في ثنايا كتابه "حصاد الزمن الصعب" يُطلعك دولة طاهر المصري رئيس الوزراء
الأسبق على فلسفته في الحياة. يقول: "أمران أحرص عليهما في حياتي: صداقتي
وصراحتي. وإذا ما فُرض عليّ يوماً ان اختار بينهما، اختار الصراحة لأنها في تقديري هي التي تحمي الصداقة".
طاهر المصري الذي يمتلك إرثاً باهراً من الوطنية والنزاهة جَسّدته عائلة "المصري" النابلسية، يُغريك كتابه أن
تقرأه من الغلاف الى الغلاف، فهو عبارة عن مقالات ومحاضرات عبّرت عن مواقف اصيلة لرجل تبوّأ أرفع المناصب
في بلده الأردن. تأسرك كلماته الممتلئة التي تنبيء عن مواقف وطنية زانت مسيرة حياته على امتداد المناصب
الدبلوماسية والسياسية التي تولاها، لم يساوم على مواقفه الوطنية إيماناً منه بأن القيم والمبادئ لا يجوز ان
تخضع للمساومة. من هنا –وكما يقول مقدم الكتاب د. محمد بن عيسى وزيرالخارجية والتعاون سابقاً في
المملكة المغربية- "بوّأه مواطنوه صدارة التعبير عن تطلعاتهم وانتظاراتهم واسلموا بعض أمرهم إليه،
والإنابة عنهم". وتلك شهادة من مُحب قالها صادقاً في أحد أعلام السياسة في هذا الوطن، عن مواقفه إبان
تحمله المسؤولية يقول طاهر المصري "ثمة قرارات كثيرة اتخذتها في غرف مغلقة وحوسِبت عليها، وطُعن
بمواقفي بعدها، لكنها الله والتاريخ والوطن هي مواقف لست بنادم عليها". (المرجع السابق ص 10.(
في كتابه يوثق طاهر المصري فكراً سياسياً واجتماعياً آمن به، وهو والحق يُقال فكر منفتح بعيد عن التعصب
والجمود. نُبل انساني يسوده.
يحدثنا الرجل عن أحداث وتقلبات سياسية واجتماعية واقتصادية عايشها "تقاطعت فيها المصالح الدولية تارة
والتقت تارة أخرى".
وفي تناوله للحروب والنكبات والكوارث البشرية التي تضرب أجزاء كثيرة من هذا العالم يرى ان "القضية
الفلسطينية" "هي جذرها ومُبرّر حدوثها، جراء تراكم الظلم الدولي الذي أحاط بهذه القضية". (المرجع السابق
ص 11.
يتحدث طاهر المصري عن "المطالب الاصلاحية في الأردن" وهو يرى أن عُقدتها بقيت على حالها، تُراوح مكانها.
"ومنذ نحو 25 عاماً نرفع ذات الشعارات لكن في مناسبات تغيرت وفي عهدين لا بُد للراصد ان يجد فيها
اختلافاً". (الكتاب ص 12.(
الإصلاح في رأيه "مطلب حقيقي لا ترف فيه وهو سبيلنا لتحصين انفسنا من الاخطار الخارجية والمحيطة بنا من
كل حدب وصوب". (الكتاب ص 12.(
وهنا اقول ما اكثر الشعارات التي رفعها هذا المسؤول أو ذاك وظلت حبراً على ورق! لم يشعر المواطن العادي
انها عالجت خللاً هنا او خللاً هناك. ظلت مُخدراً ومُسكناً ليس إلاّ!
في رسالة منه وجهها الى جلالة الملك عبداالله الثاني بتاريخ 7 /7 /2014 بمناسة حلول شهر رمضان المبارك،
يشير طاهر المصري الى مجالات الاصلاح التي يصرّ جلالته على ضرورة تفعيلها مطالبا كل مسؤول في الدولة ان
يقوم بها دون تهاون.
"صاحب الجلالة،
لقد تقدمنا كثيرا في مجال الاصلاحات التي شملت جوانب عديدة من حياة الاردنيين، ويمكنني القول إن ذلك
الاصلاح قد تم اغلبه في النصوص ولكنه لم يصل بعد الى النفوس، والآن حان وقت التعامل مع النفوس". (ص
451 .(مفردات بحق عميقة الغور.
يؤكد في رسالته على ضرورة ان تتواءم السياسات الخاصة التربوية والإدارية والاجتماعية مع ما يرنو إليه التطور
النوعي الذي سار عليه العالم".
وفي تصوري ان ما أشار اليه هو نفسه ما تبنته كل الأوراق النقاشية لجلالة الملك والتي دعا فيها كل مسؤول
كبير أو صغير أن يلتزم بفحواها لأنها السبيل الذي يجعلنا نواكب ثورة المعلومات والتكنولوجيا بخطا حثيثة.
ينتقد طاهر المصري "تبعثر الانتماءات وابتعادها عن المفاهيم الوطنية العامة، وازدهار لمفاهيم الجهوية
والعشائرية الأمر الذي أدّى الى تراجع مفهوم الدولة والانتماء اليها.
تطرق الى قضايا الفساد التي يتداولها الناس داعياً الى محاربة الفاسدين. انتقد "البيروقراطية" التي تعطل
مصالح الناس والتي تنمي الشعور بعدم الثقة بين المواطن والمسؤول. (ص 452(
في رسالته الى جلالة الملك نلمس نبرة الاخلاص التي يُكنها طاهر المصري لجلالته ولكل الهاشميين، وهو
الحريص على سلامة هذا الوطن الذي بات يواجه تحديات هائلة من هنا وهناك، ومن أخطرها تلك التي تسعى
"لإشعال نار التناحر الطائفي أو تلك التي "تبث في الناس ثقافة الموت وليس حب الحياة"". (ص 453.(
وبعد، فطاهر المصري بتاريخه الناصح البياض يُدلي في كتابه بشهادات أمينة وموثقة على احداث شهدها
تضرب المنطقة العربية من دون هوادة.
آمن هذا المسؤول الرفيع السابق بثقافة الاحتراف مؤكداً ان الاختلاف مع الآخر لا يفسد للوُد قضية.
في كتابه ايضاً مساحة للود الانساني والاعتراف بفضل أناس عاشرهم وقاسمهم نفس الاهداف، منهم من رحل
ومنهم لا يزال حياً.
طاهر المصري قامة وطنية شامخة، كتابه "حصاد الزمن الصعب" الذي صدرت طبعته الاولى العام 2016 عن
المؤسسة العربية للدراسات والنشر هو بحق سِفرٌ قيّم يُنبئك عن مسيرة رجل متواضع ينطبق عليه قول
الشاعر:
إذا احب االله يوماً عبده
ألقى عليه محبة الناس
طاهر المصري عشت وستبقى إن في داخل المسؤولية او خارجها طاهر الإهاب، عفّ النفس، طيب الأرومة،
صدقت ما عاهدت االله عليه