ليس هذا سؤالًا تقنيًا، ولا ينبغي أن يتحول إلى معركة بين الإنسان والآلة. فكل ثورة معرفية كبرى بدلت طبيعة العمل وطريقة التعلم، وفتحت أبوابًا بعدما أغلقت أخرى. الجديد هذه المرة أن التكنولوجيا لا تستبدل القوة العضلية فقط، بل تدخل إلى مساحات اعتدنا اعتبارها إنسانية بامتياز: الكتابة والتحليل والتصميم واتخاذ بعض القرارات والإبداع.
قد لا يكون الخطر الأكبر أن يفقد الإنسان عمله، بل أن يفقد بالتدريج بعض قدراته لأنه لم يعد مضطرًا إلى استخدامها. فالذاكرة تضعف إن لم نحتج إليها، والكتابة تصبح أكثر هشاشة إن أوكلنا كل صياغة إلى آلة، والقدرة على البحث والتحقق قد تتراجع إذا اعتدنا إجابة جاهزة تظهر أمامنا فورًا.
ويبدأ التحدي من المدرسة. ماذا يعني التعليم إذا أصبح الطالب قادرًا على الحصول على إجابة نموذجية خلال ثوانٍ؟ وهل يبقى من المنطقي أن نقيس معرفته بواجب يستطيع برنامج أن ينجزه عنه؟
ربما أصبح علينا أن نعيد السؤال من أساسه. لم يعد كافيًا أن نسأل الطالب: ماذا تعرف؟ بل: كيف عرفت؟ لماذا تصدق هذه المعلومة؟ هل تستطيع اكتشاف الخطأ؟ هل تعرف كيف تقارن بين رأيين؟ وهل تستطيع الدفاع عن موقفك أو تغييره عندما يظهر دليل أفضل؟
لهذا تركز اليونسكو في رؤيتها لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم على بقاء الفاعلية البشرية والتفكير النقدي والأخلاق في قلب العملية التعليمية، لا تحويل المتعلم إلى متلقٍّ لإجابات تنتجها الأدوات نيابة عنه. (UNESCO)
الأمر نفسه ينسحب على سوق العمل. بعض المهن ستتغير جذريًا، وبعض المهام الروتينية ستتراجع قيمتها، بينما ستزداد الحاجة إلى مهارات تجمع بين المعرفة التقنية والقدرات الإنسانية. وتوقعات سوق العمل العالمية تشير بالفعل إلى تغير كبير في المهارات المطلوبة خلال السنوات المقبلة، مع استمرار أهمية التفكير الإبداعي والمرونة والتعاون إلى جانب مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات. (World Economic Forum)
لكن المسألة ليست أن يتعلم الجميع البرمجة أو أن يتحول كل موظف إلى متخصص في الذكاء الاصطناعي. الأهم أن يعرف الإنسان كيف يعمل مع هذه الأدوات دون أن يسلمها عقله. الطبيب يستطيع الاستفادة من خوارزمية تقترح احتمالًا تشخيصيًا، لكن مسؤولية النظر إلى المريض بوصفه إنسانًا لا بيانات تبقى عليه.
على مستوى الكتّاب والمبدعين يجب التركيز على الصوت الشخصي والتجربة الحياتية المعاشة، وصياغة المعنى المستمد من المشاعر الصادقة والذكريات التي تتجاوز قدرة أي خوارزمية على المحاكاة.
وقد يكون أهم ما ينبغي أن نعلّمه لأبنائنا في عصر الذكاء الاصطناعي أمرًا قديمًا جدًا أن يمتلك الإنسان عقلًا لا يؤجره لأحد، وضميرًا لا يفوضه لآلة، وقدرة على أن يسأل قبل أن يصدق.
فالآلة تستطيع أن تجمع كل صور العالم، لكنها لن تتذوق جمال اللوحة. وتستطيع نظم البيانات أن تؤلف ألف قصيدة، لكنها لن تشعر بمرارة الفقد ولا بحلاوة اللقاء. القيمة الحقيقية للوجود الإنساني لن تكون في حجم ما نستهلكه من تكنولوجيا، بل في المساحة التي نصرّ على أن تظل مسكونة بالدهشة، وبالعاطفة الصادقة، وبالروح التي لا يُمكن ترميزها في شفرة برمجية.
فالسؤال القادم لن يكون ماذا تستطيع الآلة أن تفعل بدلًا منا؟
بل ما الذي يجب أن يبقى إنسانيًا، حتى لو استطاعت الآلة أن تفعله؟


