اخبار البلد - محمد كعوش
عندما رحل زئيف فلاديمير جابوتنسكي اشد
المتطرفين في الحركة الصهيونية قبل 74عاما لم يكن يعلم ان روحه ستسكن اجساد العديد
من المتطرفين من قيادات اليمين الاسرائيلي، وان افكاره ستسيطر على عقولهم وتتحكم بسلوكهم
وتحدد خطاهم. هؤلاء تناسلوا وفي مقدمتهم بيغن الذي حمل السلاح بيمينه والتوراة بيساره،
وبعده شامير الذي قال ان اسرائيل ستفاوض الفلسطينيين عشرين عاما دون ان تعطيهم شيئا،
ثم شارون صاحب جدار الفصل العنصر، الى نتنياهو الذي يطبق افكار جابوتنسكي دون الخروج
عن النص، وكلهم ارادوا ان يذكرهم التاريخ.
وقبل الحديث عن التطورات الخطيرة على جبهة
الصراع العربي الاسرائيلي، وعن لعبة القفز على الواقع والتاريخ التي يمارسها نتنياهو
بغباء، على قاعدة التزامه الكامل بفكر استاذه الاب الروحي للتطرف الصهيوني، ارى من
الضرورة ان نعرض بعض افكار جابوتنسكي المولود في اوديسا الاوكرانية، مع التذكير بان
اوكرانيا هي مسقط رأس قيادات صهيونية بارزة مثل موشي شاريت وحاييم وايزمن وغولدا مائير،
الا ان جابوتنسكي اختلف مع هؤلاء، وانشق عنهم واسس الحركة الصهيونية الجديدة، وانشأ
منظمة الشباب الصهيونية والبس منتسبيها القمصان البنبة ودعاهم للتدرب على السلاح، على
غرار شباب الحركة الفاشية الايطالية الذين كانوا يرتدون القمصان السود.
واخطر ما دعا اليه جابوتنسكي هو اقامة دولة
اسرائيل على ضفتي نهر الاردن، والاستيلاء على الاراضي الزراعية والاراضي العامة في
فلسطين بالقوة، كما ذهب الى بولندا ليطلب من حكومتها العمل على تشجيع هجرة اليهود الى
فلسطين، وكان اول من جاء الى فلسطين مع قوات الانتداب البريطانية بعد الحرب العالمية
الاولى، ودعا الى نبذ العمل السياسي الصهيوني واللجوء الى العمل العسكري لتحقيق اهداف
الحركة الصهيونية في فلسطين بقوة السلاح، واستخدم مصطلح «الجدار الحديدي»، اي محاصرة
الفلسطينيين والترهيب والقمع والقتل ضدهم.
ومن الواضح اليوم، ان نتنياهو بتحركه نحو
اليمين المتطرف والاحزاب الدينية المتشددة، واصراره على اسئناف النشاط الاستيطاني،
ونسفه حل الدولتين، والسماح بالاعتداء على الاقصى، يتقمص شخصية جابوتنسكي الاشد تطرفا
في تاريخ الحركة الصهيونية وهو يسعى الان ان يلتقط اللحظة التاريخية التي تشتعل فيها
الحروب الطائفية والعرقية والقبلية في بعض الاقطار العربية من اجل تحقيق الاهداف الصهيونية
بالاستيلاء على كل الاراضي الفلسطينية المحتلة من خلال المشروع الاستيطاني التوسعي.
والثابت ان نتنياهو يعرف ان التطورات المتسارعة
في المنطقة تعيد خلط الاوراق وتحدث تغييرا في التحالفات والمصالح والعلاقات بين الدول،
لذلك لا نستطيع التنبؤ بالخطط المستقبلية لقادة اليمين الاسرائيلي، وقد يقوم بتصدير
ازمته الى الخارج، بعدما فشل في لفت انتباه العالم نحو ايران، من اجل تنفيذ مخططاته
بعيدا عن الانظار وبصمت. وبالتأكيد ان نتنياهو يعرف ان الاقصى وكل المقدسات الاسلامية
والمسيحية هي برعاية اردنية هاشمية، ويدرك ان الاعتداء على الاقصى والمقدسات يعني فتح
جبهة جديدة مع الاردن، بل مواجهة مع كل العرب والمسلمين.
والحقيقة ان اندفاع نتنياهوغير المدروس
يقود اسرائيل الى المزيد من العزلة الدولية، حتى انه اربك الادارة الاميركية التي اصبحت
غير قادرة على الدفاع عن سلوكه ونشاطه الاستيطاني في القدس والضفة، بعدما احرجها مع
حلفائها في حربها ضد داعش الارهاب. واللافت ان اصواتا اميركية كثيرة بدأت ترتفع داخل
الولايات المتحدة تطالب الادارة الاميركية تطبيق القانون الاميركي في صفقات بيع السلاح
للدول المتهمة بارتكاب جرائم حرب، وفي مقدمتها اسرائيل، كما تطالبها الالتزام بالقوانين
الدولية في علاقاتها الخارجية، ومواقفها من قضايا الشعوب.