أعود للمرة الثانية إلى الكتابة عن رحلة فلاي دبي التي هبطت اضطرارياً في تبوك، بعدما شاهدت مقابلة الكابتن سميت ماتشار على سكاي نيوز عربية. أكتب بصفتي طياراً متقاعداً، أحترم القناة وأقدّر شهادة القائد المصاب، وأرى أن فهم كيفية النجاة مسؤولية تستحق متابعة صحفية تتجاوز سرد لحظات الخوف إلى تفسير ما حدث للطائرة.
للناجي أن يروي تجربته ضمن حدود ذاكرته، وللصحافة أن توضّح تلك الحدود. ففي تحقيقات الطيران، تُستكمل الشهادة الفردية بمسجّلي الصوت والبيانات، واتصالات المراقبة الجوية، وإفادات الطاقم، وفحص الطائرة. وتكمن قيمة هذه الأدلة في جمع الوقائع ضمن تسلسل يمكن التحقق منه.
أعلنت النيابة العامة الإماراتية في التاسع من أكتوبر أن مساعد الطيار اعتدى على القائد بفأس الطوارئ، وأن قائد رحلة العودة ومساعده استعادا السيطرة وهبطا بالطائرة، بعد تدخل شارك فيه أحد أفراد الضيافة وركاب. يحدد البيان أدواراً أساسية، لكنه لا يشرح بالتفصيل تطور حالة الطائرة أثناء المواجهة.
هنا تبدأ الأسئلة الفنية. ما آخر حالة مستقرة للطائرة قبل الاعتداء؟ ومن كان يتولى الطيران ومن كان يراقب؟ وهل بدأ النزول قبل التدخل الجسدي أم خلاله؟ إن تحديد توقيت الاعتداء وتغير المسار واستعادة التحكم ضروري لفهم العلاقة بينها، وتجنب افتراض أسباب لم تثبتها التسجيلات.
ويحتاج التحقيق إلى توضيح حالة أنظمة الطيران الآلي. هل كان الطيار الآلي والدفع الآلي يعملان؟ وهل تغيرت الأوضاع المختارة أو انفصل أحد النظامين؟ وما مدخلات التحكم التي سبقت النزول؟ لا يمكن الإجابة من شكل المسار وحده. وعندما يصف القائد انخفاض صوت المحركات وشعوره بالنزول، يصبح الاستيضاح مهماً لمعرفة ما إذا كان يتذكر مؤشرات الأجهزة أم يصف إحساساً سمعياً وجسدياً.
كذلك يستحق تسلسل فتح باب القمرة وإغلاقه توثيقاً يربطه بتوقيت وصول المساعدة. من شاهد كل مرحلة؟ وكم انقضى من الوقت حتى وصل الطيار الآخر إلى أدوات القيادة؟ يمكن توضيح ذلك من دون كشف إجراءات أمنية حساسة.
وتبقى شهادة الطيارين اللذين استعادا التحكم أساسية. ما الارتفاع والسرعة ووضعية الطائرة ومعدل نزولها عند تسلّمهما القيادة؟ وهل استجابت أدوات التحكم بصورة طبيعية؟ وما الإجراءات التي أعادت الاستقرار؟ وهل حدث تجاوز لحدود التشغيل أو ظهرت أضرار أثرت في الاقتراب والهبوط؟
منذ اليوم الأول، كنت آمل إتاحة شهادتهما في مؤتمر صحفي أو مقابلة متخصصة وحتى الآن، لم أجد رواية علنية تفصيلية منهما تشرح ما واجهاه وقد تقتضي ظروف التحقيق تأجيل ظهورهما، لكن توضيح ذلك يساعد على فهم سبب غياب شهادتين ضروريتين لاستكمال الصورة وتوثيق مساهمتهما.
وتحتاج أرقام فقدان الارتفاع المتداولة إلى تحديد مصدرها، سواء كان مسجّل بيانات الرحلة أم التتبع الخارجي. فمتوسط النزول يختلف عن أعلى معدل لحظي. كما ينبغي توضيح توقيت إبلاغ المراقبة الجوية والمساعدة المقدمة وأسباب اختيار تبوك وفق موقع الطائرة وحالتها والطقس والمطارات البديلة والحاجة الطبية.
هذه أسئلة أتمنى أن تستكمل بها سكاي نيوز عربية تغطيتها ولا أملك دليلاً يفسّر اختيارات الصحفية أو يبرر نسبة تعمّد إليها. لكن من المشروع سؤال القناة عن نطاق الحوار وما إذا كانت تعتزم متابعة الجوانب التشغيلية مع بقية الطاقم والمتخصصين. فالتركيز على تجربة الناجي الإنسانية يترك مجالاً لتغطية فنية مكمّلة.
ومتى تُتاح التفاصيل الموثقة؟ حتى التاسع عشر من أكتوبر، لم أجد في المصادر التي راجعتها موعداً معلناً لنشر تقرير فني تفصيلي وأفاد بيان النيابة باستمرار فحص الأدلة واستكمال التسجيلات والتقارير الفنية، من دون تحديد تاريخ لنشر النتائج.
لذلك نحتاج إلى تحديث يوضح ما إذا استُخرجت بيانات المسجّلين ووُحّدت توقيتاتها مع اتصالات المراقبة والشهادات واكتمل فحص الطائرة والمطلوب نشر النتائج اللازمة للفهم، مع حماية الخصوصية وسلامة التحقيق. فالتحقيق الجنائي يحدد المسؤولية والدافع، بينما يفسّر تحقيق السلامة تطور الواقعة وعوامل النجاة والتحسينات المطلوبة.
تستحق هذه الواقعة رواية مكتملة تستند إلى الأدلة وتحدد دور كل من أسهم في إنقاذ الطائرة ومن عليها. وهذا ما أنتظره من الصحافة وجهات التحقيق، أن توضّح كيف تحققت النجاة وما الدروس التي يمكن تحويلها إلى إجراءات تعزز سلامة الطيران.


