وتبدلت خلال هذه السنوات صورة الموارد الطبيعية، إذ اتسعت الضغوط على الأرض، والمياه، واشتدت آثار الجفاف والتصحر وتغير المُناخ.
وبين رقم قُدر قبل سنوات طويلة بنحو 205 ملايين دينار سنوياً لتكلفة التدهور البيئي في الأردن، وما يفرضه واقع البيئة الراهن من "خسائر متشابكة"، بقيت التكلفة الاقتصادية "الفعلية" لهذا التدهور خارج "الحسابات المنتظمة والمحدثة".
ورغم أن الأردن يمتلك "كماً كبيراً" من البيانات والدراسات "المتخصصة" التي تتناول المياه، والنفايات، والتنوع الحيوي، وتغير المُناخ، وجودة الهواء، إلى جانب تقييمات "أحدث" للمخاطر والهشاشة المُناخية، فإن هذه المعرفة ما تزال موزعة بين قطاعات ومؤسسات مختلفة، ولم تتحول "إلى حساب اقتصادي وطني دوري يحدد حجم الخسارة، وتوزيعها القطاعي".
ومع هذا المشهد، ووفق خبراء بيئيين، يصبح "غياب رقم محدث" لتكلفة التدهور البيئي أكثر من "فجوة اقتصادية"، إذ "يحرم" صانع القرار من "أداة" تقيس "حجم الخسائر" التي يمكن تجنبها، وأين ينبغي أن تذهب "الاستثمارات والتمويلات البيئية".
خدمات النظام البئي
وتُعدّ الخدمات التي يقدمها النظام البيئي من أهم الأسس التي يعتمد عليها الإنسان والمجتمع في تحقيق الرفاه الاقتصادي والاجتماعي، إذ لا تقتصر قيمة النظم البيئية على الموارد الطبيعية التي توفرها، بل تشمل مجموعة واسعة من "المنافع المباشرة وغير المباشرة"، وفق المستشار الإقليمي المنتخب في الاتحاد الدولي لصون الطبيعة (IUCN) عن منطقة غرب آسيا وعضو لجنة المشاريع والعلمية في الجمعية الأردنية لمكافحة التصحر وتنمية البادية م. خالد علي المرافي.
وتشمل هذه الخدمات، وفق قوله لـ"الغد"، خدمات الإمداد مثل توفير الغذاء والمياه، والأخشاب والموارد الطبيعية، والخدمات التنظيمية مثل تنقية الهواء والمياه، وتنظيم المناخ، والحد من الفيضانات وتعرية التربة وغيرها.
ولفت المرافي إلى أن هذه الخدمات ترتبط "ارتباطًا وثيقًا" بتكلفة التدهور البيئي؛ فعندما تتعرض النظم البيئية للتلوث، أو الاستنزاف، أو فقدان التنوع الحيوي، "تتراجع قدرتها" على تقديم خدماتها، ما يؤدي إلى "خسائر اقتصادية واجتماعية" قد لا تظهر بصورة مباشرة في البداية.
وأشار إلى أن تقدير تكلفة التدهور البيئي لا يقتصر على حساب قيمة الموارد الطبيعية "المفقودة"، وإنما يشمل أيضًا قيمة الخدمات البيئية التي فُقدت، والتكاليف التي يتحملها المجتمع نتيجة "تراجعها".
وبالتالي، وبحسبه، يمثل تقييم خدمات النظام البيئي "أداة مهمة" لفهم الآثار الاقتصادية للتدهور البيئي، ودعم السياسات التي تهدف إلى "حماية" الموارد الطبيعية، وتحقيق التنمية المستدامة.
وأضاف أن أهمية هذا الأمر تزداد في الأردن في ظل "محدودية" الموارد الطبيعية، و"الضغوط المناخية والبشرية"، ومنها الرعي الجائر، وسوء استخدام الأراضي، وتغير المناخ.
وأكد أن ثمة تقديرات سابقة لتكلفة التدهور البيئي في الأردن، أبرزها دراسة للبنك الدولي عام 2004، التي قدرتها بنحو 205 ملايين دينار سنويًا، أي ما يقارب 3% من الناتج المحلي الإجمالي آنذاك.
وتشير بعض البيانات إلى أن تدهور الأراضي وملوحة التربة "شكلا جزءًا" مهمًا من هذه التكلفة.
لكن هذه الأرقام، في رأيه، يجب أن تُقرأ باعتبارها تقديرات لسنة "مرجعية محددة"، وليست "سعرًا رسميًا ثابتًا" للتدهور البيئي يمكن تطبيقه على عام 2026.
واستند في رأيه إلى أن حجم الاقتصاد، وأسعار الموارد، واستخدامات الأراضي، والظروف المناخية تغيرت بصورة كبيرة منذ ذلك الوقت.
لكنه لم يغفل حقيقة أن الأردن يمتلك "بيانات وإحصاءات بيئية"، غير أن التحدي يكمن في تحويلها إلى مؤشر اقتصادي دوري للتدهور البيئي.
وضرب مثالاً على ذلك موضحا أن معرفة مساحة الأراضي "المتدهورة"، أو نسبة "انخفاض" الغطاء النباتي "لا تكفي وحدها"؛ بل يجب ترجمة هذه التغيرات إلى "خسائر اقتصادية" تشمل الإنتاج الزراعي، والمراعي، والمياه، والتنوع الحيوي والخدمات البيئية.
وذلك الأمر يتطلب، وفقه، تعاوناً مستمراً بين الجهات الحكومية والجامعات، ومراكز البحث، واستخدام البيانات الميدانية والاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية، وفق منهجية وطنية موحدة.
نقص المعلومات
وحذر المرافي من غياب رقم محدث حول التدهور البيئي لأنه يجعل من الصعب على صانع القرار معرفة حجم الخسائر في حال عدم الحد من المشكلات البيئية.
وأضاف إلى تلك التحذيرات أن نقص المعلومة قد يجعل مشاريع مكافحة التصحر، وإعادة تأهيل الأراضي تبدو وكأنها "تكلفة إضافية على الموازنة"، بدلاً من النظر إليها باعتبارها "استثمارًا يمنع خسائر مستقبلية".
ومن بين التحديات التي أوردها كذلك، الصعوبة التي ستواجهها الجهات المانحة والممولون "بتقييم العائد الحقيقي" لهذه المشاريع، وتحديد المناطق التي تستحق "الأولوية".
والمطلوب اليوم ليس دراسة جديدة "تنتهي في الأدراج"، وإنما "نظام وطني مستمر" لحساب تكلفة التدهور البيئي، مع "تحديثه دوريًا"، وربطه بالتخطيط الاقتصادي والموازنة العامة، بحسبه.
ودعا إلى أن يشمل هذا النظام قاعدة بيانات "موحدة" للأراضي، ومؤشرات للتصحر، والغطاء النباتي، وإنتاجية التربة، والمراعي والجفاف، إلى جانب تطوير "حسابات اقتصادية للنظم البيئية" وربطها تدريجيًا بـ"الحسابات القومية".
وأما مؤسسات البحث العلمي، فحثها على "توحيد" منهجيات القياس، وإنتاج مؤشرات قابلة للتحديث، بحيث يصبح لكل مشروع بيئي "خط أساس واضح"، و"مؤشرات تقيس حجم الخسائر" التي تم تجنبها.
إعداد الدراسات
منذ إعداد الدراسة السابقة لتكلفة التدهور البيئي، التي كان آخرها عام 2010، لم تجر "دراسة وطنية شاملة"، و"محدثة بذات المنهجية"، إلا أن العمل خلال السنوات الماضية تركز على إعداد عدد من الدراسات، والتقييمات المتخصصة التي تناولت القضايا البيئية ذات الأولوية، مثل المياه والنفايات، والتنوع الحيوي، وتغير المناخ، وجودة الهواء، وفق مساعد الأمين العام للشؤون الفنية في وزارة البيئة م. مها المعايطة.
وأرجعت المعايطة أسباب ذلك إلى أن احتساب تكلفة التدهور البيئي "بصورة دقيقة" يتطلب امتلاك "بيانات متكاملة"، و"محدثة"، من عدة قطاعات وجهات وطنية، وتبني "منهجية واضحة" "متفق" عليها على المستوى الوطني، ليصار إلى ربط الأثر البيئي بـ"الكلفة الاقتصادية والاجتماعية" المترتبة عليه.
ومن أحدث هذه الدراسات، التي تحدثت عنها، تقييم الهشاشة والمخاطر المناخية في الأردن، الذي يتناول المخاطر على المستوى الوطني والمحافظات، وشمل قطاعات المياه والزراعة، والأمن الغذائي والصحة، والتنوع الحيوي والنظم البيئية، والسياحة والمدن، والبنية التحتية.
وتشير النتائج فيه إلى أن شح المياه والجفاف يأتيان في مقدمة "المخاطر المناخية" التي تواجه المملكة، إلى جانب موجات الحر والفيضانات المفاجئة، والتصحر وتدهور النظم البيئية.
وهذه المخاطر، وفق المعايطة، لها انعكاسات تتجاوز الجانب البيئي لتصل إلى قطاعات الإنتاج والصحة، والأمن المائي والغذائي، والبنية التحتية والاقتصاد بشكل عام.
وتابعت قائلة: "اليوم، وفي ظل ما شهدته المملكة من متغيرات اقتصادية وبيئية ومناخية، وما يتوفر من دراسات وبيانات حديثة، أصبحت هناك حاجة إلى تحديث هذا النوع من الدراسات بصورة تعكس الواقع الحالي".
وهذا الأمر، بحسبها، بات "ضرورياً" خاصة مع توجهات رؤية التحديث الاقتصادي ومحرك البيئة المستدامة، التي تؤكد أن حماية البيئة، واستدامة الموارد الطبيعية "جزء أساسي من مسار التنمية والنمو الاقتصادي".
لكنها تؤكد أن البيانات والدراسات المتوفرة حاليًا تشكل "قاعدة مهمة" يمكن الاستناد إليها عند إعداد تقييم اقتصادي شامل، ومحدث لتكلفة التدهور البيئي.
ولفتت المعايطة إلى أن وزارة البيئة تؤكد أهمية "تحديث" دراسة تكلفة التدهور البيئي، خاصة أن الكثير من المعطيات "تغيرت" منذ إعداد الدراسة السابقة، سواء من حيث الضغوط على الموارد الطبيعية، أو آثار تغير المناخ، أو التوسع السكاني والعمراني، والأنشطة الاقتصادية.
إلا أن هذه الدراسة المحدثة، برأيها، يجب ألا "تنحصر" في تحديد رقم إجمالي للخسائر، بل لا بد أن توضح "التكلفة الاقتصادية" لكل قطاع، "وأثر التدهور البيئي" على الموارد الطبيعية والصحة، والإنتاجية والبنية التحتية، والقطاعات الاقتصادية.
ولا بد أن تشمل كذلك "الفوائد المتحققة" من الاستثمار في حماية البيئة والحد من التلوث، والتكيف مع تغير المناخ.
وشددت على أن وجود دراسة محدثة سيساعد الحكومة في تحديد القطاعات والقضايا "الأكثر أولوية"، وتوجيه الاستثمارات والتمويل نحو الإجراءات، والمشاريع التي تحقق "أثرًا بيئيًا واقتصاديًا كبيراً"، و"تعزز التحول" نحو الاقتصاد الأخضر، واستدامة الموارد.
أهمية التنوع الحيوي
تعد معرفة التكلفة الاقتصادية لتدهور التنوع الحيوي، من وجهة المختص في التنوع الحيوي إيهاب عيد، مسألة في غاية "الأهمية" كونها تعد "أداة رئيسة" في عملية صنع القرار، وتساعد في مقارنة تكلفة حماية الطبيعة بتلك الاقتصادية والاجتماعية التي قد يتحملها الأردن مستقبلاً نتيجة "فقدانها"، وهذا ما ينقل التنوع الحيوي من كونه "ملفاً بيئياً فقط" إلى اعتباره "جزءاً" من الأمن الاقتصادي والمائي، والغذائي للدولة، بحسب تصريحاته لـ"الغد".
ويرى عيد أن متوسط تكلفة التدهور البيئي الصادرة عن تقرير البنك الدولي "رقماً متواضعاً جداً" في حال احتساب قيمة التنوع الحيوي وخدمات النظم البيئية وبشكل أكثر شمولية.
وأعطى مثالاً على ذلك بأن القيمة الاقتصادية السنوية للإنتاج الزراعي العالمي المرتبط مباشرة بخدمة واحدة فقط من خدمات النظم البيئية، وهي التلقيح، تُقدّر ما بين 235 و577 مليار دولار، لافتا إلى أن تلك القيمة لا تشير فقط إلى "فقدان الأنواع"، بل "للخدمات التي تقدمها الطبيعة دون مقابل"، مثل حماية التربة، وتنظيم المياه، والتلقيح، وتخزين الكربون، ودعم السياحة والإنتاج الزراعي، إلى جانب تعزيز القدرة على مواجهة آثار التغير المناخي.
ولذلك، فإن عيد يعتقد أن المشكلة الأساسية تكمن في "عدم" توفر أرقام كافية للتدهور في التنوع الحيوي، يمكن لصانع القرار الاستناد إليها، والناتجة عن "انعدام" إيلاء هذا الملف الأهمية الكافية".
وشدد على أن عدم توفر معلومات عن قيمة خدمات النظم البيئية وخسارتها يبقي تكلفة تدهورها "خفية" وغير ظاهرة، الأمر الذي "يضعف" معه قدرة الأردن على ترتيب الأولويات، وتخصيص الموازنات، وإقناع متخذ القرار بالعائد الاقتصادي للاستثمار في الطبيعة.
ولا يقف الأمر عند ذلك الحد، بحسبه، بل إن نقص المعلومات "يضعف" من قدرة مؤسسات المجتمع المدني، والباحثين على بناء مشاريع قائمة على "أدلة اقتصادية قوية"، ويجعل المقارنة بين مشاريع التنمية وخيارات حماية واستعادة النظم البيئية "غير مكتملة".
ورغم وجود تقديرات سابقة لتكلفة التدهور البيئي، لكنها وفق تأكيداته لا "تعكس حقيقة" تكلفة "فقدان" التنوع الحيوي بحد ذاته، كما أن دراسة البنك الدولي تتسم بوجود "فجوات ومحددات" مرتبطة بالبيانات ونطاق التقييم.
ولا يعتقد عيد أن نقص البيانات يتعلق "بعدم إدراك" أهمية حساب كلفة التدهور البيئي، وإنما بعدم تحويل تلك التكلفة وقيمة رأس المال الطبيعي إلى إجراء عملي وطني ومؤسسي ودوري، لأسباب عدة.
وأجمل هذه الأسباب بعدم إعطاء ملف التنوع الحيوي "الأولوية الكافية" مقارنة ببعض المشاريع الاستثمارية الأخرى، إلى جانب "تشتت" البيانات بين المؤسسات، وعدم "انتظام" المعلومات البيئية، و"محدودية" الربط بين المؤشرات البيئية والاقتصادية.
ومن بين الأسباب الأخرى التي أوردها، "ضعف" القدرات المتخصصة في الاقتصاد البيئي وتقييم خدمات النظم البيئية، فضلا عن "انغلاق" بعض المؤسسات العاملة في هذا المجال على نفسها، وعدم تطبيق مفهوم "التشاركية والإشراك" الحقيقي للمختصين، والخبراء بالقدر المطلوب.
وأعرب عن أسفه من استمرار اعتماد ما أسماه "بالنهج المعتاد" لقياس التنوع عبر أعداد الأنواع المهددة، ومساحات المحميات وحالة الموائل.
ورغم عدم إغفاله لأهمية هذه المؤشرات، لكنه يراها "غير كافية" لإقناع وزراء المالية أو التخطيط، أو حتى رئيس الوزراء، على سبيل المثال لا الحصر، بما يعنيه فقدان نظام بيئي معين من الناحية الاقتصادية، وكم سيكلف استبدال الخدمات التي كان يقدمها.
ودعا للاستفادة من الإستراتيجية الوطنية للتنوع الحيوي وخطة العمل التي أقرتها رئاسة الوزراء لتطوير "حسابات وطنية" لرأس المال الطبيعي، وخدمات النظم البيئية، وربطها بالتكلفة الاقتصادية الوطنية.
وحث الجهات الحكومية على إجراء "تقييم دوري" لتكلفة التدهور البيئي وفقدان التنوع الحيوي، بدلاً من الاعتماد على دراسات "متباعدة زمنياً"، والانتقال من مبدأ العمل المؤسسي "المنفرد" إلى عمل "وطني جماعي وتشاركي"، تتفق فيه الجهات المعنية على آلية ومنهجية "موحدة" لجمع البيانات وتحليلها وتحديثها.
وشدد على أهمية تعزيز الاستثمار في البحث العلمي طويل الأمد وقواعد البيانات، وتحويل المعلومات البيئية إلى مؤشرات اقتصادية يستطيع متخذ القرار استخدامها، وأن تدرج ضمن الموازنات، ودراسات الجدوى، وتقييم الأثر البيئي، وقرارات الاستثمار.
الغد