الشريط الإعلامي

الآفاق المستقبلية للتحولات البنيوية في النظم السياسية

آخر تحديث: 2022-05-10، 09:46 am
أ. د. وليد عبدالحي
أخبار البلد-
 
تمثل فكرة أو مفهوم "السلطة" أحد أقدم مفاهيم علم الاجتماع وخصوصاً علم الاجتماع السياسي، وينطوي مفهوم السلطة على أبعاد مختلفة، فالسلطة تعبير عن مجموعة من القواعد الآمرة، التي اتفق أعضاء نسق اجتماعي أو سياسي على التفاعل بينهم استناداً إليها، وإيكال القيام بها لمن يرونه الأنسب لذلك بحكم القوة أو المعرفة أو الثروة أو الموقع الاجتماعي أو غير ذلك.

لكن خضوع الأفراد أو المجتمعات للسلطة مدفوع إما بالخوف، أو المنفعة، أو الاحترام لمنظومة قِيَم يتوخّون منها انتظام حياتهم وتطوّرها. ومن الضروري أن نميّز في حالة السلطة وأشكالها بين "المنصب" وبين شاغله على الرغم من التأثير المتبادل بينهما.[2]

وقد سعت الدراسات المستقبلية لرصد الاتجاهات الأعظم mega-trends لمضمون السلطة ومكانتها لتحديد مستقبلها على المدى البعيد، ونسعى في هذه الدراسة إلى تنبيه القوى السياسية العربية والإسلامية للتحولات التي تجري في هذا المقام، والتي ستترك آثارها العميقة على بنية مجتمعاتنا وعلى مدى قدرتها على التكيّف مع التغيرات التي تصيب مجتمعاتنا وسلطاتها، خصوصاً السياسية، كما تصيب مجتمعات الحلفاء والخصوم وسلطاتهم على حدّ سواء. كما أرى أن من الضروري التنبّه للفرق بين الاتجاهات الأعظم، وبين الأحداث events والاتجاهات الفرعية sub-trends، أو الاتجاهات التي قد تظهر منحرفة بشكل مؤقت، أو عابر للاتجاهات الأعظم التاريخية لكنها تعود في نهاية المطاف لتنضوي ضمن مسار الاتجاه الأعظم، فإذا لم تعد للانضواء شكّلت نقطة تحول turning point لتكون بداية لاتجاه أعظم جديد.

أولاً: الاتجاهات الأعظم في مقومات السلطة:

بناء على ما سبق يصبح السؤال هو: ما هي الاتجاهات الأعظم لتطور السلطة وكيف سيكون شكل السلطة خلال العقود القادمة؟
وللإجابة على السؤال السابق لا بدّ من رصد مضمون أدبيات التغيّر، بغض النظر عن البعد المعياري Normative لمضمون هذا التغير، لنحدد اشتباكها الميداني مع شكل السلطة في خاتمة المطاف، وهنا سنجد الأطروحات التالية:

1. تراجع سلطة الأيدولوجيا لصالح المنظور البراجماتي:

ونعني بذلك التشكيك في الوزن النوعي للآيديولوجيات المعاصرة في تحديد أنماط التفاعل السياسي، وتتبدى هذه الأدبيات في نظرية التقارب Convergence Theory لبريجنسكي Brzezinski التي تربط بين التشابه المتزايد والمتسارع في البنية التحتية لأغلب المجتمعات المعاصرة، وبين التماثل التدريجي المتزايد والمتسارع لبنياتها الفوقية ومن ضمنها الآيديولوجيات، وهو التصور نفسه الذي طرحه دانيل بل Daniel Bell في دراسته عن "نهاية الآيديولوجيا End of Ideology" حيث تنبأ بنموذج يجمع النمط الاشتراكي مع الرأسمالي وهو ما يتجسد في نموذج دولة الرفاه، ودعم هنتينغتون Huntington في دراسته حول صراع الحضارات هذا التوجّه باعتقاده بحلول الثقافة مكان الآيديولوجيا، وأضاف غورباتشوف Gorbachev في كتابه البريسترويكا Perestroika دعوة "لتجريد العلاقات الدولية من الآيديولوجيا"، وتعزز هذا التوجه بدراسة هولبيغ Holbig حول تكييف الآيديولوجيا في السياسة الصينية…إلخ.[3]

ولو نظرنا في سلطة العقائد الدينية سياسياً، فإن الأمر يستوجب أولاً التمييز بين الاتجاه التاريخي وبين الاتجاه الفرعي المتذبذب، وهو ما يتضح في تنامي دور الدين في الفترة من سبعينيات القرن الماضي إلى الآن… (الحركات الإسلامية، عودة التقاليد الكونفوشية، فوز حزب بهاراتيا جاناتا Bharatiya Janata الهندوسي في الهند، لاهوت التحرر liberation Theology في أمريكا اللاتينية، نظريات ألكسندر دوغين Aleksandr Dugin حول دور الأرثذوكسية في روسيا، تنامي وزن الأحزاب الدينية في "إسرائيل"، المحافظون الجدد في الولايات المتحدة ودراسة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي Shinzo Abe (نحو قُطرٍ جميل: رؤيتي لليابان Towards a Beautiful Country: My Vision for Japan والتي يركّز فيها على العودة للأصول والتقاليد بما فيها الأخلاقيات الدينية).[4]

لكن النظر للاتجاه التاريخي الأعظم يشير إلى:[5]

‌أ. تزايد النزوع لتفسير الظواهر الاجتماعية (الفقر، والغنى، والاستبداد، والنصر، والهزيمة في الحروب…إلخ)، والطبيعية (الزلازل، والبراكين، والأعاصير، والأمراض…إلخ) المختلفة، بالمنهج العلمي على حساب التفسير الميتافيزيقي.

‌ب. عدد النظم السياسية المصنفة بأنها دينية بالمعنى الدقيق دولتان (إيران والفاتيكان) من 199 دولة، إضافة إلى التراجع التدريجي في عدد الدول التي تنص على اشتمال دساتيرها على دين الدولة أو اعتماد الدين بكيفية أو أخرى في الحياة العامة، وهو ما يوضحه الجدول التالي:[6]

جدول رقم 1: مكانة الدين في الأنظمة السياسية المعاصرة (راجع الجدول على موقعنا)

‌ج. عدد الحروب الدينية تاريخياً (أقل من 6.98%) طبقاً للموسوعة الحربية.[7]

‌د. القوانين الدولية التي تنظم معظم مرافق الحياة الدولية المعاصرة هي قوانين وضعية بل إن بعضها كما هو الحال في ميثاق الأمم المتحدة Charter of the United Nations تنص على الامتناع عن بناء العلاقات على أسس دينية.[8]

‌‌هـ. التجارة الدولية: تدل مؤشرات الاقتصاد السياسي الدولي أن أغلب تجارة الكتل الدينية ليست داخلية بل خارجية، أي أن هذه الكتل الدينية تتفاعل اقتصادياً وتجارياً مع دول من خارج كتلتها، إلى جانب أن بعض الكتل تجاوزت التباينات المذهبية داخل الدين الواحد بالرغم من أن هذا التباين المذهبي كان تاريخياً سبباً في حروب طاحنة.[9]

و. تزايد القيود عالمياً على تشكيل التنظيمات الدينية أو تدريس الدين في المدارس من 2007 وحتى الآن بنسبة 20%.[10]

2. تراجع سلطة السياسي التقليدي لصالح اتساع دائرة نفوذ التكنوقراطي:

أدى تزايد التعقيد التقني الهائل في الحياة إلى جعل التكنوقراطي المتخصص في جزئيات محددة هو صانع القرار الحقيقي وليس على السياسي إلا التنفيذ، وعندما أجرى كاتب هذه السطور دراسة على الاتحاد السوفييتي وأخرى على الصين تبيّن له أن غورباتشوف ودينغ هيساو بنغ Deng Xiaoping وصلا إلى السلطة في اللحظة التي تفوق فيها عدد التكنوقراط من الشيوعيين على الآيديولوجيين التقليديين في هيئات صنع القرار المركزية.[11] ويبدو أن ألفين توفلر Alvin Toffler كان محقاً في تصوره عن أن التصادم بين القوى التي ستجعل من المعرفة والخبرة أداة لسلطتها وبين قوى الثروة سيكون أهم من الصراع بين الاشتراكية والرأسمالية أو بين الدول القومية، فالعنف التقليدي في ممارسة السلطة يعبّر عن نمط سلطوي متدني المستوى، أما السلطة بواسطة الثروة فهي سلطة متوسطة النوعية، بينما ستكون السلطة بواسطة المعرفة هي سلطة عالية النوعية تقوم على التأثير على الأفراد والمجتمعات من خلال التوجيه عن بُعد وبطرق غير مباشرة.[12]

وتشير نتائج دراسة العالم الأمريكي باكمنستر فولر Buckminster Fuller أن اللعبة العالمية التي أنشأها في كندا وشارك فيها آلاف العلماء والقادة لوضع معادلات لحل أزمات العالم دلّت على أن أسوأ النتائج هي تلك التي وضعها السياسيون نظراً لعدم قدرتهم على فهم التحولات المعقدة والتي تحتاج لمشاركة أوسع من الخبراء للقدرة على استيعابها.[13]

3. تراجع سلطة الأحزاب:

إن نسبة الانخراط في الأحزاب السياسية تتراجع عالمياً لحساب الانخراط في هيئات المجتمع المدني، ويقول أنتوني جدنز Anthony Giddens أن نسبة العضوية في هيئات المجتمع المدني في العالم تصل إلى 20 ضعفاً لعدد المنخرطين في الأحزاب، كما أن النسبة تتزايد.[14] ومن الواضح أن هيئات المجتمع المدني أخذت تتولى دور الأحزاب بشكل تدريجي وهادئ، لكن ذلك ليس منفصلاً عن تراجع الآيديولوجيات وبقية المؤشرات التي سنتناولها في هذا المقام، وتكشف الدراسات الكمية أن التراجع يتم في نسبة الأعضاء في الأحزاب، ونسبة المشاركة في الانتخابات الحزبية، أو نسبة انتخاب القوائم الحزبية، والتغيّر في اتجاهات التصويت للأحزاب بين جولات الانتخابات، والتآكل المتواصل في القواعد الاجتماعية للأحزاب التقليدية، ويتبين أن المنطقة العربية تقع ضمن الأكثر تراجعاً في هذا الجانب قياساً للأقاليم السياسية العالمية الأخرى.[15]

4. تراجع فضاء الكاريزما:

إن الكاريزما التي كثيراً ما سيطرت على عقول المجتمعات كأحد مقومات النفوذ السياسي تتراجع من كاريزما القلب (الارتباط الوجداني بفعل مقومات الشخصية الكاريزمية) لتتجه نحو كاريزما العقل، أي نحو الذهول أمام الإنجازات العلمية، ومع تكاثر المخترعين بطريقة هندسية أضحى العدد يفوق القدرة على المتابعة والعد، ولكنه قتل كاريزما الزعيم السياسي، فليس غريباً أن القيادات الكاريزمية تتلاشى تدريجياً، وتشير أدبيات الموضوع إلى ما يؤكده بعض الباحثين عن الترابط بين التواري التدريجي لظاهرة الكاريزما وبين تنامي العقلانية والعقل النقدي الأقل تأثراً "بسحر الشخصية وجاذبيتها".[16] ويدور النقاش حول الكاريزما حول من يصنع هذه الظاهرة؟ فهل هي السمات الشخصية للزعيم individual، أو للأتباع followers الذين لديهم منظومة معرفية وقيمية تتطابق مع الشخصية، أم هو الموقف situation الذي يتيح لسمات معينة أن تظهر من الشخصية؟ وتشير الدراسات الأكاديمية أن الأبعاد الثلاثة معاً تصنع ظاهرة الكاريزما، وهو ما يستوجب ربط تراجع الكاريزما بتراجع مكوناتها.[17]

وعلى الرغم من وجاهة نظرية البطولة التي وضعها توماس كارليل Thomas Carlyle والتي تميل لتفسير التاريخ على أساس الدور المركزي للفرد البطل، إلا أن العلاقة بين الظرف الموضوعي والفرد يشير إلى أن اتساع دائرة متطلبات الإنجاز السياسي أو العلمي أو الاقتصادي…إلخ أضحى بحاجة لأكثر من البطل لإنجاز المهمة، دون نفي الفروق الفردية بين البشر.[18]

5. تراجع سلطة التقاليد:

‌أ. جعلت العَوْلمة تفسير الظواهر في أمسّ الحاجة لمنظور يخرج عن إطار الفهم التقليدي الذي كان يؤطره السياسي للمجتمع، وأصبح التفسير يعتمد على تكامل معرفي، وهو ما قتل احتكار السياسي والآيديولوجي للتفسير، والمشكلة هنا تكمن في أن إيقاع التغيّر يسير في ثلاثة جوانب، بتسارع واضح، وهي: التكنولوجيا، والتغيّر المناخي، وأخيراً العولمة؛ لكن إيقاع تكيّف البنيات الاجتماعية والثقافية والسياسية أبطأ كثيراً من إيقاع التغيّر وهو ما يوجِد فجوة عميقة ومتزايدة لا تمنح السياسي ولا الآيديولوجيات الفرصة الكافية للتكيّف معها. ويكفي في هذا النطاق التأمل في النتائج على مستقبل مفهوم الأسرة إذا اتسع نطاق الاستنساخ human cloning على البشر (خصوصاً الأذكياء منهم)، أو اتسعت ظاهرة الرحم المستأجرة surrogacy والتي ستوجد اضطراباً في مفهوم الأنساب، بل وحتى في الروابط الوجدانية ومفهوم الأنساق الاجتماعية التقليدية، أو إذا بلغنا نقطة الإنسان نصف الآلي Cyborg.ا[19]

‌ب. إن الثورة الإعلامية جعلت المقارنات بين ما يشاهده القارئ أو المتفرج وبين ما يعيشه تقود تدريجياً إلى تنمية العقل النقدي خصوصاً في مجال السلوك السياسي والإدارة الحكومية، فعلى سبيل المثال، القدرة المتزايدة لوسائل الإعلام على "تزوير الواقع"، وهو مطابق للتعبير الذي اعتمده قاموس أكسفورد "post-truth political debate" يعني أن وسائل الإعلام الجديدة جعلت القدرة على تقديم المعلومات بطرق مختلفة يتم فيها توظيف المؤثرات الفنية المختلفة للوصول لدلالات حددتها الجهة الإعلامية (مثال: إخفاء صورة بن لادن وأبو بكر البغدادي لحظة السقوط… وإشهار صورة صدام لحظة الأسر…). وقد حددت التقارير الدولية أبرز ملامح التحديات التي تواجه النظم الديموقراطية في تسارع إيقاع التغيّر التكنولوجي والاقتصادي والكشف عن تداعيات هذا التغير، فمثلاً يكشف التغيّر في المنحنى اللوجيستي Logistic Curve في التكنولوجيا عن سوء توزيع الدخل في الـ 25 دولة صناعية، فخلال الفترة ما بعد الأزمة الاقتصادية سنة 2008 إلى الفترة الحالية، ارتفع نصيب 1% في الولايات المتحدة بـ 31% من الدخل المحلي مقابل أقل من 0.5% لـ 99% المتبقين، وهو ما يوجد أزمات اجتماعية وتشكيك بالنموذج الرأسمالي ومنظومته القيمية من خلال كشف الإعلام لهذه المعطيات.[20]

من زاوية أخرى، ستؤثر التكنولوجيا على جوانب عديدة لها صلة بالسلطة بشكل مباشر أو غير مباشر:[21]

1. نهاية الخصوصية: خلال السنوات الخمس القادمة سيكون هناك نحو 25 مليار جهاز يراقب أجهزة الأفراد وكل ما يتدفق منها من معلومات.

2. التنبؤ البوليسي predictive policing، أي قدرة الأجهزة الأمنية على التنبؤ بالجريمة قبل وقوعها.

3. الأتمتة automation: ستحل الآلة محل البشر بنسبة 35% في بريطانيا، و77% في الصين وحالياً هناك 6% من الوظائف تتأتمت (تأخذ شكلاً آلياً) في الولايات المتحدة كل عشرة أعوام.

ثانياً: تداعيات الاتجاهات الأعظم:

تركت الاتجاهات التي أشرنا لها سلسلة من التداعيات في عدد من الظواهر على النحو التالي:

1. السلطة السياسية:

تزايد التوجّه في أغلب دول العالم نحو المظاهر التالية:

أ. فكرة انتخاب الحاكم: ولعل انتخاب الحاكم تمثل حراكاً تدريجياً نحو عدم قبول الحاكم المطلق والأبدي، بل إن القبول الشكلي بهذا الإجراء (كما هو في العالم العربي)، هو خطوة تمت بحكم ضغط الاتجاهات الأعظم وستواصل ضغطها، وثمة بُعد آخر تكشفه هذه المسألة وهو أنه منذ 1950 إلى 2020 هناك 76 ملكاً تمت إزاحتهم عن السلطة في العالم.[22]

ب. الميل نحو تقليص فترة الحاكم، وتكاد فترات الرئيس للحكم في أغلب دول العالم تنحصر في 5 أعوام، وهناك دول قليلة تعطيه فترة حكم أقل أو أكثر قليلاً، كما أن أغلب دول العالم أصبحت تحدد عدد مرات السماح للشخص بتولي السلطة الرئاسية بمرتين.[23]

وتدل المؤشرات المتوفرة في هذا الجانب على ما يلي:[24]

‌أ. تحديد مدة الرئيس:

• أصبحت مدة الرئيس هي بين 4-5 أعوام في (103 دول)، مقابل 10 دول مدته 6 أعوام، و10 دول مدته 7 أعوام.

• عدد مرات تولي السلطة (نظرياً أو عملياً) هناك 103 دول حددتها بمرتين، ودولة واحدة مرة، و3 دول 3 مرات، وباقي الدول لم تحدد عدد المرات.

• هناك 45 دولة ليس منصوصاً على المدة أو عدد المرات term of office (الرئيس الصيني تمّ حذف عدد مرات التجديد له).

ولو أخذنا إفريقيا كمثال توضيحي سنجد أنه من 1990-1945 كان هناك 6 دول إفريقية فقط تحدد مدة الرئيس، ومع سنة 2010 أصبح العدد 49 دولة (من 54 دولة إفريقية) تحدد المدة بدورتين، بينما دولة سيشل تحددها بـ 3 مرات.

‌ب. تزايد عدد الجهات التي تشارك في السلطة مما يقلص من مساحة دور الرئيس، بل واتساع قاعدة المشاركين نظراً للتعقيد والتشابك المتزايد بين الميادين المختلفة، وهو ما يعقّد القدرة على فهم الظواهر المختلفة، مما يجعل الرئيس بحاجة إلى عدد كبير من الخبراء، وهو ما يعني أن مساحة صنع القرار تتسع على حساب مرحلة اتخاذ القرار، فأغلب البدائل للقرار يضعها التكنوقراط، بينما الرئيس يختار من بين هذه البدائل، أي أن التكنوقراطي هو صانع البيئة المحلية لاتخاذ القرار.

‌ج. تراخي سطوة الإعلام الرسمي لصالح قطاع إعلام جديد أفرزته الثورة المعلوماتية والإنترنت، وهو ما أطلق رصاصة الرحمة على الصورة المهيبة للزعيم، أو سلطة شيخ القبيلة، أو المعلم، أو الطقوس الاجتماعية بكافة أشكالها…إلخ، بل إن هذه الوسائل الجديدة حطمت الصورة المهيبة للزعيم، ويكفي الإشارة إلى عرض صور خلع القذافي، وصدام، وحسني مبارك، ونيكولا تشاوتشيسكو Nicolae Ceausescu، وإيفو موراليس Evo Morales…إلخ.

2. السلطة الاجتماعية:

لنبدأ بسلطة اللغة، يبدو أن العناية بقواعد اللغة تميل لتكون أقل أهمية من دلالات المصطلح (يخبرنا علماء الدراسات المستقبلية أن 55% من اللغة الإنجليزية الحالية لا يفهمها شكسبير نهائياً)،[25] ولعل الالتزام بقواعد اللغة لم يعد له تلك السطوة، بل إن القارئ لم يعد معنياً كثيراً بقواعد اللغة، فيكفيه أن تصله الفكرة المطروحة، وهو ما نلاحظه تماماً في اللغة العربية كمثال، بل هناك تمرد على بحور الشعر وعلى القافية…إلخ. وهو أمر نجده في اللغة الإنجليزية وغيرها، وكل ذلك ينطوي على قدر من التمرد على سلطة اللغة.[26]

وفي مجال العادات والتقاليد التي تتكون من سلسلة من قواعد السلطة العرفية الآمرة، تشير دراسة أكاديمية أصدرتها جامعة ستانفورد الأمريكية[27] للعلاقة بين تطورات "موضة الأزياء" وبين البنية والقيم السياسية، وترصد هذه الدراسة في مراحل تاريخية ومعاصرة مختلفة دلالات العلاقة، ليس فقط الطبقية بل وبنية النظم السياسية، وتتساءل الدراسة لماذا تتزايد حالياً أنماط الملابس الأقل "خضوعاً" لأوامر السلطة الاجتماعية؛ (انظر البنطال الممزق عند السيقان، أو تحول بعض القمصان للوحات إعلان على الصدر والبطن)، فالأمر ليس "عملاً لا أخلاقياً كما يراه الكثيرون" بل هو "لا وعي جمعي يتمرد بصمت وبقرار فردي" على قواعد السلوك، ولعل فكرة الموضة هي في جوهرها تمرد على "قواعد لباس آمرة".
ما سبق يوصل إلى نتيجتين هما:

‌أ. أن القيم السياسية (الحرية، أو المساواة، أو العدالة) لا تتبدى فقط في السلوك الانتخابي، أو المظاهرات، أو العنف السياسي بل لا بدّ من قراءة ما وراء التحولات في المعمار، والأزياء، والفنون، والآداب…إلخ، للاستدلال على التوجهات السياسية المستقبلية.

‌ب. إعادة تركيب التراتبية الاجتماعية hierarchies في القبيلة، أو النوع الاجتماعي Gender، أو القبيلة، أو اللون، أو الدين، أو اللغة…إلخ. وستشكل إعادة تركيب التراتبية الاجتماعية تداعيات ستقود لإضعاف مركز السياسي التقليدي.

3. السلطة الاقتصادية:

لو تساءلنا عن تأثير تعدد أشكال السلعة التي تخدم غرضاً واحداً على مفهوم "السلطة الضمنية"، فأقلام الرصاص، أو أقلام البيك Bic، أو أقلام الحبر السائل تراجعت لصالح أشكال لا حصر لها في ألوانها وأشكالها بل وطرق استخدامها… وقد يكون القلم في طريقه للانقراض مع تزايد استخدام الكومبيوتر، فعدد مرات استخدام القلم أصبحت أقل، ويمكن تطبيق ما ذكرناه عن القلم على كل السلع والأسواق والعملات والترابط بين الاقتصاد المحلي والاقتصاد المُعَوْلم، فهل الشركة الأمريكية في الصين هي من الاقتصاد الأمريكي أم من الاقتصاد الصيني؟ فجنرال موتورز General Motors (GM) غيّرت شعارها "ما هو جيد لأمريكا جيد لجنرال موتورز What is good for America is good for GM" إلى "ما هو جيد لأمريكا ليس بالضرورة جيد لجنرال موتورز What is good for America isn’t necessarily good for GM".

ثالثاً: خلاصة الموقف من السلطة:

أَعلمُ أن قضية السلطة بمعناها السياسي والاجتماعي والاقتصادي تثير الكثير من الملاحظات، وهو أمر يستدعي النظر للموضوع من زاويتين هما:

1. الاتجاهات التاريخية وليس الآنية، أي تحليل الظواهر من خلال الاتجاه الأعظم وربط الأحداث والاتجاهات الفرعية بذلك.

2. التنبه لنسبة التزايد في التماثل بين المجتمعات في نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية مما يجعل التباينات التاريخية التي بنت عليها السلطة – بأشكالها المختلفة – سطوتها تتغير، مما يفسح المجال لسلطة جديدة أقل هيمنة من ناحية، وأكثر تشاركية وأقل ارتباطاً بالجغرافيا أو بالبيئة الاجتماعية المباشرة من ناحية أخرى، وهو ما يبدو أن أنظمتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية لا تدركه بالقدر الكافي.

فلنتحلل من أسر اللحظة وننظر في الاتجاهات التاريخية لندرك التمرد الصامت الذي سيتحول لتمرد معلن لاحقاً، ولا يجوز الفصل بين التمردات السياسية، والتمردات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية، وبين العولمة بجوهرها العلمي والعلماني، نتيجة التشابك الهائل بين البنيات المختلفة لكل المجتمعات ببعضها البعض. وعليه، فإن اللا وعي المتواري في أوصال البنيات الاجتماعية والسياسية هو المحرك الذي لا بدّ للدراسات المستقبلية أن تضعه في صلب رصدها للاتجاهات، لا الانشغال بالأحداث الآنية أو الاتجاهات الفرعية فقط.

معلوم أن الدراسة المستقبلية معنية بالتغير change، وعليه تصبح مكانة السلطة مرتبطة بالتغيّر وتأثيره على القواعد الآمرة، والنفوذ، وعلى تغيّر أهمية الكرسي أو من يشغل الكرسي، أو على مدى مواءمة المعرفة القائمة مع الواقع المعاش، وهذا يعني ضرورة دراسة أسس السلطة التي حددها ماكس فيبر Max Weber في:

1. التقاليد: وهذه تعتمد على قوة المؤسسات الاجتماعية الحامية لمنظومة القيم التقليدية.[28]

2. الكاريزما: وهي تعتمد على مواصفات الشخصية (مثل أغلب النظم الثورية).

3. الشرعية العقلانية rational legality: وتقوم على الطاعة للقواعد لكل من يشغل المنصب (النظم البيروقراطية).

ويبدو أن المصدر الأول والثاني يضعفان لصالح المصدر الثالث في الوقت الحالي، وهو ما يطرح تساؤلاً حول أسباب ذلك، وهنا يتم الإشارة لعدد من المؤشرات:[29]

1. إشكالية إحلال سلطة الخبير محل سلطة المنتخب (ولكل شرعيته).

2. العولمة (السوق، والثقافة، وآليات اختيار السلطة،…إلخ) أضعفت التقاليد المحلية.

3. أدت العولمة إلى اتساع قاعدة النخب، كما أن الإبداع العلمي أضعف حظوظ الكاريزما… .

4. تراجع مكانة الدولة القومية، فالنهش للدولة يتم من أعلى (عبر تفويض الدولة لبعض اختصاصاتها للمنظمات الدولية وللشركات متعددة الجنسيات والمنظمات غير الحكومية…إلخ)، ومن أسفل (الأقليات، والثقافات الفرعية، والهجرات، وتنظيمات العنف، والمجتمع المحلي…إلخ)، فالدولة التقليدية تتخلى عن وظائفها التقليدية، وأصبحت الدولة "أكبر من المشكلات الصغرى ولكنها أصغر من المشكلات الكبرى"،[30] وهو ما يفسر عمق الاضطرابات الداخلية وتشقق جدران الدولة القومية، وإلا كيف نفسر أنه من 1989 إلى الآن 5% من الحروب هي حروب دولية، والباقي حروب داخلية في الدولة القومية[31] وأسفرت عن مقتل 9 ملايين نسمة و65 مليون لاجئ.[32] إن تراجع عدد الحروب الدولية بشكل خطي لصالح تزايد الحروب الأهلية يشير إلى اتساع قاعدة اللعبة غير الصفرية في العلاقات الدولية، وتنامي الروابط العضوية على حساب الروابط الآلية كما وصفها إميل دوركهايم Emile Durkheim في نظريته المعروفة عن تقسيم العمل.

5. تراجع الثقة في الحكومات، فقد دلَّ باروميتر إيدلمان للثقة Edelman Trust Barometer على أن دراسة عينات من الدول الصناعية والمتخلفة في مختلف القارات تشير إلى الاتجاه المتمثل في التراجع المتواصل في ثقة الشعوب في الحكومات، ومؤسسات الأعمال والمنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام.[33]

وتدل دراسة حول مستويات الثقة في الحكومات في الفترة بين 2000-1981 على تراجع عام ولكن بنسب مختلفة في مختلف أقاليم العالم على النحو التالي:[34]

1. أمريكا اللاتينية: 26%.

2. أوروبا الشرقية وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة: 29%.

3. أوروبا الغربية 4%.

رابعاً: الشكل المستقبلي للسلطة:[35]

عند بناء مصفوفة التأثير المتبادل بين هذه المعطيات وتفاعلاتها تبرز لنا سيناريوهات أشكال السلطة السياسية القادمة من خلال تفاعل ثلاثة أطراف هي:

جدول رقم 2: مصفوفة التأثير المتبادل لمكونات المجتمع السياسي (راجع الجدول على موقعنا)

وبناء على المصفوفة يسير بناء السلطة "مستقبلاً" باتجاه أحد النماذج التالية:

1. الديموقراطية الذاتية:

وتتسم بشكل مركزي بلا مركزية السلطة وجماعات communities تنظم نفسها ذاتياً، ومحركات التوجه لمثل هذا السيناريو هي:

‌أ. اتساع الفجوة الاجتماعية.

‌ب. تراخي قبضة السلطة.

‌ج. محدودية الخدمات العامة.

وسيؤدي هذا إلى:

‌أ. استشعار القوَّة لدى المواطنين، فيقوموا هم أنفسهم بإدارة المرافق العامة.

‌ب. ستعمل وسائل التواصل الإلكتروني على تعميم الأفكار الناجعة بشكل سريع.

‌ج. قوة إسهام المواطنين في الشأن السياسي على المستوى المحلي، وترك ما تبقى وبشكل غير مباشر للسلطات المركزية وللشركات الكبرى.

أما محركات النموذج:

‌أ. اتساع الفجوة الاجتماعية.

‌ب. تآكل الإمكانيات المالية للدولة.

‌ج. تنامي دور المنصات الرقمية digital platforms.

‌د. اللا مركزية وتناقص حجم الجهاز الإداري.

2. حكم الخوارزميات الخاصة Private Algocracy:

والذي يعني الاستعاضة عن القواعد البيروقراطية، والإدارة والمراقبة بشبكة الكومبيوتر عبر مجموعة من الخطوات الرياضية والمنطقية والمتسلسلة اللازمة لحل مشكلة ما، وتدير هذه العملية شركات تقتني بيانات ومعلومات من مصادر قومية مختلفة، وهي التي تدير العمليات في اتخاذ القرار الخاص بالأفراد والحكومات.

أما عمل هذا النموذج فهو:

‌أ. يتم جمع البيانات عن كل الأطراف من خلال شركات رقمية عملاقة.

‌ب. يقوم بمراقبة ذلك شركات مراقبة كبرى، ولا يطلب منها الكشف عن معلوماتها أو مصادرها.

‌ج. تحليل المصالح السياسية للفرد وتحديدها من خلال بياناته (الانتخاب الذكي).

أما محركات النموذج فهي:

‌أ. تعاضد الشركات الرقمية العملاقة مع بعضها إلى حدّ السيطرة بشكل كبير.

‌ب. التكامل المعلوماتي والبيانات لكل شيء.

‌ج. توسيع بيئة النشاطات الاقتصادية للشركات الرقمية العملاقة لتشمل الخدمات العامة.

‌د. تقليص الديموقراطية في الحياة العامة.

‌‌هـ. إحلال المنتدى الاقتصادي العالمي World Economic Forum بدلاً من الأمم المتحدة United Nations.

3. الحكومة التعاونية Collaborative Government:

وتتم هذه من خلال:

‌أ. توسيع دائرة الذكاء الصناعي artificial intelligence لتحليل البيانات في زمن محدد.

‌ب. تشجيع الحكومات المنفتحة والخلاقة.

‌ج. تعزيز حماية البيانات وخصوصيتها.

‌د. زيادة تقييم الأعمال غير المأجورة.

‌‌هـ. زيادة انخراط المواطنين في عملية اتخاذ القرار الحكومي.

4. الحكومات مفرطة التنظيم Over-Regulatocracy:

وتتسم بشكل أساسي بالإفراط والتعقيد في نظمها التي تعمل من خلالها، ويتم تأميم المنصات الرقمية وتوضع تحت إشراف حكومة ديموقراطية، وتتوفر الخدمات لكن الحصول عليها يمر بتعقيدات كبيرة، وهو ما ينتهي عند فقدان الجزء الأكبر من الثقة في الحكومة.

أما محركاتها فهي:

‌أ. ارتفاع حدة النقد للشركات الرقمية العالمية.

‌ب. تزايد استخدام الذكاء الصناعي في اتخاذ القرار.

‌ج. زيادة الحاجة لسياسات الحماية الاجتماعية لمواجهة التحديات الاجتماعية المتنامية.

‌د. تقود الحاجة لتبرير الإنفاق العام والمساءلة إلى زيادة العراقيل البيروقراطية.

الخلاصة:

1. تراجع متسارع لمكانة السلطة المبنية على التقاليد والكاريزما والآيديولوجيا بنسب متفاوتة.

2. تحول السلطة من حاكم ruler إلى مُيَسِّر facilitator.

3. اتساع قاعدة صناع القرار على حساب تآكل سلطة متخذ القرار.

4. تراجع دور السلطة البيروقراطية لصالح الشركات الرقمية العملاقة.

5. تزايد التشابه في النظم السياسية.

6. اتساع قاعدة الروابط العضوية على حساب الروابط الآلية.