الشريط الإعلامي

لماذا أوقفت موسكو أنشطة الوكالة اليهودية ؟

آخر تحديث: 2022-07-26، 03:52 pm
مهدي مبارك عبد الله
أخبار البلد ــ بعد تصاعد التوترات بين تل أبيب وموسكو بسبب الحرب في أوكرانيا أمرت روسيا بوقف جميع انشطة الوكالة اليهودية المعروفة باسم "سخنوت" كما طلبت من وزارة العدل الروسية حل المكتب التمثيلي للوكالة اليهودية لإسرائيل في موسكو وحددت مهلة زمنية لمغادرة العاملين فيه البلاد ويأتي التحرك الروسي بتعليق نشاط الوكالة اليهودية في ظل الظروف التي أدانت فيها إسرائيل في الأشهر الأخيرة الماضية الهجمات الروسية على أوكرانيا وأرسالها مرتزقة إسرائيليين إلى أوكرانيا لمحاربة الروس وهو ما اغضب سلطات الكرملين وتحديدا الرئيس بوتين.

الوكالة اليهودية منظمة صهيونية تأسست عام 1929 تعمل مكاتبها التمثيلية في روسيا منذ نهاية الحقبة الشيوعية عام 1989 وقبل ذلك كانت محظورة تزعم الوكالة بأن اعمالها غير ربحية وهي مستقلة وقد لعبت دور هام في إعادة اليهود إلى الكيان الإسرائيلي في فلسطين المحتلة حيث استطاعت ترحيل أكثر من 21 ألف يهودي روسي إلى إسرائيل خلال العام الماضي وفي الأشهر الأخيرة نقلت 30 ألف شخص من روسيا وأوكرانيا وفي العقدين الماضيين غادر أكثر من مليون يهودي روسيا إلى إسرائيل بإشراف الوكالة اليهودية.

عقب القرار الروسي سرت خشية كبيرة داخل إسرائيل وفي الأوساط الصهيونية العالمية من التأطير القانوني للمسالة وإمكانية تصنيف ممثلين عن الوكالة اليهودية أو من المنظمات اليهودية الدولية على أنهم عملاء أجانب خاصة بعد توقيع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرسوم قانون جديد في 14 / 7 / 2022 نشر على الموقع الرسمي لحكومة باسم ( القانون الاتحادي للسيطرة على أنشطة الأشخاص الذين هم تحت تأثير أجنبي ).

تم اعتماده والمصادقة عليه بشكل عاجل من قبل مجلسي الدوما والاتحاد على التوالي لغايات توسيع نطاق تعريف وتسمية العميل الأجنبي لتشمل أي شخص يعتقد أنه وقع تحت نفوذ أجنبي او تعامل معه وهي تسمية تحمل دلالات تعود إلى الحقبة السوفيتية السابقة وستكون هنالك مراقبة حثيثة للعملاء الأجانب والأشخاص والمنظمات النشطة سياسيا، ممن تقرر السلطات الروسية أنهم تلقوا تمويلًا او دعم من أي نوع كان وليس فقط القادم من الخارج وبالتالي اخضاعهم لمتطلبات تدقيق صارمة وكذلك سيتم إدراج أي شخص عمل مع وكيل أجنبي أو حصل على تمويل من أحدهم في قائمة وزارة العدل الجديدة للأشخاص والمجموعات المرتبطة بوكلاء أجانب خاصة بعد تأكد مشاركة مرتزقة إسرائيليين في القتال ضد روسيا إلى جانب القوات الاوكرانية وحدوث توتر في العلاقات على خلفية تصريحات دبلوماسيين روس حول الأصول اليهودية لهتلر.

بموجب احكام القانون الجديد الذي سيدخل حيز التنفيذ في 1 كانون الأول 2022 أصبح لدى وكالة ( مراقبة الاتصالات الحكومية الروسية ) صلاحيات حجب مواقع العملاء الأجانب بناءً على طلب وزارة العدل ودون أمر من المحكمة كما سيمنع العملاء الأجانب من التدريس في الجامعات الحكومية أو العمل مع الأطفال وهو ما سيخلق وضع يستحيل معه للمنظمات اليهودية والإسرائيلية العمل في روسيا بسهولة وحرية وأمان.

الوكالة اليهودية قبل أسابيع قليلة تلقت رسالة شديدة اللهجة من وزارة العدل الروسية تهددها بوقف نشاطها ما لم تلتزم بالقوانين وتوقف مخالفاتها في سياق أنشطتها من خلال جمعها معلومات بشكل غير قانوني عن مواطنين روس وتبادلها مع مكاتبها في القدس المحتلة أو مع مكاتب الحكومة الإسرائيلية من أجل المضي قدما في الهجرة كما طلب من الوكالة أن ترد على هذه الاتهامات والا سيتم وقف أنشطتها إذا ما ثبتت إدانتها بالتهم الموجهة إليها.

المخالفة الأبرز والأكثر علنية التي اثارت غضب الحكومة الروسية تتمثل في تصريحات المديرة التنفيذية للوكالة ( أميرة أخرونوفيتش ) خلال اشتراكها إلكترونياً في مؤتمر جورازليم بوست السنوي في لندن في الأول من نيسان الماضي والتي زعمت فيها ( أنّ ازمة اللاجئين اليهود الأوكرانيين هي اكبر من الهولوكوست ) وهو ما يساوي عملياً في بعده السياسي بين العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا وبين الحروب النازية.

من الأمور التي ساهمت في زيادة حدة التصعيد والتوتر بين الجانبين كذلك تصريحات وزير الخارجية الروسي لافروف خلال لقاءه مع جهة إعلامية ايطالية بداية أيار الماضي والتي أثار في حينه موجة من ردود الأفعال بعدما سأله المذيع عن الكلام الروسي عن النازية في أوكرانيا فرد عليه بأن زيلينسكي رئيس اوكرانيا نفسه يهودي وكان لأدولف هتلر دم يهودي أيضاً.

في ذات الصدد أضاف لافروف انني سمعت زيلينسكي يقول إنهم لن يناقشوا في محادثات السلام المقبلة نزع السلاح او اجتثاث النازية كما زعم وزير الخارجية الروسي وجود النزعة النازية المتطرفة في أوكرانيا واستشهد بان المقاتلون المأسورون لدينا من أعضاء كتائب آزوف وآيدار والوحدات الأخرى كانوا يرتدون على ملابسهم صلباناً معقوفة أو رموز كتائب فافن إس - إس النازية و يضعون وشوماً مشابهة على أجسادهم ويقرأون ويروجون لكتاب كفاحي لهتلر بشكل علني.

ردود الأفعال والتصريحات الغاضبة في إسرائيل على ما ورد من حديث في مقابلة لافروف دفع الخارجية الروسية إلى إعادة تأكيد كلامها في تغريدة على حسابها الرسمي على تويتر في إطار ردها على يائير لابيد حيث قالت ان تصريح وزير الخارجية الإسرائيلي انذاك يتناقض مع التاريخ ويفسر إلى حد كبير سياسة الحكومة الإسرائيلية الحالية بدعم نظام النازيين الجدد في كييف وأرفقت التغريدة برابط يخص الموضوع نفسه ( الدم اليهودي لهتلر ) منشورة في صحيفة التلغراف البريطانية يتضمن روابط دراسات تثبت هذا الامر بان اليهودي يمكن ان يكون نازي.

إسرائيل بدورها اعتبرت القرار عقوبة سياسية عليها ليس فقط بسبب الحرب في أوكرانيا وإنما أيضاً بسبب عملياتها في سوريا وقالت انه لن يمر بهدوء كما هددت روسيا بشكل مبطن وتوعدتها بخطوات شديدة وصارمة في حال تنفيذ أغلاق مكاتب الوكالة اليهودية من بينها إعادة السفير الإسرائيلي من موسكو للتأثير على العلاقات بما يصل الى حد الازمة الدبلوماسية بين البلدين.

معظم التحليلات والتفسيرات في هذا الشأن دارت في فلك الازمة الاوكرانية ووجدت ان المقصود من التصعيد الروسي هو معاقبة إسرائيل على موقفها بما يتعلق بكييف سواء السياسي أو الميداني حيث بات واضحاً لها وجود دعم متعدد المستويات يتلقاه زيلينسكي ومجموعته من الكيان الإسرائيلي ولهذا استبقت موسكو الاحداث لوقفه قبل انتقاله إلى مستوى الدعم العسكري المباشر عبر منظومات الأسلحة المتطورة مثل منظومة القبة الحديدية والصواريخ المضادة للطائرات والدبابات وغيرها.

فيما وجدت مجموعة اخرى من المراقبين والمتابعين من أصحاب الرأي ان روسيا ضمن سياساتها المستجدة تسعى للضغط على تل ابيب لغايات استمالتها بعيداً عن الغرب في مسألة أوكرانيا وبما يصب في مصلحتها خاصة في ظل العزلة الدولية التي تعيشها خلال معركة عالمية تعدت جغرافية أوكرانيا الى صراع قد يمتد بين النظام الدولي القائم والنظام الدولي الجديد الى مالا نهاية.

اما الفريق الثالث فقد علق على مشهد الاحداث الجارية بان اختصار البعض للتصعيد الروسي الجاري مع إسرائيل في حدود الموقف من معارك أوكرانيا فيه تقزيم وتضليل واضح لجوهر المشكلة وان القول بوجود تخوفات لدى روسيا من دعمٍ إضافي يمكن أن تقدمه إسرائيل لأوكرانيا بما في ذلك الدعم العسكري عبر منظومة القبة الحديدية التي ثبت فشلها في حرب سيف القدس على غزة وغيرها هو كلام مثير للسخرية لان روسيا تواجه اليوم الغرب الجماعي بأكمله وبمختلف أسلحته التي تتدفق على أوكرانيا بما فيها السلاح الإسرائيلي الذي وصل فعلا لأوكرانيا ولم يغير في المعادلة أي شيء ولم تكن اثارة الحديث حوله اكثر من قنبلة إعلامية دخانية.

من خلال متابعاتنا وقراءتنا الدقيقة والشاملة للقرار والموقف الروسي وما قبله نستخلص وبشكل عام ان إسرائيل ككيان صنعت لأهداف استعمارية معروفة ومحددة لا يمكن وباي حال فصلها عن مضمون المشروع الامبريالي الغربي والنظام العالمي الناشئ بكل تصوراته الظاهر منها والباطن ولا يمكن أيضا التعامل مع هذا الكيان الاسرائيلي بوصفه مولود طبيعي او نظام حكم قائم بحد ذاته سيما وانه موجود كمشروع احتلالي وامتداداً للمشروع الغربي الاستعماري الذي يعتبر الحبل السري لبقاء اسرائيل على قيد الحياة حتى اليوم وفي حال انحساره او انكساره ستنتهي حتما الى زوال ولذلك فان التعامل الروسي الحالي يتم معها وفق هذا التشخيص بغض النظر عن المستوى الدبلوماسي والإعلامي الذي يتم من خلاله تناول المسألة.

لا يفوتنا في هذا الجانب التنبيه الى ان الكتلة والقوة المالية الصهيونية تقع ضمن هذا المشروع الغربي الاستعماري بزعامة اميركا ولذي تحارب روسيا ضده بقوة بالتعاون مع الصين لضرب الدولار الامريكي وتحديد سطوته العالمية ومحاولة انهاء الهيمنة الاقتصادية ولهذا فأن أي حديث يتردد عن حيادٍ إسرائيلي أو انحيازٍ جزئي لأوكرانيا هو تحريف متعمد للحقائق لتغيير وتزوير واقع الحال.

ما لا ينبغي أن يغيب عن البال لحظة واحدة هو أن الوكالة اليهودية تعد المرجعية الأم لإسرائيل وهي أحد فروعها العالمية في المنطقة وليس العكس كما يبدو للبعض وان المواجهة الروسية القائمة الان مع الوكالة اليهودية وإن كانت تعني ضمنياً مواجهة مع إسرائيل لكنها في الباطن أكبر من ذلك بكثير كونها في الأساس مواجهة مع الصهيونية العالمية كجزء من المواجهة الشاملة والمتقدمة مع المشروع الاستعماري العالمي المهيمن ماليا واقتصاديا بجشع مفرط على حياة الدول والشعوب.

النتيجة الحتمية من المؤكد انه لا يمكن لروسيا الاتحادية اليوم بزعامة بوتين ان تنسى الدور الصهيوني الخطير عبر المشروع الإسرائيلي التخريبي في تدمير قواعد ومنطلقات الحركة الشيوعية العالمية والمساهمة في تفكيك وتشظي الاتحاد السوفييتي والعمل ضده منذ 1917 وحتى من قبل ذلك حتى وإن أصبح ذلك من التاريخ الماضي الا انه لا زال يشكل مرارة قاسية لدى القادة الروس تستفز نوازع الكراهية والانتقام في نفوسهم كل يوم.

منذ وصول الرئيس بوتين وبعض القيادات السياسية والعسكرية لمقاليد السلطة والحكم لم يكونوا راضين بالمطلق عن تزايد وامتداد النفوذ الصهيوني في بلادهم من خلال سيطرة وامتلاك قسم كبير من الأوليغارك اليهود على موارد الدولة الهامة وعلى الوسائل الإعلامية الرئيسية لأنهم اصبحوا يمثلون شبكة كبرى من ( عملاء النفوذ ) الذي تحدثنا عنهم انفا.

الخشية والحذر الروسي المتزايد مرده انه بعدما فشكل وعجز الغرب واليهود بكافة الوسائل العسكرية والاقتصادية والإعلامية والدبلوماسية وغيرها عن محاصرة وتكبيل روسيا وضربها وإنهائها من الخارج ان يكون التخطيط والوسيلة الوحيدة التي يمكنهم اللجوء إليها الان هي زعزعة استقراره وامنه من الداخل وهنا يأتي دور الصهيونية ممثلة بالوكالة اليهودية والتي تلعب في الباطن رأس حربة متقدمة في خلق الاضطرابات والقلاقل لتفكيك روسيا من الداخل باستخدام الوسائل الاستخبارية والاقتصادية والثقافية الإعلامية بالدرجة الأولى من هنا سارعت موسكو الى ضرب القوة الأوليغارشية اليهودية وقطع راس الافعى تمهيدا لاستئصالها كلياً من كافة مناحي الحياة الروسية.

العلاقات بين الجانبين توترت بشدة في الأشهر الأخيرة وأدت حتى إلى حرب كلامية بين موسكو وتل أبيب والروس غاضبون جدًا من الصهاينة لدرجة أنهم اتخذوا مؤخرا قرار في مجلس الأمن الدولي يدين اعتداءاتهم المتكررة على الأراضي السورية وهو أمر غير مسبوق من نوعه والإجراء الروسي الأخير صحيح ان له جانب سياسي يعود إلى أفعال تل أبيب في أراضي أوكرانيا وسوريا ولكن في مراميه بعيدة المدى هو أكبر من كل ذلك.

ختاما نؤكد انه ورغم كل محاولات التضليل والتمويه والتعمية التي تظهر ان التصعيد المتبادل بين روسيا وإسرائيل هو مجرد اختلاف في وجهات النظر حول الحرب في أوكرانيا وأغفال جوهر المسألة بان المعركة الغربية الصهيونية انطلقت بشراسة لتدمير الداخل الروسي ونقل المعركة الى اعماقه وإنْ كانت في العلن والواقع هي معركة تغيير للنظام العالمي إلا أنها وبما يخص روسيا أصبحت تعني معركة وجود قبل أي شيء آخر.

mahdimu.barak@gmail.com