تعدّ إدارة المخاطر واحدة من أهمّ أساسيات دعم استمرارية الأعمال واستراتيجيات النمو على المدى الطويل للشركات والأعمال، ولذا أصبحت عادة مستمرة خاصة خلال الآونة الأخيرة، والتي برزت فيها الأعمال التي كانت تقوم بعملية إدارة المخاطر وتتحوط بشكل استباقي، فاستطاعت أن تنجو خلال جائحة كورونا التي خلقت مخاطر جديدة وعززت مخاطر كانت قد نشأت قبلها وازدادت إلحاحاً، واستطاعت هذه الأعمال أن تستمرّ بخدمة عملائها وتحافظ على سلامة موظفيها رغم الجائحة غير المتوقعة والتي تجاوزت الحدود وتسببت بالإغلاقات التي أثّرت على سلاسل الإمداد وهددت استمرارية الأعمال جميعها، وامتلكت هذه الأعمال السبّاقة المرونة لتتكيف مع التغييرات المستمرة وتزدهر رغم حساسية البيئة وأسواق العمل.
ولم تتمكن هذه المخاطر من التغلّب على التفاؤل القوي بعودة الأعمال لمجراها، فمن الملاحظ أن الأعمال اليوم تركز على النمو طويل المدى وبالتالي المخاطر طويلة المدى والتي ينبغي وضعها في الاعتبار عند وضع الاستراتيجيات الجديدة لضمان التعافي والنمو، وقد أولت الأعمال اليوم في الأردن الأهمية للمخاطر الأبرز والتي تعدّ عائقاً في وجه نموها، وهي: مخاطر التكنولوجيا المتغيّرة، ومخاطر الأمن السيبراني ومخاطر التغير المناخي والمخاطر المتعلقة بالضريبة. في حين برزت عالمياً المزيد من المخاطر التي أولتها الأعمال تركيزاً كبيراً، مثل مخاطر سلاسل التوريد، ورغم أن مخاطر سلاسل التوريد لم تكن الأبرز في الأردن، إلّا أنّ 80% مـن الرؤسـاء التنفيذييـن في الأردن أجمعوا على أن سلاسل التوريـد الخاصـة بهـم تتعـرض لضغـوط متزايـدة إثر الجائحة.
وإذا ما بدأنا الحديث عن التكنولوجيا، فهي سلاح ذو حدين، خاصة عندما يتعلّق الأمر بالتحول الرقمي الشامل أو بالتكنولوجيا المتغيرة، وهي التكنولوجيا الجديدة التي تغيّر وتؤثر بأساليب ونماذج العمل بشكل كبير، مما قد يسبب الاضطراب للأعمال داخل الشركة وخارجها. وترى الأعمال التكنولوجيا المغيرة كأبرز المخاطر، إذ تخلق التطورات المتسارعة للتكنولوجيا نقاط ضعف مختلفة محتملة لدى الأعمال، فبعض التطبيقات والأدوات ما زالت جديدة ولم تجرب بعد بما فيه الكفاية، والتسريع في تبني بعضها الآخر سيعرّض الأنظمة القديمة ونماذج العمل التي كانت موجودة منذ سنوات للانتهاء ولتصبح غير صالحة بشكل مفاجئ.
لكننا نعلم أنّ المخاطر تولّد الفرص، ولذا استفادت الشركات التي استثمرت وتحملت مخاطر التكنولوجيا المتغيّرة من القيمة المضافة والمنفعة التي خلقتها خاصة خلال الجائحة، واستطاعت خدمة عملائها وتلبية توقعاتهم المتغيرة باستمرار، والحفاظ على المرونة في مواجهة الظروف المختلفة.
ومن اللافت أن 72% من الرؤساء التنفيذيين في الأردن ينظرون للتكنولوجيا المتغيرة بصفتها فرصة أكثر من كونها تهديداً، وهذا ما يشجع على الاستثمار فيها وإعادة تخصيص النفقات الرأسمالية، والتوجه نحو التمكين الرقمي والذي يعد من مقومات النجاح الأساسية، عبر تطوير مهارات الموظفين والأفراد العاملين وتدريبهم وتمكينهم لاستخدام التكنولوجيا بالشكل الأفضل، وليس نحو التكنولوجيا المتقدمة فقط.
ومن جانب آخر، يجب ألّا نتجاهل مخاطر الهجمات السيبرانية والتي أصبحت جميع الشركات عرضة لها اليوم، خاصة عندما اعتمدت على القيام ببعض عملياتها أو جميعها عن بعد. ويكمن الحلّ بوضع استراتيجية للأمن السيبراني بشكل يتوافق مع استراتيجية الشركة ويغطي بنيتها ويضمن حماية أنظمتها وبياناتها بأنسب الطرق، خاصة فيما يتعلّق ببيانات العملاء. وإضافة إلى الدور الذي ستلعبه ممارسات الأمن السيبراني في حماية الشركة ورد الهجمات السيبرانية، فإنها ستساعد على ازدهار النظم الرقمية، وتعزيز ثقة العملاء والشركاء.
وقد أظهر البحث أنّ الرؤساء التنفيذيين في الأردن يدركون أهمية الأمن السيبراني وضرورة تضمينه في الشراكات المختلفة، إلّا أن 40% منهم فقط يرى بأن شركته مستعدة لصدّ الهجمات السيبرانية، ويدلّ هذا على مؤشر خطير لا بدّ من الالتفات إليه، وإلى ضرورة إقامة خطط للدفاع السيبراني على مستوى الشركات والمنظمات، بالإضافة للاستثمار في تطوير البنية التحتية والحوسبة السحابية، وأخيراً وليس آخراً، تضمين مبادئ الأمن السيبراني في تصميم الأنظمة والخدمات المستقبلية.
في ظلّ عالمٍ مليء بالتغيرات المتسارعة والكثير من الأحداث غير المتوقعة، أوجّه رسالتي لقطاع الأعمال، إذ لا بدّ أن يتحضروا لكل الاحتمالات والأحداث الممكنة عبر وضع إدارة المخاطر في أولوياتهم، وأن يركّزوا على النهج المرن والسريع والرشيق (agility) لمواجهة الأحداث غير المتوقعة أيضاً، فقد كانت الجائحة خير درس لنتعلم منه أنّ التحضر بشكل استباقي للمخاطر يساهم بالنجاة منها والاستمرار والنمو.
وفيما تحدثت في هذا المقال عن المخاطر المتعلقة بالتكنولوجيا والأمن السيبراني، سأتناول المخاطر الأخرى مثل المخاطر المتعلقة بالضريبة ومخاطر التغير المناخي في مقالتي القادمة بإذن الله. وربما تسبب المخاطر المختلفة والمتزايدة القلق للبعض، نظراً لأن الوضع غير المستقرّ قد أصبح الحالة المعتادة اليوم، إلّا أنّ هذا لا يثبط من عزمنا أو يغير من واقع الأعمال شيئاً، فالنجاح والنمو والازدهار والتطور ممكن بإذن الله، بامتلاك الأساليب الصحيحة والفكر المرن الرشيق والسريع.
إن مسؤولية بناء مستقبل أكثر قوة وأماناً تقع على عاتقنا جميعاً.