نفث الشاب الثلاثيني رضا صلاح الدين دخان سيجارته كأنه يخرج هما ثقيلا، ثم ابتسم -بمرارة- قائلا "كان زملائي بالجامعة وأصدقائي يحسدونني لكوني لن أتعب في البحث عن شقة نظرا لبناء أبي شقتين لي ولشقيقي الأصغر في بيت العائلة نفسه".
صدمةالمشاكل الدائمة
لكن الصدمة الحقيقية -يقول صلاح الدين للجزيرة نت- كانت في رفض عائلات أربع فتيات تقدم للزواج منهن، بسبب رفضهم القاطع لتزويج بناتهم في بيت عائلة يعيش فيه أكثر من شخص، معللين ذلك بأن مثل هذه الزيجات لا يأتي من ورائها سوى المشاكل الدائمة.
"بل إن والد إحدى الفتيات قال لي إنه على استعداد للموافقة على أن أتزوج ابنته في شقة بالإيجار حتى ييسر الله الحال وأشتري شقة خارج المنزل، وراقت لي الفكرة لكني وجدت نفسي سأدفع نصف راتبي على الأقل كإيجار لشقة صغيرة، فراجعت نفسي ولم أعد إليه مرة أخرى"، يقول صلاح الدين.
فما الذي يدفع الأسر لهذا الرفض، ولِمَ انتشرت مقولة "زواج بيت العيلة خراب ونيلة"؟
| مشاجرات بيت العائلة انتهت بحكم أم الزوج بتطليق زوجتيْ ولديها اللذين انصاعا للأمر في النهاية(بيكسابي) |
طلاق إجباري
نهى ثلاثينية تزوجت من حمدي الذي يكبرها بعامين فقط في بيت عائلته المكون من أربعة طوابق، والدته وأختاه يعشن بالطابق الأول، وأخواه متزوجان يعيشان بالطابقين الثاني والثالث، وبنوا طابقا رابعا لتعيش هي وزوجها فيه.
تقول نهى وافق أهلي على الزواج عندما رأوا الشقة تحتل طابقا كاملا وتبلغ مساحتها فوق المئة وسبعين مترا أي شقة كبيرة، وبالفعل تم الزواج خلال شهور.
لكن لم أتم شهر زواجي الأول -تقول نهى للجزيرة نت- حتى بدأت أرى المشاجرات على أتفه الأسباب بين زوجات إخوة زوجي، وتلك تجري إلى حماتها تشكوها وأخرى تشكو إلى زوجها ويتخاصم أطراف هذه المشاجرات لأسباب تافهة ربما لشهور.
وشيئا فشيئا دخلت هي في هذه المعمعة بعدما أنجبت طفلتها الأولى، حيث أثارت طفلتها الغيرة في قلب زوجتي شقيقي زوجهااللتين اتهمتا الجدة بمحاباة طفلتها على أولادهن، ثم علمت أنهما يوغران صدر أم زوجها عليها، بكلامهما على طريقة لبسها ووقوفها المتكرر في الشرفة.
وتقول نهى للجزيرة نت، "كثر الكلام والمشاجرات مع الجميع بمرور الوقت لدرجة أن زوجي اشتبك مع أحد إخوته بعدما حذره من كثرة خوض زوجته بسيرتي كذبا، فدفع زوجي على الدرج حيث أصيب بجروح عميقة في ذراعيه وكتفه، فما كان منه إلا أن قذف أخاه بقطعة طوب إسمنتي وجدها أمامه فأصابت عينه إصابة تسببت بعاهة مستديمة، فحكمت أمهما بتطليقي وزوجة أخيه وانصاعا للأمر في النهاية".
انعدام الخصوصية
بينما شكت أحلام التي تعيش في بيت زوجها العائلي من حرمانها خصوصيتها، رغم أنها تعيش في شقة مستقلة عن البيت، لكن حماها وحماتها كثيرا ما يعلقان على ملابسها، رغم أنها محجبة وتلبس دائما ملابس محتشمة تماما، لكن التعليقات وصلت لدرجة اختيار لون الملابس الزاهية مثلا على حد قولها.
وتضيف أحلام للجزيرة نت أنها لا تستطيع الجلوس مع زوجها بمفردهما فوجبات الطعام الثلاث لا بد أن تكون في الطابق الأرضي حيث يقيم والداه وشقيقه، وهو ما يحرمها من الأكل على راحتها، إضافة إلى استعدادها -مع كل وجبة- إلى تغيير ملابسها المنزلية.
ووصل الأمر للتدخل في أدق الأمورالزوجية، فتارة حين تلاحظ أمه صفاء في علاقتهما تنصحه بالقول "خف من قعدتك مع مراتك شوية" (قلل من جلوسك مع زوجتك)، وتارة تلوم ابنها لأنهما خرجا للفسحة (للتنزه) يوم الإجازة، حسبما قالت أحلام.
| زوجة: لا أعيب على زوجي بره بوالدته ولكن هذه الأموال أولى أن ندخرها لتأمين مستقبل أولادنا(مواقع التواصل) |
للأم مثل الزوجة
أما هدى (25 عاما) فتقول إن حكايتها غريبة بعض الشيء، فإضافة لمشكلة الخصوصية هناك شيء غريب، وهي أن زوجها الذي يتقاضى راتبا جيدا يضطر إلى أن يشتري لوالدته التي تعيش في البيت نفسه المكون من طابقينالشيء نفسهالذي يشتريه لها.
وتستدرك هدى -في حوارها مع الجزيرة نت- لا أقصد طبعا المأكل والمشرب فهذا طبيعي، وأحب في زوجي هذه النقطة، لكني أتحدث عن أشياء مثل الأجهزة الكهربائية فحين اشترى لي شاشة تلفاز كبيرة، اشترى لوالدته مثلها، وحين شكوت من الغسالة الكهربائية التي بدأ يأكلها الصدأ اشترى اثنتين أخريين لي ولأمه رغم عدم حاجتها الملحة للتغيير.
لا أعيب عليه بره بوالدته ولكن هناك أشياء غير ضرورية وأكثر من اللازم يفعلها لإرضائها دون حاجة، هذه الأموال أولى أن ندخرها لتأمين مستقبل أولادنا، أو للأيام المقبلة التي لا نعرف ماذا تخبئ لنا، ويمثل ذلك سببا لخلافات كبيرة معزوجي تصل أحيانا لطلبي الطلاق، هكذا اختتمت هدى كلامها.
ثلاجة واحدة وغرفة فوق السطوح
وحكت زوجات أخريات عن أشياء مثل وجود ثلاجة واحدة في البيت الذي تعيش فيه، ما يحرمها من مجرد وضع قطعة شكولاتة مثلا لابنها حتى يأكلها في وقت لاحق، أو حين تصنع لزوجها طبق حلويات ربما لا ينتظر حتى يأكل منه.
إضافة لحكايات تشمل غيرة أخوات الزوج غير المتزوجات اللواتي يعشن معهما بالمنزل، وفرض الأم على الزوجة أن تصحو مبكرا لإعداد الطعام لحماها، وتنظيف المنزل وغير ذلك.
وجميع من تحدثنا إليهن سواء من لم يحتملن العيش ونجحن في الاستقلال بعيدا عن منزل العائلة، أو من نجحن بالتأقلم على الوضع صونا لحياتهن الزوجية، وحتى من طلقهن أزواجهن ينصحن الفتيات المقبلات على الزواج بالابتعاد عن الحياة في بيت العائلة حتى لو عاشت الزوجة في غرفة متواضعة "فوق السطوح" فهذا أفضل لها، بحسبهن.
تدخل الأهل
من ناحية أخرى، أكد محامي قضايا الأسرة هيثم نصر للجزيرة نت أن النسبة الكبرى من حالات الزوجات المقيمات قضايا الطلاق ونزاعاتها تكون بسبب تدخل الأهل في حياة الزوجين اللذين يقطنان ببيت العائلة، لما في ذلك من مشاكل كبيرة تنجم عن تدخلات الوالدين أو الإخوة في أدق خصوصيات الزوجين بما ينغص عليهما استمتاعهما بحياة خاصة.
غياب الحدود
ويرجع أستاذ علم الاجتماع بجامعة قناة السويس أحمد يحيى عبد الحميد كثرة تزايد مشاكل الزواج ببيت العائلة إلى غياب الحدود الواضحة للخصوصية بين الزوجين، وكذلك نتيجة لاختلاف الطباع والتنوع الثقافي وعدم وجود حوار.
وقال عبد الحميد –في تصريحات صحفية- تزايد المشاكل أيضا بسبب اختلاف نمط المعيشة الذي يختلف تمامًا عن النمط الذي يعيش فيه أهل الزوجة، مما يؤدي إلى عدم قدرتها أحيانًا على التأقلم مع البيئة الخاصة بأسرة الزوج من جهة، وعدم القدرة على التحاور والتعايش مع أفراد الأسرة من جهة أخرى، وخاصة أم الزوج أو أخواته.
كما قد يؤدي العيش في أسرة ممتدة إلى عدم تحمل كلا الزوجين للمسؤولية بشكل كامل نظرًا لكونهما جزءًا من نسق أسري كبير.
تغير أنماط
والأصل في الموضوع -حسب عبد الحميد- أننا نرتاح لما هو شائع، وما تعارفنا عليه، ففي وقت من الأوقات كانت الأسرة الممتدة هي النموذج الشائع وتعايش معها البشر على اختلاف توجهاتهم ومشاربهم، وتعايشوا مع المشاكل واستفادوا من الإيجابيات.
ولكن هذا النمط تغير وأصبح الشائع هو الأسرة المحدودة بميزاتها وعيوبها، وأصبحنا أكثر تقبلا لهذا النمط لأنه هو الشائع ولأن وسائل الإعلام بضغطها المستمر صنعت عندنا جميعًا توجها نفسيا ضد نمط الأسرة الممتدة.