بدأت صافرات الإنذار تدوي في كبرى مراكز صنع القرار في العواصم الكبرى، فالركود الاقتصادي في 2020 قادم لا محالة، الأمر الذي يؤكد أن النمو العالمي لا يزال هشا، ولم يتعاف بعد من آثار الدرس القاسي الذي كابده قبل أكثر من عشرة أعوام أثناء الأزمة المالية العالمية التي تفجرت في عام 2008
وبدأ شبح سيناريو الأزمة العالمية الكارثي يطل برأسه من جديد، بفعل عدة عوامل رئيسية، أبرزها اشتعال الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وهذا هو الخطر الأكبر على الاقتصاد العالمي، حيث لا يتوقع نزع فتيل النزاع التجاري بشكل نهائي قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وبعدها سيقرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدء حل النزاع بشكل نهائي بعد اطمئنانه على كرسي الرئاسة المتأرجح، والسبب الثاني هو تلك المشكلات المتوقع أن تواجه الاقتصاد البريطاني، خامس أكبر اقتصاد في العالم، جراء خروجه من الاتحاد الأوروبي، وهذا الأمر سيلقي بظلاله على أغنى قارات العالم
لكن تفاقم ديون العالم بشكل قياسي قد تكون نقطة الانهيار القادمة للاقتصاد العالمي، إذ بلغت هذا العام 255 تريليون دولار، أي أن نصيب كل فرد منها على كوكب الأرض يعادل حوالي 32 ألفا و500 دولار، واللافت هنا، أن أكبر اقتصاديان في العالم يستحوذان على نسبة مخيفة من تلك الديون، إذ يصلالدين الأمريكي إلى 23 تريليون دولار، بينما تلامس ديون الصين 40 تريليون دولار، أي أنهما يشكلان معاً 33.5% من إجمالي الدين العالمي
لو أخذنا الاقتصاد الأمريكي، وهو أكبر اقتصاد عالمي، كمثال على ما يمكن أن يحدث في العام الجديد وفقاً للمعطيات الراهنة، يمكننا أن نتوقع أنه سيكافح لتنفس الصعداء في ظل مخاطر الركود ، وستسعى إدارة البيت الأبيض للتوصل إلى اتفاق تجاري مع الصين، ولكن بثمن باهظ لبكين، مما يدعم حظوظ ترامب في الانتخابات المقبلة، في المقابل سيزداد توجّه الرئيس الجمهوري باتجاه التهدئة مع بكين كلما اقتربت الانتخابات، حيث يولي ترامب احتراماً كبيراً لشعوره الداخلي، ولا يستمع إلى أيّ سلطة معينة، ولذا سيصبح أكثر عنفاً مع تراجع معدلات شعبيته
ونتوقع فوز الديمقراطيين بالانتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2020 وانتهاء عصر ترامب بعد تضرر سمعته بشكل خطير بسبب قضية أوكرانيا، وبهزيمة ترامب في الانتخابات ستكون الأسهم الأمريكية على موعد مع حركة تصحيحية كبيرة حال اكتساح الديمقراطيين لانتخابات 2020، حيث يؤمن فوزهم بالرئاسة ومجلسي الكونجرس إلغاء التخفيضات الضريبية التي تمت الموافقة عليها في عام 2017، وإذا حدث ذلك، فستنخفض أرباح الشركات الأمريكية بنحو 12 % تقريبًا حال إلغاء التخفيض الضريبي بالكامل، وهذا بدوره قد يؤدي إلى حركة تصحيحية كبيرة في أسواق الولايات المتحدة
وستواجه الأسواق الأمريكية ثلاثة تحديات مرتبطة بتواريخ مهمة يجب على المستثمرين إدراكهاوهي، 3 مارس وهو يوم الانتخابات الأولية، و13 يوليو عندما يعلن الديمقراطيون رسمياً عن مرشحهملمنصب الرئاسة ونائب الرئيس، بالإضافة إلى يوم الانتخابات الرئاسية في 3 نوفمبر 2020
بالإضافة إلى ذلك، سيزداد ضعف الدولار الأمريكي مع توجه دول آسيا إلى إصدار عملة آسيوية احتياطية رقمية مدعومة ببنك الاستثمار الآسيوي للبنية التحتية، بالإضافة إلى توجه بعض الدول كروسيا والصين لاستبدال الدولار بالعملة المحلية كاليوان والروبل واليورو في مبادلاتها التجارية
وبطبيعة الحال، لن تكون الاقتصادات العربية والخليجية، بمنأى عن الركود المتوقع، نظراً لارتباطها الوثيق بالسوقين الأمريكي والصيني، وربط عملتها بالدولار الأمريكي، حيث تستثمر الصناديق السيادية العربية وبخاصة الخليجية فوائضها المالية في أسواق الأسهم العالمية، وسندات الخزانة الأمريكية، كما ستواجه تلك الدول احتمالية تراجع الطلب على المنتجات البتروكيماوية، وبالتالي ستهبط أرباح قطاعي النفط والبتروكيماويات، فضلاً عن أن استمرار المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط يهدد بتراجع صادرات النفط والمشتقات البترولية الأمر الذي سيلقي بظلاله على اقتصاديات الدول المنتجة
كاتب مصري متخصص في العلاقات الدولية والدبلوماسية