أطفالٌ ونساءٌ ورجال، أصحاء ومرضى، أصواتهم مُستلهمة من قبو التلفيق والخداع، وبعضهم من فقد يده أو قدمه، كلهم وفي مشاهد مرعبة يقفزون على مركبة المواطنين ما إن تكون الإشارة حمراء، هذا اللون الذي يُعلن لهم بدأ حملة الشفقة والدعاء للمواطن الذي سيدفع لهم، ناهيكم عن التمايل يُمنةً ويُسرة، أو في حالاتٍ أخرى تنظيف زجاج السيارة أو بيع الحلوى.
إنها الوظيفة التي تدر أموالًا على منتسبيها، ففي الوقت الذي يعاني فيه المواطن من انعكاس الوضع الاقتصادي للدولة على حياته، نجد أن هؤلاء يعملون على تحفيزه بإعطائهم بعض الفكة بالدعاء له ولوالدته والناس أجمعين.
الشكل الآخر لهذه المهنة التي باتت تنتشر بطريقةٍ لا يُمكن التنبؤ بمستقبلها هو التسول الإلكتروني والذي يتشكل على هيئة رسالة من أحد الأشخاص وأنه بحاجةٍ لبعض النقود، لِترصد لنا وزارة التنمية عشرات الصفحات التي تعمل من أجل هذه الغاية، إلا أنها لا تستطيع إيقافها.
مدير مكافحة التسول في وزارة التنمية الاجتماعية، ماهر الكلوب، قال إن عدد حالات التسول التي تم الإمساك بها منذ بداية شهر رمضان يبلغ (200) حالة، مضيفًا أن الوزراة تقوم بتسيير حافلات إلى مختلف المناطق بهدف الإمساك بالمتسولين، إذ إنها تتعامل مع عشرات الأشخاص مِمَن يلجأون لجمع النقود بطريقةٍ غير مشروعة من جيوب المواطنين.
ولفت إلى أن الوزارة وعند امساكها بالمتسول فإنها تتعامل معه وفقًا لعمره، فالأطفال يتم إحضارهم إلى مقر الوحدة واجراء دراسات اجتماعية تقوم بِتَتَبُع مراحل حياتهم التي بدأو منها بالإضافة إلى الأحداث التي لجأوا من بسببها للتسول ومن ثم توديعهم إلى مقر الأحداث والذي بدوره يوفر لهم الأمن والرعاية الصحية والدعم القانوني أيضًا، أما البالغين فإنه يتم تحويلهم للمراكز الأمنية ومن ثم إلى المحكمة لإتخاذ الاجراءات القانونية بحقهم، وأن صاحب الفصل في النوع الأخير هو القضاء لا الوزارة.
وأردف الكلوب أن نسبة الأشخاص الذين يعودون لممارسة التسول بعد اتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم تزيد عن 70%، فالبيئة الحاضنة لهم تُشجعهم على ممارسته وأنها المهنة المربحة الذي سَتَدُر عليهم الأموال، إذ إن متوسط ما يجمعه المتسول في اليوم الواحد –ووفقًا لإحصائية قامت بها الوحدة- يبلغ 25 دينارًا.
وأكد أن مسؤولية مكافحة التسول تقع على عاتق المواطن الأردني في المقام الأول، إذ إنه يجدر به توخي الحيطة والحذر في التعامل مع المتسولين وأن لا ينصاع لأمرهم فيما يطلبونه من نقود لِما في ذلك من تأكيدٍ منه على أنه لا مانع من حصولهم على المال بهذه الطريقة، مستطردًا أنه يجب التخلي عن العاطفة في التعامل معهم، فالمَشاهد التي تُصاغ أمامه ما هي إلا مهارة اكتسبوها بالتدريب المُطول والذي يعتمد على إثارة العواطف الداخلية للإنسان والتأثير عليها.
وأشار الكلوب إلى وجود نسبة لا يستهان بها من الجنسيات العربية الأخرى التي تمتهن التسول إلى جانب الأردنيين، مِمَّا تسبب بالإنتشار المتزايد لمنظومة التسول التي باتت تؤرق الوزارة مِمَّا استدعى من وحدة مكافحة التسول في وزارة التنمية مجابهتها بشكلٍ صارم.
وذكر أن الوحدة تعاملت مع أطفال يتحكم بهم شخص ما بإرسالهم للشوارع، مناطق محددة وبأوقات محددة وبنقود محددة يجب عليهم إحضارها إليه، منوّهًا إلى أن عملية ضبط تسول الأطفال تتعامل معها الوزارة على أنها قضية شخصية، بينما عملية ضبط المُسخر تتعامل معها المحكمة على أنها جُنحة، وأنه حتى تكون قادرة على اتخاذ قرارها فإنه يجب أن يكون هناك شاهدًا على ذلك، وهو ما يشكل عائقًا أمام وزارة التنمية، إذ لا تستطيع أن تجلب الأطفال حتى يشهدوا ضده، فهو في المقابل قام بتهديدهم إن فعلوا ذلك.
وأوضح الكلوب أن هناك مفهومًا جديدًا للتسول يرتبط بمنصات التواصل الاجتماعي فالوزارة رصدت العديد من الصفحات التي تُدار لغايات التسول على مختلف قنوات الإتصال والبث الرقمية الحديثة، والتي يقوم القائم عليها ما إن ينتهي من مهمته في التسول عن طريق التلاعب بالعامل النفسي للمتلقي بحذفها.
ووتابع أنه من الصعب السيطرة عليها في الوقت الحالي لعدم وجود مظلة قانونية، وأن وزارة التنمية تعمل الآن على تطوير نظام العقوبات بما يشمل التصدي للتسول الإلكتروني، ونظرًا لغياب التشريع فإن دور الوزارة يتمثل حاليًا بعمل دوريات الكترونية على فترات مختلفة للتعامل مع مجموعةٍ من الحالات، إلا أن الوزارة غير قادرة على اتخاذ أي إجراء قانوني بحقهم نظرًا إلى عدم وجود نص صريح وواضح في هذا الشأن.
وأضاف أن هناك شبكة علاقات وشراكات ممتدة مع وزارتٍ خمس هي وزارة الداخلية، وزارة العمل، وزارة الأوقاف، وزارة التربية والتعليم، بالإضافة إلى الأمن العام، مشيرًا إلى ضرورة وجود مظلة قانونية يتم التنسيق من خلالها للقضاء على هذه الظاهرة.