عبدالهادي راجي المجالي
في عملك , غالبا ما تصطدم بقرارات الحكومة , الموجودة في الدوار الرابع , والمخولة
بحكم الدستور أن تدير شؤون العباد وتسير مصالح الناس ...
يوجد في المنزل حكومة أخرى أيضا , رئيستها الزوجة وأفرادها الأولاد , وهؤلاء
قراراتهم أقسى من قرارات الرزاز , فأنت لا تستطيع أن تحدد نوع (الطبخة) , لابد من قرار
جماعي ..وإذا تصادف موعد نشرة الأخبار مع المسلسل الكرتوني ( سلاحف النينجا)
فعليك أن تتابع سلاحف النينجا , لأن ياسر سيبكي وإن بكى تذبحني دموعه من وريدي إلى وريدي .
وفي المقال أيضا يوجد حكومة , وصية عليك ..تحاول أن تفلت قليلا أن تسرح بالسطور وتأخذ منحنى اليسار ,
لكنك تتذكر أن هنالك رئيس تحرير يراقب كل شيء , وأنت تعرف في داخلك أن قلبك هو الذي يكتب ...وليست
أصابعك , وأصعب أشكال الشمولية في قرارات الحكومات هي مصادرة غضبك ..وسيصادر المقال والغضب في
المقال ..إن راح قلبك صوب اليسار ...وهذه حكومة أقسى من حكومة الرزاز , وأقسى من حكومة يكون القرار
فيها دمع ..
وفي الكرك هنالك حكومة أخرى , فحين تقف أمام منزل والدك ساعة الغروب , وتعبر البنات ..وتتذكر أن كل هذا
الجمال ولد بعد رحيلك , ..تسأل نفسك لحظتها لماذا يكبرن بسرعة ..والحقيقة هي أنك أنت الذي كبرت ..وتمر
واحدة منهن , ولحظة عبورها على نبض قلبك تفوح منها رائحة الياسمين , وتستنشق عمرك وليس عطرها
وتبتسم لك في فرح لكنها تطعنك في القلب تماما حين تقول لك : - ( مرحبا عمو) ...وتلك أبشع أنواع
الحكومات , وأقساها تلك حكومة تغتالك وتعتقلك وتشنقك في نفس الوقت ...وأنا (أطبل) على كرشي قليلا
وأدخل ..للمنزل وكلمة (عمو) تجلجل في داخلي
تمنيت لو قالت لي : (مرحبا عبود) ..لكنها قالت عمو ...
في بلادنا ألف حكومة , وألف رئيس ..وأنت لا تملك من مساحات سوى أن تثور على نفسك فقط , وأنا ثرت على
نفسي هذا اليوم ..وقررت أن أصبغ الشارب , تلك هي ثوراتنا تبدأ بصبغ الشارب وتنتهي أيضا بإعادة صبغ الشارب ...
لكني أعترف أن أقسى حكومة عرفتها في حياتي هي الحكومة التي غيرت اسمي من عبدالهادي إلى عمو ...