انشغل الرأي العام خلال عطلة عيد الفطر السعيد بالحديث عن الحكومة الجديد، فأشبعها المواطنون تحليلاً، واتخموها قراءةً، وسبروا غور التاريخ للبحث عن ماضي أعضائها، وأُصدر بعضهم الأحكام المستقبلية حول أداء الحكومة قبل أن تباشر مهامها.
لم يسبق أن تعرضت حكومة في الأردن لانتقادات قبل أن تباشر مهامها كما تعرضت حكومة الرزاز التي تصدرت أخبارها وسائل التواصل الاجتماعي وانتشرت السيرة الذاتية لوزرائها على صفحاتها منها ما هو عفوي ومنها ما هو مقصود، ما هو حق وجدير بالمتابعة والتساؤل، ومنها ما هو باطل ويحمل في جزءٍ منه طابع الشخصنة.
وبحسب العرف السائد فإننا في الأردن ننشغل بالسياسة، ندعي عدم محبتها، ونتناولها على الإفطار، نتحدث عنها في مجالسنا، في مقاهينا، في أعمالنا، في مركباتنا، وفي مجالس أعيادنا تكون هي سيدة الحضور، ويقول التاريخ الأردني المتواتر المدفوع بحالة الاحتقان وفقدان الثقة بين الشارع ومؤسسة الدوار الرابع بأن يكون الرئيس الجديد - أي رئيس جديد- محل انتقاد وهجوم فور أدائه اليمين الدستوري، إلا أن حجم الانتقاد الأخير كمّا ونوعا كان استثنائياً إلى أبعد حد، بقدر ما كانت حالة التفاؤل المفرطة عند تكليفه.
ولدت حكومة الدكتور الرزاز بعد مخاض عسير، وجاءت وليدة احتجاجات الرابع المهيبة التي أطاحت بسلفه الدكتور هاني الملقي، لتتجه الأنظار نحو الدكتور الرزاز ذي الشخصية اللينة المرنة، الذي كان مؤتمنا على تنشئة الأجيال عبر حقيبة التربية والتعليم، صاحب أطروحات الإصلاح والحوار، وحول فريقه الوزاري الذي سيعمل في فترة حساسة واستثنائية في وطن اعتاد العيش مع الأزمات منذ ولادته وحتى اليوم.
ظهرت العديد من المؤشرات الإيجابية من شخص الرئيس الرزاز، ولا نتحدث هنا عما سبق التشكيل الحكومي، لعل أبرز هذه المؤشرات تفاعله على مواقع التواصل الاجتماعي مع الأردنيين ، يرد على تعليقاتهم، يجاوب تساؤلاتهم، ويؤكد تحمله للمسؤولية عن اختيار طاقمه الوزاري، والأهم من ذلك يعد بتغييرات سريعة يلمسها المواطن من خلال جملة من القرارات على المدى المنظور قد تكون في أقصى حد الأسبوع القادم.
يدرك الرئيس الرزاز أن حكومته الآن لم تعد تحت سهام انتقاد النخب والحراك والأحزاب والصالونات السياسية وحسب، بل إن الشارع بكل أطيافه؛ المسيس وغير المسيس والمنظم (حزبيا) وغير المنظم، يتابع أخبارها ولا يتردد في توجيه الانتقادات والهجوم العنيف عليها، ويدرك الرزاز أن طبيعة الهجوم الذي تعرضت له حكومته وتوقيته لم تتعرض له أي حكومة في تاريخ الأردن.
إلا أن الرئيس يدافع عن حقه بالحصول على فرصة، فرصة لتنفيذ كتاب التكليف السامي، والعمل دون ضغوطات تطالب بقرارات آنية، وانجاز الملفات الأشد تعقيدا التي تتعلق بالقرارات الاقتصادية وإعادة النظر بقانون ضريبة الدخل دون المساس بالطبقتين الوسطى والفقيرة أو بحقوق الدولة في محاربة التهرب الضريبي ومعالجة الاختلالات الضريبة التي دفع الأردنيين جميعاً ثمن السكوت عنها طويلاً.
وفي مؤشر آخر حول تواصل الحكومة المباشر مع الشارع، خرج الوزراء الذين تأثروا بما كُتب عنهم في مواقع التواصل الاجتماعي عن صمتهم ووجهوا رسائلهم إلى المواطنين من خلال ذات المنابر، دافعوا عن مواقفهم وأجابوا حول ما كُتب عنهم، وقدموا الوعود بأداء مختلف يلمسه المواطن قريبا الذي يدعو ان يخيب ظنه في عدم التفاؤل، وأن تحقق هذه الحكومة ما عجزت عن تحقيقه كل الحكومات.
تحتاج الحكومة إلى فرصة، لا لتحقيق برنامجها الاقتصادي الاجتماعي وحسب، بل لاقتناص الفرصة التاريخية بإعادة الثقة بين الشارع والحكومة بعد قدوم رئيس جديد قدّم وعداً على الملأ بأن تكون حكومته استثنائية في القرارات كما هي استثنائية في التوقيت والمهمات.