الشريط الإعلامي

حديث الغلاء..!

آخر تحديث: 2022-05-29، 09:40 am
علاء الدين أبو زينة
أخبار البلد-
 
لعل آخر شيء يريد أحد أن يتميز به بلده هو أن يكون من بين الأعلى كلفة للعيش. وبغض النظر عن الأرقام، لا بد أن يشغل موضوع الغلاء جزءا من حديثنا اليومي هذه الأيام. بين ليلة وضحاها، يتفاجأ المتسوقون بالارتفاع المضطرد لأسعار الخضار والفواكه والسلع الاستهلاكية الأساسية. لم يعد ينفع تخصيص ميزانية للمصاريف الشهرية، لأن حساب الحقل لن يطابق أبدا حساب البيدر.
ولا حد للأضرار الاجتماعية والنفسية التي تترتب على تآكل القدرة الشرائية للأفراد. من ناحية، تصبح الحياة عنتا مستمرا لأرباب الأسر المثقلين بمهمة توفير احتياجات عائلاتهم الأساسية بدخولهم المتآكلة. ومن ناحية أخرى، يعجز الأبناء والبنات عن إنشاء أسر جديدة وتخفيف العبء عن والديهم بسبب الكلف التعجيزية. ويعني ضعف القدرة الشرائية كساد السلع، وانهيار وإفلاس المشاريع الصغيرة. ولكل ذلك علاقات بالاستقرار الاجتماعي والأمن الاقتصادي، والعلاقات والسلوك والعنف، والصحة العقلية والجسدية، ونوعية الحياة اليومية والنظرة المستقبلية.
أحد الأسباب المهمة التي يُستشهد بها لارتفاع الأسعار هو ارتفاعها من بلاد المنشأ. وهو بالتأكيد عامل يصعب التحكم فيه –إلا لجهة قراءة اتجاهات الأسعار وشراء مخزونات احتياطية منها سلفاً. لكن هناك عوامل قابلة التحكم فيها. أولا، المحدد النهائي لغلاء أو رخص سلعة معينة هو معدلات الدخل. وإذا كانت نسب البطالة مرتفعة والدخول شحيحة، فإن أي سعر يصبح غاليا لعدم توفر المال أو عدم كفايته لدفع الثمن المطلوب. ويعني ركود الأجور وعدم توفر فرص العمل وانخفاض الدخول خللا في إدارة الاقتصاد وحل مشكلاته.
ثانياً، هناك سلع استراتيجية أساسية يستهلك شراؤها جزءا كبيراً من الدخل القومي بينما يمكن –نظريا- إنتاجها محلياً. على سبيل المثال، يتحدث العالم كله عن الشرق الأوسط كمتأثر كبير بارتفاع أسعار القمح والزيوت النباتية بسبب الحرب الأوكرانية. لماذا لا نزرع القمح والذرة لتغطية أقصى قدر ممكن من حاجاتنا المحلية (وهو ما بدأت تفطن إليه دول مثل مصر ولبنان الآن)؟ سوف يتذكر سكان عمان زمنا كانت فيه رؤية حقول القمح مشهدا عاديا. مثلا: في مدرستي الابتدائية في الهاشمي الشمالي في السبعينيات، كنا نقطع الشارع فقط لنقطف السنابل الخضراء من الحقل الممتد على مدى البصر، ونذهب في أمسيات الحصاد سيرا على الأقدام لشراء «الفريكة» ساخنة مباشرة من الحقل. وكان بوسع سكان معظم جبال عمان الذهاب عصراً على الأقدامً إلى الحقول القريبة لشراء القثائيات وأقراص عباد الشمس لدى قطفها مباشرة من الحقل أمام عينيك.
ذهبت تلك الحقول ومثيلاتها في كل ما أصبح غابات إسمنت. وحدث ذلك إما لقصور في النظرة الاستراتيجية إلى الأمن الغذائي، أو لطغيان مصالح أصحاب الأراضي التي فُرزت للمباني وأثرى أصحابها من أثمانها الصاروخية. ومن المستحيل استعادة تلك الحقول. لكن بالوسع البحث في توسيع الرقعة الزراعية الحالية واستغلال كل أرض ممكنة لزراعة المحاصيل الاستراتيجية، لضمان توفرها والتحكم في أسعارها. ومن المفهوم أن الوضع المائي ربما يكون عائقا أمام تطوير الزراعة المحلية، لكن أي تكاليف تُنفق على المشاريع المائية لن تكون خسارة أبداً بالنظر إلى عوائدها الاستراتيجية.
والثروة الحيوانية؟ كانت تربية المواشي جزءا أصيلاً من تكوين مجتمعاتنا الريفية والبدوية، بالتخصص. والآن، نعتمد على اللحوم المستوردة في معظم احتياجاتنا. ويصعب علينا، كمواطنين عاديين، أن نفهم السبب في ارتفاع أسعار اللحوم المحلية مقارنة بالأجنبية، حتى مع كل ما يُضاف إلى المستوردة من كلف النقل والتخليص والعناية. إما أن هناك قصوراً في توفير الأسباب لتقليل كلفة تربية المواشي المحلية، أو أن للأمر علاقة بـ»بريستيج» اللحوم البلدية، على أساس أن تقدير الضيف يكون بإطعامه لحما محليا.
وهناك الاحتكار وطمع التجار الذي يؤدي يرفع الأسعار بلا مبرر. وهو شأن يتصل بضعف الوازع الأخلاقي والمسؤولية الوطنية، بقدر ما يساعده ضعف الرقابة على المستغلين أو تدخل الفساد. ويبدو أنها ليست هناك تقاليد للبيع الكثير والربح القليل، ولا لمنافسة السوق الحرة التي تؤدي إلى انخفاض الأسعار لتنوع المعروضس. ويشكو التجار أيضاً من ارتفاع كلف الاستيراد والضرائب، ولو أنهم يحملونها كلها للمستهلك الأخير الذي تتراكم عليه الأعباء.
في النهاية، ليس المواطن معنياً بالتفسير وما له سوى الشكوى. أما التفسيرات والحلول، فينبغي أن تكون عند واضعي السياسات.