الشريط الإعلامي

عن مُفاوضات «الضمانات الأَمنِيّة» الروسِية/الأميركية.. اليوم

آخر تحديث: 2022-01-10، 10:00 am
محمد خروب
اخبار البلد - 
 

على وقعِ تراشقٍ حادّ وغير مسبوق في مفرداته بين الولايات المتّحدة وروسيا، إن لجهة «النبش» في التاريخ الاستعماري الأميركي, أم خصوصاً في المصطلحات التي استخدمتها ناطقة الخارجية الروسية ماريا زاخاؤوفا, التي وصفت تصريحات توني بلينكن حول نشر روسيا قوات حفظ سلام في كازاخستان بأنّها «ثرثرة طفولية وهراء", وأنّه ناجم عن اليأس وانعدام الأدلّة.. ما استدعى رداً مُسانداً لبلينكن من البيت الأبيض الذي قال: إنّ «تصريحات بلينكن تعكس الموقف الأميركي من المحادثات»..

نقول: على وقع هذا الاشتباك الذي يستبطن اتّساع الهوّة بين البلدين، خاصّة بعد «المفاجأة» الروسية في كازاخستان, والتي ذكّرت العواصم الغربية وأولها واشنطن بسيناريو الانخراط الروسي في الأزمة السورية/ 30 أيلول 2015، ما أفشل ربما الاستثمار الأميركي في الاضطرابات الكازاخية, التي باتت مكشوفة خاصّة بعد افتضاح المخطط الإرهابي الذي أراد استنساخ التجربة الأفغانية في المحيط الجيوسياسي الروسي، ولكن هذه المرّة من «الجغرافية» المُحاذية للصين بعد الهزيمة المذلة للولايات المتّحدة في أفغانستان.

حوار اليوم الذي يلتئم في جينيف بين موسكو وواشنطن, حول تفاصيل «الضمانات الأمنِية» التي طالبت بها روسيا أميركا وحلف الناتو وسبقت الجميع بإعلان نصوصها على الملأ، سيكون تحت وطأة الاشتباك مُتعدد الساحات والأطراف بين المعسكر الغربي (أميركا/والناتو) مع روسيا التي أعلن رئيسها انّه في حال أخفقَ الغرب في تقديم هذه الضمانات, فإنّه (بوتين) سيتشاور مع العسكريين الروس. ما استبطن إشارة إلى إقفال باب الدبلوماسية والمضيّ قدماً في إيجاد ردّ عسكري، ليس بالضرورة حرباً أو تدخلاً مباشراً في الصراع بين كييف وجمهوريتي الدونباس، بل ربما وهذا هو الأكثر ترجيحاً, العمل على نشر منظومات صاروخية متوسطة وبعيدة المدى تحمل رؤوساً نووية على حدودها مع دول الناتو, وخصوصاً نحو الدول التي نشرت واشنطن صواريخها المشابهة على أراضيها مثل بولندا ورومانيا وربما أوكرانيا (كما سرّبت أوساط روسية)..

جدول أعمال محادثات اليوم (والتي هي أولى سلسلة اجتماعات بين واشنطن وموسكو تليها بعد غد (12/9) محادثات مع حلف الناتو, وثالثة في اليوم التالي بين موسكو ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، سيكون/جدول الأعمال بتركيز روسي على الضمانات الأمنية, وبخاصّة مسألة عدم توسّع الناتو في أوكرانيا وجورجيا, بما يعني «إلغاء» نتائج قمّة بوخارست عام 2008, التي فتحت الباب أمام عضوية «أي» دولة من دول أوروبا الشرقية وبخاصّة الجمهوريات السوفاتية السابقة لنيل بطاقة الناتو. وهو أمر يتوقّع كثيرون أن ترفضه واشنطن (كما حلف الناتو)، وإن كانتا واشنطن/وبروكسل كمقر للناتو لا تُمانعان تقديم بعض التنازلات مثل مسألة نشر الصواريخ أو تقليل حجم المناورات. عرض كهذا لن يُرضي الكرملين بالتأكيد لأنّ الرئيس بوتين أعلن أكثر من مرة وفي شكل لا يقبل التأويل، أنّ انضمام أوكرانيا كما جورجيا «خطّ أحمر لا يمكن لبلاده أن تسمح لأحد بتجاوزه", تحت طائلة اتّخاذ خطوات «عسكرية» ردعية معاكسة.

هي إذاً مفاوضات صعبة وقاسية قد يكون فشلها أكثر ترجيحاً, من احتمال نجاحها في التوصّل إلى حلٍّ وسط, لأنّ روسيا التي تنظر بعين الشكّ وانعدام الثقة المطلقة بإدارة بايدن خصوصاً, تعيش هاجساً أمنياً مُقلقاً للغاية، خاصّة حال انضمام جورجيا وأوكرانيا إلى حلف الأطلسي، ما يُحوّل البحر الأسود إلى بحيرة أطلسية بالكامل، الأمر الذي لا يجعل مسألة ضرب موسكو بصواريخ متوسطة المدى لا يحتاج سوى 5-7 دقائق, كما قال بوتين في مؤتمره الصحافي الكبير نهاية العام الماضي، بل وأيضاً تسهيل تسلّلها المُتدحرج نحو جمهوريات آسيا الوسطى, بدعم وتخطيط مشترك مع تركيا أردوغان، حيث يطمع الأخير إلى بسط نفوذه إلى العالم التركي أو العالم الأزرق كما يسميه، بعد أن استبدل تجمّع الدول الناطقة أو ذات الأصول التركية إلى منظمة التعاون التركية التي منها كازاخستان، حيث «أحبط» بوتين هذه الخطة بعد إرساله قوات حفظ السلام وفق معاهدة الأمن الجماعي التي تضمّ خمس دول إضافة إلى روسيا.

وإذ أعلن بايدن كما أكثر من مسؤول أميركي, بأنّ واشنطن لن تتدخّل عسكرياً إذا ما اجتاحت روسيا أوكرانيا بل ستفرض عقوبات صارمة عليها، فإنّ قلقاً غربياً آخذاً بالتصاعد من أنّ عقوبات كهذه حتّى لو استهدفت القطاعين الروسيَّين المدني/والعسكري وقدرات روسيا التكنولوجية, فإنّها ستنعكس سلباً على الاقتصاديْن الاوروبي/والأميركي، إضافة إلى تداعياتها على الاقتصاد العالمي على ما قالت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

في المجمل.. ستؤشر نتائج مفاوضات اليوم الروسية/الأميركية على المدى الذي قد يرتفع فيه أو ينخفض, منسوب الحرب الباردة الجديدة الأميركية/الروسية والتي تشارك فيها الصين كما الاتحاد الأوروبي وإن بطرق ومقاربات مختلفة، إلّا أنّها ستعكس ضمن أمور أخرى طبيعة التحالفات والاصطفافات المُتوقّعة, في ظلّ مشهد دولي محتقن ومفتوح الاحتمالات.

... فلننتظر ما ستحمله الساعات القليلة المُقبلة.