أخبار البلد – مصطفى صوالحه
يكاد يكون الشعب الأردني، الشعب الأكثر استخدامًا لمنصات التواصل الاجتماعي في إيصال قضاياه وقصصه وسائر مشكلاته إلى الجهات المعنية، وفي حين أن هناك حفرة انهدامية تتسع شيئًا فشيئًا بين المواطنين والحكومة بكادرها الكامل، فإن الشعب يُسمع صوته ويُلبى نداءه عبر منصات التواصل الاجتماعي التي باتت تُشكل جهةً رقابيةً فعالة بشكلٍ لم يسبق لنا مشاهدته في أي فترةٍ سابقة، فمتى لجأ المواطن إلى منابر الإعلام والمواقع الإخبارية حتى تبدأ الجهات المعنية بالتحرك وإيجاد الحلول بأسرع وقت ممكن وكأننا في دولة السرعة الفائقة، أما إذا كان المواطن مغلوبًا على أمره، وليس هناك من يقف إلى جانبه من وسائل الإعلام فإن قصته سَتندثر، ولربما هو أيضًا يندثر، فالجهات ليست معنية به، بل إنها تحتاج من الوقت حتى تبدأ تحركها الفعلي ما يحتاجه الحلزون في الوصول إلى وجهته، أي بعد فوات الأوان.
قصص كثيرة ولا يسعنا التحدث عنها جميعًا، لكن، هناك ثلاثة أمثلةٍ لا يمكن التغاضي عنها، تُشكل في مُجملها مشهدًا يحتاج إلى تدخل وزير الصحة الجديد، الدكتور سعد جابر، بشكلٍ أو بآخر من أجل إنقاذ المواطنين وما تبقى من ثقتهم بالمستشفيات الحكومية وعدالة الفرص وتكافؤها.
رئيس الوزراء، الدكتور عمر الرزاز، كان قد تحدث في شهر نيسان / إبريل المنقضي عن التأمين الصحي الشامل وأنه آن الأوان للخروج بخطةٍ واضحةٍ مرتبطةٍ بجدولٍ زمني لتطبيق التأمين الصحي الشامل للمواطنين كافة، وأنه أصبح لزامًا على الحكومة العمل على إنجاز هذا الأمر، وأنها ليست بحاجة لمزيدٍ من الدراسات، وإنما يجب الأخذ بالدراسات السابقة لتطوير منظومة وبرنامج عمل محدد لهذا الموضوع، مؤكدًا أنه لن يلتقي مرةً أخرى بمؤتمرات الجمعية الأردنية للتأمنيات الصحية التي عقدت على مدى السنوات الخمس وعشرين الماضية إلا والتأمين الصحي الشامل قد أصبح حقيقةً.
إن ما تحدث به رئيس الوزراء يستدعي مِنا تأمل المرحلة الحالية وما تشهده من تخبطٍ وتقصيرٍ واضح من قبل الحكومة تجاه المواطنين، فالمسألة ليست فقط تأمينًا صحيًا شاملًا بقدر ما هو تأمين سريري شامل، فالمواطنين ممن يلجأون للمستشفيات الحكومية لا يجدون أَسِرَّةً، ومن هنا تبدأ قصص الموت وفقدان الأمل من جهة وفي جهةٍ أخرى تتعلق بالقائمين على خدمة المواطنين، تبدأ قصص الاعتداء على الأطباء والممرضين من أجل أسِرَّةٍ كان يجب على الحكومة أن توفرها للمواطن، لكنها لم تفعل ذلك، أو أنها لم توفرها بالقدر الكافي.
الطفل محمد، توفي خلال بحث عائلته عن سريرٍ له من أجل إجراء عمليةٍ جراحية عاجلة، إن الإجراءات المتبعة في مواقف كهذه يزيد من بؤس العائلة التي باتت على مفترق طرق من أجل الذهاب بإبنها الذي يحتاج إلى تدخلٍ جراحي مستعجل، والد الطفل لجأ إلى منصة "بخدمتكم" التي أجابته بضرورة تسجيل الطفل لتحويله إلى المدينة الطبية، لكنهم لم يستطيعوا إنقاذه، فَتُوفي لاحقًا.
الطفلة ميرا، طفلةٌ أصيبت بحروقٍ من الدرجة الثالثة وتُغطي 90% من جسدها، إلا أن المشكلة تكررت، وهي تعذر العثور على سريرٍ لها في مستشفى البشير ، الطفلة مُؤمنة، اكتشف موظف الديوان ذلك، فطلب من عائلتها العودة للبشير حتى يُحولها هو، البشير طلب تقريرًا عبر الفاكس من المستشفى الذي كانت تُقيم فيه الطفلة، مستشفى الإسراء، ليتعطل الفاكس بالبشير.
قضية الطفلة ميرا وخلال دقائق من نشر المواقع الإخبارية لقصتها أوعز رئيس الوزراء بنقلها للمدينةِ الطبية، توفيت ميرا بعد نقلها بيومٍ واحد.
الطبيبة روان سامي، اعتدى عليها أحد أقارب المريض بالضرب مِمَا سبب لها نزيفًا في الأنف، ناهيكم عن الأذى النفسي الذي لاحقها، الطبيبة لجأت إلى منصات التواصل الإجتماعي التي حملت قصتها على "بساط علاء الدين" وانتقلت بها على المواقع الإخبارية كافة، الحكومية منها والخاصة.
الطبيبة قالت إن المرافق اعتدى عليها لعدم توفر سرير في العناية المُركزة، كل ذلك حدث في مستشفى الأمير حمزة.
أما نقابة الأطباء فقد أدانت تكرار ظاهرة الاعتداء على الكوادر الطبية، إذ قالت في بيان لها، إن ظاهرة الاعتداء على الكوادر الطبية انتشرت بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، وتؤكد النقابة استنكارها التام وشجبها لما يحدث بحق كل من يتعرض لاعتداء من كوادرها الطبية.
وأردفت "نعلن وبكل جد وصرامة رفضنا التام لما تعرضت له مقيمة الجراحة العامة في مستشفى الأمير حمزة اليوم من اعتداء وتهجم بالضرب وهي على رأس عملها ونعدكم بأن يكون التصدي لهذه الظاهرة أولى أولوياتنا". ودعت الجهات الرسمية والمسؤولة إلى الوقوف مع النقابة في سعيها للتصدي لهذه الظاهرة. وأكدت النقابة أنه لن تمر أي حادثة اعتداء دون حساب، وأنها ستحرك كل ما تملك من الأدوات القانونية والتصعيدية اللازمة لأخذ حق كل من يعتدى عليه.
الرابط المشترك بين القصص الثلاث هو عدم وجود أسِرَّة، الرابط المشترك بين القصص الثلاث هو تقصير الجهات المعنية في تقديم أرقى خدمة صحية للمواطنين، الرابط المشترك هو بين القصص الثلاث هو تعليمات نظام التأمين الصحي الذي يحتوي على اجراءات خاصة لكل فئة من المؤمنين، وفي حال لم يتوفر سرير لأحد المراجعين فإنه يجب توفير سرير في مستشفيات الحكومة، إذ إنه يتم التحويل إليها بقرار الوزير أو من يفوضه بالصلاحيات. إلى المستشفيات الجامعية والخدمات الطبية، كل ذلك "وفق الأسس المقرة" أو وفق "اتفاقيات ملحقة".
بالعودة إلى قصة ميرا، فإنه كان على العائلة أن تُحضر ورقة تحويل من مستشفى البشير، مستشفى البشير يقول إنه ليس جهة تحويل في المملكة، مستشفى الإسراء يقول إنه كان ينتظر رسالةً من أي مستشفى يأتي فيها أن هناك شاغرًا في المستشفى، المدينة الطبية أيضًا لم تصدر الورقة لأن على البشير إصدار ورقته أولًا!.
وإذا أردنا البحث عن الأسباب التي كانت خلف بطئ الإجراءات وتعقيدها فإننا بالتأكيد وبعد البحث نجد أن المسؤولين لا يريدون بالطبع تحمل المسؤولية المالية لإجراءات تحويل غير دقيقة.
وفقًا لنظام التأمين الصحي، فإذا كان المواطن مُؤمنًا فإنه لا يحصل على إعفاء طبي، فهو مُؤمن، لكن هناك من يهرول للحصول على الإعفاء الطبي من أجل العلاج، لكن المسألة الحقيقية تتعلق بضبط النفقات، فبعد المبالغ المالية التي تراكمت على الحكومة، لجأت إلى عملية ضبط، هذه العملية تمثلت بنقل صلاحية منح الإعفاء الماضية "من رئاسة الوزراء للديوان الملكي، ثم أعادته لرئاسة الوزراء، ثم لكليهما، والآن استقر في الديوان وحده، لحجة أن الديوان لديه نظام إلكتروني صارم بعدم منح إعفاءات للأردنيين المشمولين بالتأمين الصحي، ما يمنع الإزدواجية. فتزايدت القصص من المؤمنين صحيًا ممن لم يجدوا أسرّة وتعثروا بتعقديات الإجراءات"، كما جاء في موقع حبر.
إن الجملة المتعارف عليها في المستشفيات والتي باتت تُشكل صراعًا يتحول في غضون دقائق معدودة إلى قضية رأي عام بمساعدة قنوات الإعلام الرقمية عبر منصات التواصل الإجتماعي هي " لا يوجد أسِرَّة، أو أنه ليس هناك شاغر لسرير"، مهما كان الحالة الطبية للمريض ومهما كانت حاجته للعلاج.
الآن، نضع القصص الثلاث هذه أمام وزير الصحة ورئيس الوزراء، ففي الوقت الذي ينعم به عددٌ من الأشخاص بمزايا تخولهم بإختيار المستشفى الذي يريدونه للعلاج به، هناك من لم يعثروا على سرير، هذا السرير الذي كان سببًا واضحًا يا معالي الدكتور سعد جابر ويا دولة رئيس الوزراء، الدكتور عمر الرزاز، في موت كلٍ من ميرا ومحمد، بالإضافة إلى الإعتداء على الطبيبة روان، لذلك فإننا نثق بأنكم ستجدون حلًا للمشكلة، فعوضًا عن مسألة التأمين الصحي الشامل، وفروا الأسِرَّة في المستشفيات.