أخبار البلد - لا يخرج مسؤول حكوميّ من منصبه ، نتيجة تحمّله لمسؤوليّة إداريّة و أخلاقيّة ، أو باستقالةٍ من ذاته عن طيب خاطر، حتى لو بلغ الثمانين من عمره ، و بلغ معدّل السُّكَّرِ و الضّغط و ضعف الذاكرة لديه مستوياتٍ بالغة الخطورة ، أو وقعت كارثة في وزارته أو مؤسسته ، فإغراء الكرسي الحكومي ، ووهج السلطة في العالم الثالث يحمل معه طعماً لا يقاوَم، وسيلاً من الامتيازات مما يسيل له لعاب حتى بعض رجال المعارضة السياسية الذين لا يلبثوا أن يهرولوا بمجرّد الإشارة لهم بسبّابة السلطة ، لما قد يغنيهم عن الكدّ و التعب في كسب المال والجاه ، إلا أنه و في كثير من حلقات لعبة الكراسي الشّاغرة حول الدائرة المستديرة التي يتداورون فيها اللف والدوران و يجلسون عليها فواراً بمجرد انطلاق صافرة صاحب الصافرة ، يكون من المستوجب خروج مشاركين في اللعبة لإجلاس غيرهم بدلاً منهم بسبب عدم الرضى أو التّهويش الذي يطال أحدهم أو يطال مؤسسته أو وزارته ، و في البداية فإن المسؤول الخارج يركن إلى الراحة مع بعض العتب على اللاعبين الذين ضحوا بمقعده و يتجمّل بالصبر انتظارا لدعوته مرة أخرى للدخول إلى اللعبة من جديد ، ولكنّه إذا طال الانتظار انقلب من عاتبٍ إلى حانق على رفاقه الذين جلسوا على المقاعد بدونه ، و من باب الإنصاف فإنه قد يتحدث عن السّوءات و السّلبيّات الموجودة و التي كانت غائبة عن ناظريه أيام الجلوس على كرسي السلطة ،و لكنّه في أغلب الأحيان ينقلب إلى معارضٍ ساخط يبدأ بالمشاكسة الدائمة من باب (يا لعّيب يا خرّيب)، و يشرع بتوظيف إبداعه فقط في رصد السّلبيّات و نشر الشائعات في بعض الأحيان ، و الإشارة إلى النّصف الفارغ من الكأس، و قد يملك البعض هذا الحقّ إذا تربّع بعد تقاعده على مؤسّسة أو مركز أو جمعيّة للدّراسات و بنى آراءَهُ و نقْدَهُ الهادف على هذه الدّراسات و الإحصائيّات و طلب تطبيقها ، كما يلجأ بعض زعماء العالم المتحضّر الذين يغادرون مناصبهم في وقت محدد سلفاً - و ليس خَبْطَ عشواء - بالانصراف إلى برامجهم المُعَدّةِ سلفاً، فإما أن يتفرّغ للبحث والدّراسة أو ممارسة مهنته التّقنيّة - التّخصّصيّة - الأصليّة ، أو كتابة مذكّراته أو الخلود للرّاحة في مزرعةٍ للكرمة أو الفول السودانيّ و كتابة مذكّراته و حصيلة تجربته كما يفعل الآن كثير من المسؤولين الأوروبيين و الأمريكيين ،ما دام المسؤول على كرسيّ السّلطة ، فصورة الوطن في مخيّلته ورديّة، و مسيرة الإنجاز لا تتوقف ، والحكومة تعمل كخليّةِ نحل ، و حتى لو تبرّع هو وموظّفوه بتكاليف عزاء زميلهم الفقير، ولا يتورع هذا المسؤول من نسبِ ذلك لتوجيهات جلالة الملك عبد الله الثّاني بالرّغم من أن جلالة الملك لديه توجيهات إنسانية أكبر من ذلك بالدّعوة إلى التّكافل و التّراحم لكنّه لا يتّصل بذلك المسؤول أو يوجّهه إلى التّبرع بخمسين دينار في حين يستعمل هذا المسؤول سيّارة الحكومة لتوزيع بطاقات عرس أخيه.
مسألةُ الحَرَدِ الوظيفيّ ظاهرةٌ ملحوظة لدى مسؤولي العالم الثّالث لأنّهم لا يشبعون ولا يكتفون من التمتّع بكرسي عسل السّلطة ، ولا يجدون أنفسهم إلا فيه ، و إن جرى إقصاءَهم عن ذلك ، و طال انتظارهم ؛ فإنّهم يقلبون ظَهْرِ المِجَنّ، و يبدأ بعضهم بالتّهويشِ و تسليطِ سهام النّقد للمؤسّسة، و تعلو نبرتهم و تختفي الابتسامة و يلعنون (سنسفيل) الحكومة.
بدون إلغاء لعبة التّنصيب على طريقة لعبة الكراسي الشّاغرة ، و بدون إغلاق باب إغداق المنافع و المزايا والعطايا على موظفي الدّولة ، فعلى الدّولة نفسها أن تتحمّل نقمةَ المغادرين للعبة الطّاولة المستديرة وكراسي التّنفيع الشّاغرة ، و كذلك نقمة المتفرجين على اللعبة ، الذين يشجّعون و يندّدون و يهتفون ويصرخون " دوري.. دوري أنا... دوري ... " .