أخبار البلد – سعد الفاعور - لا يبدو أن (عمّان) التي ترزح تحت ضغط ملفات داخلية وإقليمية شائكة وعديدة، تقف على الحياد، أو تكتفي بالمشاهدة، فيما يخص الملف اليمني.
وفي الوقت الذي نجحت فيه الدبلوماسية الأردنية في عدم الدخول بمعركة كسر عظم مع الجار العنيد والمؤثر بعمق على الاقتصاد الأردني، والمرابط على الخاصرة الجنوبية للمملكة، ويخوض في الوقت ذاته صراعاً مريراً في اليمن، فإنه يحسب للحراك الدبلوماسي الأردني المرونة الفائقة في الحضور كلاعب رئيس ومؤثر في الساحة اليمنية، وفقاً لما ذكره سياسي أردني رفيع.
السياسي المخضرم جداً، غير بعيد حتى اللحظة عن متابعة الشأن السياسي "الأردني-اليمني" بأبعاده الإقليمية والدولية، ويساهم في تضييق فجوات الملف المعقد وفق تحرك مدروس ومأذون، وسبق له أن زار اليمن في عهد الرئيس اليمني السابق، علي عبدالله صالح، رفقة رئيس حكومة أردني سابق، ترأس وفداً رفيعاً ممثلاً للملك، لتطويق نزاع أسري مؤلم بين سيدة يمنية وزوجها الأردني، بعدما أخذ النزاع الأسري أبعاداً محزنة آنذاك.
يشير السياسي المطلع، الذي يرتبط بقنوات اتصال يمنية عديدة، من الحقبة الماضية والحقبة الحالية، وله قنوات اتصال أيضاً مع أطراف فاعلة في الرياض وأبوظبي، بوضوح لا يشوبه لبس، إلى أن الدبلوماسية الأردنية، التي تدرك تماماً أن جهات إقليمية ودولية عديدة تسعى إلى تطويقها وعزلها وتطويعها، تتمكن كل مرة وبصورة ديناميكية، من إثبات حقيقة أنها غير قابلة لـ "الهضم" أو "الكسر" أو حتى "التطويع"، وأنها استطاعت في مواجهات -غير علنية- عديدة، إيصال رسائل "صامتة" ولكنها قاسية إلى عواصم إقليمية، توهمت أن القرار الأردني يمكن "تجييره" بشكل تلقائي لحساب تحركات تقودها بعض عواصم الإقليم، دون التشاور المسبق مع عمّان.
يعترف السياسي كذلك، أنه وفي بعض المرات، كان الأردن مضطراً للانحناء حتى تمضي العاصفة، مشيراً إلى أنه "لا فائدة ترتجى من فتح الباب بوجه الرياح العاتية"، وهناك فرق كبير بين مناطحة الناطور وبين أكل العنب. لكنه شدد على أن دبلوماسية عمّان، تتحرك انطلاقاً من المصالح الأردنية العليا.
على صعيد الملف اليمني، يؤكد أن (عمّان) استطاعت أن تقف على مسافة أمان كافية، من كافة أطراف الصراع في اليمن. وفي الوقت ذاته، فإنّ الدبلوماسية الأردنية، التي لا تحبذ الدخول في معارك كسر عظم وقطع كافة خيوط التواصل مع الأطراف المؤثرة والفاعلة، وهي أيضاً لا تسعى إلى منافسة سلطنة عُمان، التي تعتبر اللاعب الأبرز، والنافذة الإقليمية والدولية للقوى السياسية اليمنية (حزب المؤتمر الشعبي العام وأنصار الله الحوثيون)، سواء مع عواصم الرياض وأبوظبي، أو مع الجهات الدولية.
يشير كذلك، إلى أن الدبلوماسية الأردنية، ولو لم ترد أن تتحرك على صعيد الملف اليمني، لأجبرت على الحراك، فالعلاقات المميزة جداً التي ربطت بين الأردن واليمن في عهد الرئيس السابق، وكذلك لجوء قوى سياسية وحزبية وعشائرية ورجال أعمال يمنيين إلى الأردن، واتخاذهم من عمّان، مقراً دائماً، أجبر الأردن على لعب دور سياسي ودبلوماسي، موازٍ بل وأكبر من جهده ودوره العسكري الرمزي في التحالف الذي تقوده الجارة الجنوبية.
مرة أخرى، يرفض بشدة أي إشارة أو تلميح إلى أن الدبلوماسية الأردنية تحاول سحب البساط من تحت نظيرتها الناشطة في سلطنة عُمان، مؤكداً أن الدبلوماسيتين الشقيقتين تنشطان ضمن مدار موحد ومتشابه في مساره الرئيس، وأن عوامل الاتفاق هي السمة البارزة للدبلوماسية المشتركة بين مسقط وعمّان.
السياسي الضالع في الملف اليمني، لا يفوته الإشارة إلى إيران، مؤكداً أنه وإن كانت دبلوماسية عمّان على عكس نظيرتها في مسقط، مسكونة بـ "فوبيا" الهلال الشيعي، لكنها دبلوماسية مستقلة، وهي لم تمض بعيداً في معارك كسر العظم العبثية مع طهران، مشيراً إلى أن القائم بأعمال السفارة الأردنية شارك أمس الأول، ممثلاً عن الملك عبدالله الثاني، في حفل التنصيب الرسمي للرئيس حسن روحاني.
الرجل يلفت أيضاً إلى أن الأردن، ولو رغب، لن يستطيع أن يقفز عن عوامل القلق المبرر للنظام العربي في الضفة الجنوبية من "الخليج" الذي يفصل بين إيران الإسلامية وجاراتها في مجلس التعاون الخليجي، الذي يعاني من نزاع مرير.
وعمّ إن كانت عمّان، تنظر بريبة إلى الدور الإيراني، في اليمن، قال إن الأردن لا يقبل كقاعدة عامة، أي تدخلات إيرانية لا في الملف اليمني ولا العراقي ولا السوري. لكنه استدرك بأنه في ذات الوقت، لا يمكن عزل إيران واستثناءها، وأن الانفتاح على طهران هو الحل.
السياسي الضليع والوسيط الدبلوماسي، المتابع عن كثب لملف الأزمة اليمنية، يؤكد أنه وعلى عكس ما يتوهم الكثيرون، فإن الأردن يتمتع بقنوات اتصال مع كافة أطراف الصراع في اليمن. أما الجهد العسكري الأردني، فهو يندرج في إطار الحرب على التنظيمات الإرهابية الناشطة في اليمن، ولم يتورط الأردن نهائياً في استهداف أي طرف من أطراف الصراع المسلح في اليمن.
يشدد في ختام حديثه، على أن الجهد الدبلوماسي الأردني، له روافع يمنية داخلية، كما أن له رافعة إقليمية ودولية، تسمح له بالتحرك، لكنه سعي يؤثر الابتعاد عن الأضواء. قائلاً إنّ الظروف الدولية الحالية، والمؤشرات الدولية، كلها تحفزنا لنتبنى اعتقاداً راسخاً بأن اليمن سيشهد "انفراجة" حقيقية قبل عيد الأضحى، خاصة وأنه تأكد للجميع أن الحسم العسكري، ضرب من الخيال، والآثار المدمرة للعمليات العسكرية أصبحت ملفات شائكة ومعقدة وتستخدم من قبل المنظمات الدولية والإنسانية كسلاح سياسي يحمل آثاراً مستقبلية خطيرة، سواء على أطراف الصراع اليمني الداخلي أو على دول التحالف.





