من أولى قواعد الأكل الصحي التي نتعلمها صغارًا، وغالبًا على لسان الآباء، "كُل فاكهتك وخضراواتك". لكن أدلة تمتد عقودًا تشير إلى أن هذه الأغذية الأساسية تفقد قيمتها الغذائية تدريجيًا.
ففي عام 2004، حلّلت دراسة صادمة 43 محصولًا من محاصيل الحدائق، واستندت إلى بيانات التركيب الغذائي لوزارة الزراعة الأميركية لعامي 1950 و1999، فرصدت نقصًا مقلقًا في مختلف العناصر: انخفض الكالسيوم 16%، والحديد 15%، والفوسفور 9%. وفي بعض المحاصيل بلغ النقص في القيمة الغذائية 38% مقارنة بخمسينيات القرن الماضي وستينياته، بحسب تقرير نشره موقع "Popular Mechanics".
ماذا حدث بعد "الثورة الخضراء"؟
دفع نقص الغذاء في زمن الحرب وتسارع نمو سكان العالم إلى تطوير أصناف عالية الإنتاج واعتمادها. وتبنّى المزارعون الأسمدة النيتروجينية الصناعية على نطاق واسع، إلى جانب ترسانة متنامية من المبيدات الكيميائية. وتُعرف هذه المرحلة اليوم ب"الثورة الخضراء"، وقد نجحت المجازفة، على الورق على الأقل.
وبحسب تقرير جديد لشركة "Deep Science Ventures" ومقرها لندن، ارتفع إنتاج الحبوب للهكتار الواحد بنسبة هائلة بلغت 215% بينما لم تتوسع الأراضي المستخدمة إلا بنسبة 15%. لكن القيمة الغذائية لم تواكب هذا النمو، سواء في الحديد أو الكالسيوم أو الزنك أو فيتامين "أ" (Vitamin A) وغيرها.
"الجوع الخفي".. شبع بلا غذاء
وأفاد التقرير أنه على مدى العقدين الماضيين، وردت سلسلة من التقارير المتفرقة التي بيّنت أن الكثافة الغذائية ربما انخفضت بأكثر من 40% منذ الثورة الخضراء في محاصيل وسياقات محددة. ومثل هذا الانخفاض يعني أنك تحتاج إلى استهلاك سعرات حرارية أكثر بنسبة 67% لبلوغ النتائج الغذائية نفسها، وهو رد غير عملي إطلاقًا بسبب الأهمية الحيوية للوزن الصحي والمواءمة الصارمة بين السعرات واحتياجات الطاقة.
ويقود ذلك إلى ما يُعرف بـ"الجوع الخفي"، حيث يشعر المرء بالشبع من سعرات فارغة دون أن يحصل على كفايته من العناصر الغذائية.
وأفادت دراسة نُشرت عام 2024 في مجلة "Foods" بأن أكثر من ملياري شخص يعانون عدم كفاية المغذيات، وأبرزت أسبابًا متعددة لتراجع جودة الغذاء، أبرزها تركيز القطاع الزراعي على المحاصيل عالية الإنتاج التي كثيرًا ما تضحي بالجودة الغذائية مقابل الكمية.
المناخ والمبيدات والأغذية المصنّعة
أظهرت دراسات أخرى أن ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون بفعل تغير المناخ يضر بالمحاصيل أيضًا. فقد وجدت دراسة عام 2018 أن ارتفاعه يخفض البروتين والحديد والزنك في محصول الأرز. وتشمل الأسباب الأخرى للتراجع الغذائي استمرار استخدام مبيدات الحشرات والفطريات والأعشاب، وانتشار الأغذية المصنعة، وتناقص التربة الغنية بالمغذيات الصالحة للزراعة أصلًا.
وحذّر التقرير من أن هذا "يخلق خطر نقطة تحول معقولة، تتمثل في تدهور الكثافة الغذائية مع إزالة أثر الإخفاء الذي توفره السعرات الزائدة، بتأثيرات حادة بوجه خاص على من هم أصلًا قرب حافة النقص الغذائي، ومنهم الأطفال والنساء في سن الإنجاب وكبار السن والفئات المعتمدة على الحبوب الأساسية".
"التحصين الحيوي".. حل جزئي
تملك البشرية بعض الوسائل لرفع القيمة الغذائية، وأبرزها "التحصين الحيوي"، وهو مجموعة تقنيات وأساليب تضيف المغذيات مباشرة إلى النباتات للتخفيف من الجوع الخفي. وقد يشمل التعديل الوراثي للنباتات، أو تطوير أسمدة غنية بالمغذيات، أو الانتقاء لاستيلاد نباتات جديدة.
وتفيد منظمة الصحة العالمية بنجاحات أولية، منها الأرز المحصّن بالحديد الذي حسّن مستويات الحديد لدى النساء والأطفال في الفلبين والهند، والبطاطا الحلوة المحصنة بفيتامين "أ" التي خففت النقص في بلدان أفريقية عدة. غير أن علماء يرون أن هذا الحل بعيد عن الكمال، إذ قد يضر بالمحاصيل ويعزز التجانس الوراثي الذي قد يفضي إلى تفشي أمراض نباتية مدمرة.
ومع ذلك، تظل القاعدة القديمة سارية، فتناول الفاكهة والخضراوات ما زال صحيًا. لكن من المفيد أن نتذكر أنها، من الناحية الغذائية على الأقل، لم تعد خضراوات أجدادنا.