ذمة الله .. موعد الدفن وصلاة الجنازة والعزاء الصحة العالمية: ارتفاع عدد المصابين بالسكري إلى 830 مليون شخص نقابة الفنانين تُقاطع مهرجان الأردن المسرحي في دورته الحالية، والنقيب يستقيل..بيان ترامب: ملف إيران كان أحد عوامل خسارة الجمهوريين لكن الأمريكيين يدركون ما حققناه في التعامل معها البدور: 2350 مريض استفادوا من خدمة "واتس ثرو" لاستلام الأدوية و 6 مراكز جديدة قريبا الموت يسبق خط النهاية.. وفاة صادمة لشابة بـ"ماراثون نيويورك" (فيديو وصور) الأرصاد .. كتلة هوائية باردة وأمطار غزيرة مرتقبة على المملكة وفيات الأربعاء 4-11-2026 الثوري الإيراني يفعل "الردع الأقصى" استباقا لضربة أمريكية إسرائيلية جديدة... وإسرائيل تحول مواقف السيارات إلى أقسام طوارئ