أحمد (30 عاماً)، أحد هؤلاء المتضررين، لم يحظ بفرصة الحياة الطبيعية بعد خروجه من السجن مؤخراً، ليجد نفسه رهين الإقامة الجبرية، والتي يصحبها التوقيع إلزامياً بالمركز الأمني التابع لمنطقته السكنية مرتين في اليوم، ويمنع من الخروج بعد مغيب الشمس.
وتعتبر الإقامة الجبرية إحدى العقوبات المُقيدة لحرية الأفراد، ومن شأنها عدم تحقيق هدف الإصلاح والتأهيل المنشود، في وقت تعمل جهات إنفاذ القانون على تحقيق الردع من وراء تطبيقها وتحديدا لأولئك المكررين للجرائم غير الجنائية.
العقبة الأولى حسب قول أحمد (اسم مستعار)، هي بعدم تحمل صاحب العمل خروجه المتكرر من عمله للذهاب إلى المخفر حتى يوقّع ، موضحاً أن ذهابه للمخفر، بشكل يومي يهدد رزق أطفاله، عدا أن يومه يضيع كاملاً دون فائدة تذكر .
انفوجراف لتوزيع الجرائم المرتكبة بالمملكة للفترة بين 2013 2017 -(الغد)
تخيل نفسك في طابور بشري كبير، فيه الصالح والطالح، والكل يصرخ عليك على الطالعة والنازلة، غير أنك تظل واقفا لساعة وأحيانا لساعتين تنتظر دورك ، حسبما يصف أحمد حاله عند ذهابه للتوقيع.
الإقامة الجبرية: إضرار عام
مفوض الحماية بالمركز الوطني لحقوق الإنسان عاطف المجالي، يعتبر أن الإقامة الجبرية مخالفة صريحة لمبدأ الشرعية في قانون العقوبات، والذي يمثل المظلة العامة للقوانين جميعها.
وكان المركز الوطني تلقى خلال العام 2018، 47 شكوى من مواطنين، متعلقة جميعها بهذا الإجراء.
ينظر الوسط الحقوقي إلى هذا الإجراء على أنه عقاب للشخص مرتين على فعلته، داخل السجن وخارجه، ويقول المجالي إن هذا الاجراء غير قانوني من حيث عدم موافقته والمواثيق الدولية، ويعتبر تعديا على حرية الإنسان وكرامته.
المادة الثالثة من قانون منع الجرائم، تجيز للحكام الإداريين (التابعين للسلطة التنفيذية) صلاحية التوقيف وفرض الإقامة الجبرية على الأشخاص، ما يعني، كما يفسر المجالي خروجاً على مبدأ مهم من المبادئ التي تقوم عليها الدولة القانونية والذي يعتبر ضمانة مهمة من الضمانات الدستورية لحقوق الإنسان، وهو مبدأ الفصل بين السلطات .
للحاكم الإداري، إذا كان لديه ما يحمله على الاعتقاد ، بوجود شخص في منطقة اختصاصه، في ظروف تقنع بأنه كان على وشك ارتكاب أي جرم، أو المساعدة على ارتكابه، اتخاذ الإجراءات القانونية المنصوص عليها بهذا القانون ، يقول المجالي.
يطالب حقوقيون بضرورة البحث عن بدائل للإقامة الجبرية ونقل تلك الصلاحية إلى السلطة القضائية، وقصرها على وجود حالة التكرار الجرمي في مجال الاعتداء على الأشخاص وتحديداً جرائم القتل وهتك العرض والإيذاء البليغ وجرائم السرقات الموصوفة (الجرائم الخطيرة) وفي حالة التكرار ايضاً، مع الأخذ بمبدأ ملائمة الإجراء الضبطي مع الخطورة الجرمية عند فرض الإقامة الجبرية.
يستذكر الشاب أحمد لحظة أن فرض عليه محافظ منطقته الإقامة الجبرية، ويقول لا تكفي الفترة الطويلة التي قضيتها في السجن، حتى يطلعولي بالإقامة الجبرية.. الوضع زاد عن حده.. يعني لا يكفي الفقر والمشاكل اللي احنا فيها.. حتى كمان يجننونا ويعطلونا عن اشغالنا.. هذا الظلم بعينه! .
أحمد يفترض بأن الوقت قد حان للخلاص من معاناته، والعودة إلى ممارسة حياته بشكل طبيعي، وأنه لم يعد باستطاعته التعامل مع العالم الخارجي، خصوصاً أنه لاحظ في علاقاته مع جيرانه وأهله تغيراً واضحاً.
مشكلة أحمد، ومثلها العشرات وربما المئات، تطرح في المجتمع قضية مهمة، هي ضرورة تركيز الدولة على البعد التأهيلي للسجناء وتحضيرهم لإعادة الاندماج بالمجتمع بعد قضاء فترة العقوبة القانونية، بدلاً من فرض الإقامة الجبرية عليهم.
الإقامة الجبرية وانتهاكها للحقوق
يبدي المحامي بمركز عدالة للمعلومات القانونية، سالم مفلح، قلقا من الإقامة الجبرية، ويقول إن إلزام المفرج عنه (المذنب سابقا) بالإقامة، مخالف لما جاء بالدستور والمواثيق الدولية بـ حق الإنسان في العمل والحياة والسفر .
المادة التاسعة من الدستور تؤكد على أنه لا يجوز إبعاد الأردني من المملكة، ولا يجوز أن يحظر عليه الإقامة في جهة ما، ولا أن يلزم بالإقامة في مكان معين إلا في الأحوال المثبتة بالقانون .
وطالب المفلح، خلال حديثه لـ الغد ، بإلغاء قانون منع الجرائم الذي يعطي بحد ذاته اختصاصات قضائية للحاكم الإداري.
ما طُرح سابقاً، تؤكده المحامية والناشطة الحقوقية هالة عاهد، لكنها توضح بحديثها لـ الغد ، أن فرض الإقامة الجبرية على أشخاص أنهوا مدتهم القانونية بالسجون، يعد مخالفة كبيرة، وبكل المعايير، بما أنها تشكل انتهاكا لحق الإنسان بالعيش والتنقل، كما تتعارض مع المواثيق الدولية التي دعت إلى احترام حق الأفراد في العمل وصون كرامتهم الإنسانية.
هؤلاء المفرج عنهم خرجوا من السجن، وبالتالي أزيلت الصفة الجرمية عن أفعالهم، فلا يجوز تقييدهم والمساهمة في ترسيخ فكرة أنهم مجرمون أمام الرأي العام، وجعلهم كذلك وصمة اجتماعية، قد تنعكس آثارها سلباً على إعادة اندماجهم في المجتمع أو الحصول على فرص عمل ، تقول المحامية عاهد.
منع الجرائم ، بحسب عاهد يمنح الحاكم الاداري صلاحيات واسعة يستطيع بموجبها توقيف اي شخص يرى انه يشكل خطرا على المجتمع، مؤكدة أن هذا القانون غير دستوري ولا يتقاطع مع الحريات الإنسانية المنادى بها أردنياً.
الحل بالإسوارة الإلكترونیة :
یسعى المشرعون لتعزیز فلسفة العقوبات البدیلة، كحل نحو تخفیف عدد الموقوفین بالسجون، وحفاظا على كراماتھم، وتجنبا لإلحاق
الضرر بجملة من حقوقھم وتحدیدا لمن لا یكررون الجرم.
والأردن، واحد من تلك الدول التي تسعى لإیجاد حلول بدیلة، والتي من بینھا استخدام الإسوارة الإلكترونیة، ومن خلال عمل مشترك
بین وزارتي العدل والاتصالات وتكنولوجیا المعلومات ومدیریة الأمن العام.
ویلزم الموقوف وقتھا ارتداء الإسوارة الإلكترونیة ویكون تحت المراقبة الإلكترونیة بدلا من حجز حریته .
كان مجلس الوزراء وافق العام 2015 ،على البدء بتطبیق استخدام الاسوارة الالكترونیة كبدیل عن التوقیف القضائي.
وفقا لتصریح سابق لمدیر مكتب الشفافیة وحقوق الإنسان بمدیریة الأمن العام العقید عامر الھباھبة، فإن تطبیق الإسوارة ”سیحقق
ردعا مجتمعیا وستساعد على التخفیف من اكتظاظ السجون".
غیر أن الأمن العام أكد أن ”الاسوارة الالكترونیة" ستكون مخصصة لمرتكبي الجرائم البسیطة وغیر المكررین حسب قانون أصول
المحاكمات الجزائیة. بھدف ”تحقیق ردع مجتمعي وكذلك منع اختلاطھم مع النزلاء الخطیرین".
وعاد المنسق الحكومي لحقوق الإنسان السابق باسل الطراونة، لیؤكد في تصریح إذاعي بأن العمل بالإسوارة الالكترونیة لمتابعة
المطلوبین یأتي بدلا من حجز الحریة.
بحسب دراسة معمقة لجمعیة الرعایة اللاحقة للسجناء وأسرھم حول أوضاع السجناء في الاردن، وحملت عنوان ”صدمة الإفراج عن
السجناء وإدماجھم في المجتمع"، فإن الحاجة ”ماسة لتطویر وتھیئة فرص متنوعة للنزلاء، وتصمیم برامج تعلیمیة مكافئة، واستحداث
ما یسمى رد الاعتبار، أي إمكانیة إسقاط السابقة الأولى عن السجین، الذي یرتكب الجنحة البسیطة لأول مرة، حتى لا تقف عقبة امام
طریق اصلاحه وتوبته واندماجه بالمجتمع مجددا، بدلا من فرض الإقامة الجبریة علیھم".
لجنة الحریات العامة وحقوق الإنسان النیابیة، كانت قد دعت على لسان رئیسھا عواد الزوایدة، للحد من التوسع بفرض الإقامة
الجبریة، الذي یؤدي إلى تشجیع الأشخاص على ارتكاب الجرائم ویولد لدیھم الحقد على الحیاة والناس، مؤكدا أھمیة الابتعاد عن
التعسف في استخدام السلطة وإعطاء فرصة للأشخاص الذین أنھوا مدة محكومیتھم حتى یتسنى لھم الاندماج والانخراط في المجتمع.