في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الكنيست ملقيا خطابا بمناسبة أداء اليمين الدستورية لحكومة الطوارئ التي تشكلت عقب اندلاع الحرب على غزة، وختمه بالتعهد بأن تحقق إسرائيل "النصر المطلق" في حربها، وفي مطلع عام 2024 عاد ليكرر المضمون نفسه حيث تعهد بمواصلة الهجوم على القطاع حتى تحقيق النصر المطلق.
وقد أصبح هذا المصطلح الشعار الأكثر حضورا في خطاباته وتصريحاته أثناء سلسلة الحروب التي شنها في غزة ولبنان وإيران، كما اتخذه مبررا لرفض أي وقف مستقر لإطلاق النار قبل تحقيق أهداف الحرب التي ينشدها، ووفق ذات المسار، أعلن الرئيس الأمريكي ترامب في يونيو/حزيران 2026 أن "أسعار النفط ستنهار عندما يعلن النصر المطلق على إيران قريبا جدا".
للوهلة الأولى يبدو معنى "النصر المطلق" بديهيا، فهو يستحضر صورة جيش يفرض إرادته على خصمه بعد تدمير قدراته العسكرية، وإجباره على الاستسلام غير المشروط، لكن اللافت أن هذا المفهوم يثير قدرا كبيرا من الجدل بين مؤرخي الحروب ومنظري الإستراتيجية العسكرية، فهل تحقيق النصر المطلق ممكن حقا؟ أم أن القادة السياسيين يستخدمون تعبيرا تبدو جاذبيته الخطابية أكبر من دقته العسكرية؟
"أطراف الحرب تتحدث عن النصر المطلق، بينما تشير الوقائع على الأرض إلى نتائج أخرى"
تبرز أهمية هذه الأسئلة في ضوء مجريات الصراعات الطاحنة من حولنا، فالحرب الروسية الأوكرانية دخلت عامها الخامس دون أن ينجح أي طرف في فرض إرادته على الآخر، ولم تؤدِ الحرب الإسرائيلية على غزة إلى حسم الصراع سياسيا، ووصلت المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران إلى مذكرة تفاهم تمهد لاتفاق نهائي ثم عادت المناوشات دون إسقاط النظام الإيراني أو فرض استسلامه، وفي جميع هذه الحالات، بدا أن أطراف الحرب تتحدث عن النصر المطلق، بينما تشير الوقائع على الأرض إلى نتائج أخرى.
هذا الجدل ليس جديدا، فقد انشغل به عدد من أبرز الباحثين في دراسات الحرب ممن ناقشوا ما إذا كان مفهوم النصر يتحقق بتدمير جيش الخصم واحتلال أراضيه أم بتحقيق الغاية السياسية التي شُنت الحرب من أجلها، وإن بقي الخصم قادرًا على مواصلة القتال. كما بحثوا مدى صلاحية نموذج "النصر المطلق" لفهم الحروب في القرن الحادي والعشرين.
الحرب العالمية الثانية.. نموذج النصر المطلق
ارتبط مفهوم النصر عبر التاريخ بإجبار الخصم على قبول شروط المنتصر، دون أن يستلزم ذلك القضاء نهائيا عليه، لكن الحرب العالمية الثانية رسخت في الوعي الغربي تصورا مختلفا، فقد انتهت باستسلام ألمانيا النازية واليابان استسلاما غير مشروط، واحتلال أراضيهما، وإعادة بناء نظاميهما السياسيين، ومن ثم أصبحت تلك التجربة النموذج الذي تُقاس عليه نتائج الحروب اللاحقة.
ويلفت كولن غراي، أستاذ السياسة الدولية والدراسات الإستراتيجية الراحل، إلى الأثر العميق الذي تركته تلك الحرب في التفكير الإستراتيجي الغربي، ففي دراسته المنشورة بعنوان "تعريف وتحقيق النصر الحاسم" الصادرة عن كلية الحرب التابعة للجيش الأمريكي، يقول إن صورة استسلام ألمانيا النازية أو توقيع اليابان على وثيقة الاستسلام شكلت توقعاتنا للحرب"، وبالتالي بات مفهوم النصر المطلق يقوم على وجود طرف مهزوم تمامًا، يقبل شروط السلام التي يفرضها المنتصر.
لكن غراي الذي عمل مستشارا لكل من الحكومتين الأمريكية والبريطانية، يرى أن هذا التصور يعكس تجربة تاريخية استثنائية أكثر مما يقدم قاعدة عامة للحروب، فحروب القرن الحادي والعشرين اتسمت بسمات مختلفة، منها أنها أصبحت أقرب إلى صراعات الاستنزاف التي تتراكم فيها المكاسب والخسائر، دون أن ينجح أي طرف في القضاء على إرادة خصمه. والحقيقة أن الوقائع تؤكد صحة هذه النظرة، فعندما غزت روسيا أوكرانيا عام 2022، توقعت موسكو إسقاط الحكومة الأوكرانية خلال أيام، بينما راهن الغرب على أن تؤدي العقوبات الاقتصادية إلى إنهاك روسيا وإجبارها على التراجع. وبعد سنوات من القتال، لم يتحقق أي من هذين التصورين، ومضت الحرب في مسار يكبد فيه كل طرف الطرف الآخر خسائر جمة.
"حروب القرن الحادي والعشرين أصبحت أقرب إلى صراعات الاستنزاف التي تتراكم فيها المكاسب والخسائر، دون أن ينجح أي طرف في القضاء على إرادة خصمه"
وينطبق الأمر ذاته على الحرب الإسرائيلية على غزة، فرغم التفوق العسكري الإسرائيلي الهائل، وما تعرض له القطاع من دمار غير مسبوق، لم ينته الصراع، وتعثرت خطة التهجير، وبقيت الأسئلة المتعلقة باليوم التالي للحرب دون إجابة. وهو ما يؤكد أن التفوق العسكري، مهما بلغ حجمه، لا يكفي وحده لتحقيق النتيجة السياسية التي يسعى خلفها الطرف المنتصر. ومن هنا برز سؤال عن المعايير التي يمكن من خلالها القول بأن دولة ما انتصرت؟
الإجابة عن هذا السؤال دفعت منظري الإستراتيجية إلى التمييز بين النصر العسكري، والنجاح السياسي، والنجاح الإستراتيجي، وهي التفرقة التي أصبحت أساسًا لفهم نتائج الحروب الحديثة.
السر في فيتنام.. لماذا لا يكفي النصر العسكري؟
رغم أن الحروب تُخاض في ساحات القتال، فإن نتائجها النهائية لا تُحسم فيها وحدها، فقبل نحو قرنين، وضع المنظر البروسي كارل فون كلاوزفيتز الأساس الذي قامت عليه معظم الكتابات اللاحقة عن الإستراتيجية عندما أكد أن "الهدف السياسي هو الذي يحدد الهدف العسكري المراد تحقيقه ومقدار الجهد المطلوب"، فالحرب في نظره هي أداة تستخدمها الدولة لتحقيق غرض سياسي، ولهذا فإن قيمة أي انتصار عسكري تُقاس بقدرته على خدمة هذا الغرض، وليس بحجم الخسائر التي ألحقها بالعدو.
ويصيغ أستاذ العلاقات الدولية البريطاني هيو ستراكان ذات الفكرة من زاوية أخرى، ففي دراسة نشرها في عام 2026 بمعهد البحوث الإستراتيجية التابع لوزارة القوات المسلحة الفرنسية بعنوان "كيف تنتهي الحروب؟" يقول: "إن بدء الحرب أسهل بكثير من إنهائها"، ويضيف أن هذه الحقيقة البديهية تكشف أن إنهاء الحرب عادة ما يكون عملية طويلة الأمد، وعرضة للتقلبات والتغيرات، وقد تؤدي أحيانا على المدى القصير إلى التصعيد والمزيد من العنف، ومع ذلك، تنتهي جميع الحروب في نهاية المطاف، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل القادة عند اندلاع الحرب ما الشروط التي ستدفع الخصم إلى قبول إنهائها.
"وجهت إسرائيل ضربات قاسية إلى إيران، لكنها فشلت في تحقيق أهدافها الإستراتيجية، وخرجت من المعركة أضعف مما دخلتها"
هذا المعنى دفع المعلق العسكري الإسرائيلي يوآف ليمور لأن يكتب في صحيفة يسرائيل هيوم بعد توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية مقالا بعنوان "النصر العسكري الإسرائيلي تحوّل إلى فشل إستراتيجي"، مضيفا: "وجهت إسرائيل ضربات قاسية إلى إيران، لكنها فشلت في تحقيق أهدافها الإستراتيجية، وخرجت من المعركة أضعف مما دخلتها، أما إيران، فعلى الرغم من الضربات غير المسبوقة التي تلقتها، فقد خرجت من الحرب أقوى مما كانت عليه قبل اندلاعها".
ولذا يشرح كولن غراي أن النصر يمكن النظر إليه على ثلاثة مستويات مختلفة، فعلى المستوى العملياتي، قد يحقق جيش ما انتصارا يحسم حملة عسكرية معينة دون أن ينهي الحرب، وعلى المستوى الإستراتيجي، يكون النصر هو الذي يحدد أي طرف سيفوز بالحرب عسكريا، أما على المستوى السياسي، فإن النصر الحقيقي هو الذي يسمح بفرض تسوية تحقق الأهداف التي شُنت الحرب من أجلها. ويشير غراي إلى أن الكثير من القوى الأضعف عسكريا نجحت في تحدي خصوم يفوقونها قوة، لأنها استثمرت في قدرات نوعية ترفع تكلفة الحرب عليهم، وجعلت استمرارها سياسيا واقتصاديا أكثر صعوبة.
"النصر يمكن النظر إليه على ثلاثة مستويات مختلفة"
وتعد حرب فيتنام المثال الأبرز على هذه المفارقة. فقد امتلكت الولايات المتحدة تفوقا ساحقا في القوة الجوية والبحرية والقدرات النارية، وحققت نجاحا في جل المعارك العسكرية، لكنها لم تتمكن من كسر الإرادة السياسية لخصمها، فهانوي رفضت اعتبار خسائرها العسكرية هزيمة سياسية، وواصلت القتال. ومع تصاعد الخسائر الأمريكية وتنامي المعارضة الشعبية داخل الولايات المتحدة، أصبح الرأي العام عنصرا مؤثرا في مسار الحرب، وانتهى الأمر بانسحاب القوات الأمريكية من فيتنام.
وتكررت المفارقة ذاتها بعد عقود في العراق وأفغانستان. فقد نجحت الولايات المتحدة في إسقاط نظام صدام حسين خلال أسابيع، كما أطاحت بحكم طالبان في فترة وجيزة، لكن سرعان ما برزت حركات مقاومة واندلعت حروب عصابات طويلة الأمد استنزفت القوات الأمريكية، وأثبتت التجربتان أن إسقاط النظام الحاكم لا يعني بالضرورة بناء نظام سياسي مستقر أو انتهاء الصراع.
لماذا لا تحسم التكنولوجيا الحرب؟
أحيت حرب الخليج الثانية عام 1991 الاعتقاد بإمكانية تكرار نموذج الحسم العسكري الذي ساد في الحرب العالمية الثانية، فقد نجحت الولايات المتحدة في وقت وجيز في تدمير القسم الأكبر من القدرات العسكرية العراقية، وأظهرت مستوى غير مسبوق من استخدام الأسلحة الدقيقة، والاستطلاع الجوي، وأنظمة القيادة والسيطرة، حتى بدا أن التكنولوجيا قد حلت أخيرا معضلة الحرب.
وفي أعقاب تلك الحرب، ظهرت كتابات تتحدث عن "ثورة الشؤون العسكرية"، واعتبرت أن الدمج بين المعلومات والاستخبارات والأسلحة الذكية سيمنح الجيوش المتقدمة قدرة على تحقيق انتصارات حاسمة بأقل خسائر ممكنة، وأصبح هذا التصور أحد المرتكزات الأساسية للتفكير العسكري الأمريكي خلال تسعينيات القرن الماضي.
كان كولن غراي من أوائل من حذروا من المبالغة في هذا الاستنتاج. ففي عام 2002، كتب أن نجاح تجربة واحدة لا يكفي لبناء نظرية عامة في الحرب، وشدد على أن التكنولوجيا هي أحد أبعاد الإستراتيجية، لكنها ليست الأهم، فهي تمنح أفضلية دون أن تلغي طبيعة الحرب بوصفها صراعا بين إرادتين تتعلمان وتتغيران باستمرار. وخلص إلى أنه لا توجد صيغة سحرية للنصر، وأن منطق الصراع ينص على أن ما ينجح اليوم لن ينجح غدا بالضرورة.
"التكنولوجيا تمنح أفضلية دون أن تلغي طبيعة الحرب بوصفها صراعا بين إرادتين تتعلمان وتتغيران باستمرار"
وأوضح أن الخصم لا يقف ساكنا، إذ يتكيف باستمرار مع مصادر قوة عدوه، فالدول أو الجماعات التي تواجه خصما متفوقا ماديا لا تحاول عادة مجاراته في نقاط قوته، وتبحث عن وسائل غير متماثلة لتعويض هذا الاختلال، وهكذا ظهرت حرب العصابات، والطائرات المسيرة، والعبوات الناسفة، بوصفها وسائل تسمح للطرف الأضعف بفرض كلفة مرتفعة على خصمه دون الحاجة إلى امتلاك نفس مستوى قدراته.
وتؤكد الحروب المعاصرة هذه الحقيقة، فقد أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية كيف استطاعت المسيرات الرخيصة تهديد مطارات ومخازن ودبابات ومنظومات دفاع جوي باهظة التكلفة، كما كشفت المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران عن معضلة مشابهة، حيث فرضت الصواريخ الباليستية والمسيرات منخفضة الكلفة ضغوطا على منظومات الدفاع الصاروخي باهظة الثمن، ما طرح سؤال الكلفة والفاعلية في الحرب.
من يحدد معنى النصر؟
إذا كان المنظر البروسي سابق الذكر، كلاوزفيتز، قد ربط النصر بالغاية السياسية للحرب، فإن المؤرخ البريطاني جيريمي بلاك حذر من التعامل مع النصر باعتباره مفهوما ثابتا يصلح لكل زمان ومكان، بحجة أن تعريفه يتغير بتغير طبيعة الحرب والبيئة السياسية والثقافية، فالحروب ليست مباريات رياضية تنتهي بإعلان فائز وخاسر وفق قواعد متفق عليها، إنما هي صراعات تتداخل فيها الأهداف العسكرية مع الاعتبارات السياسية والاقتصادية والنفسية، وقد يعلن كل طرف أنه انتصر، رغم استمرار القتال أو عجز كل طرف عن فرض إرادته على خصمه.
ويفسر بلاك هذا التباين بالعودة إلى التاريخ، فالإمبراطوريات القديمة كانت تعتبر إخضاع الخصم وإجباره على دفع الجزية انتصارًا كافيًا، حتى وإن بقيت دولته قائمة. أما في العالم الحديث، ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد ترسخ تصور مختلف ربط النصر بإسقاط النظام السياسي للخصم وفرض الاستسلام غير المشروط عليه، حتى بدا هذا النموذج وكأنه المعيار لقياس نتائج الحروب.
"الطريقة التي تنظر بها كل حضارة إلى الحرب تؤثر في تصورها للنصر"
ويضيف المؤرخ الأمريكي فيكتور ديفيس هانسون بعدا حضاريا لهذا النقاش، إذ يرى أن الطريقة التي تنظر بها كل حضارة إلى الحرب تؤثر في تصورها للنصر، فالتقاليد العسكرية الغربية، منذ الإغريق، أولت أهمية خاصة للمعركة الفاصلة التي تنتهي بحسم جلي بين المنتصر والمهزوم، بينما عرفت حضارات أخرى أنماطًا مختلفة من الصراع، كان الهدف فيها إنهاك الخصم، أو استنزاف موارده، أو دفعه إلى التراجع، دون انتظار معركة واحدة تحسم الصراع، ولذلك فإن البحث عن تحقيق "النصر المطلق" يجسد، في جانب منه، تصورا تاريخيا وثقافيا غربيا، وليس قانونا عاما يحكم جميع الحروب.
ومن زاوية أخرى، يشدد الباحث الفرنسي ريموند آرون على أن "الفكر الإستراتيجي يستمد إلهامه في كل قرن، أو بالأحرى في كل لحظة من لحظات التاريخ، من المشاكل التي تطرحها الأحداث ذاتها". فما بدا بديهيًا في القرن التاسع عشر، أو حتى في منتصف القرن العشرين، ليس بالضرورة صالحًا لتفسير حروب القرن الحادي والعشرين، التي تتداخل فيها القوة العسكرية مع الضغوط الاقتصادية، والحرب السيبرانية، والصراع الإعلامي، والردع النووي، ودور الفاعلين من غير الدول.
ولهذا لم يعد من المستغرب أن تختلف الأطراف المتحاربة في إعلان من انتصر ومن هُزم، فقد ترى دولة أن نجاحها في احتلال أراضٍ معادية يمثل انتصارًا، بينما يعتبر خصمها أن مجرد صموده، أو منعه الطرف الآخر من تحقيق أهدافه السياسية، هو النصر الحقيقي. وقد يقيس طرف نجاحه بالحفاظ على نظامه السياسي، بينما يقيسه الطرف الآخر بحجم الخسائر التي ألحقها بخصمه أو بقدرته على ردعه مستقبلاً.
ومن ثم، فإن النصر ليس نتائج عسكرية ميدانية فقط، بقدر ما هو مفهوم سياسي وإستراتيجي يتحدد وفق الأهداف التي دخلت الأطراف الحرب من أجلها، والبيئة التاريخية التي تخوض فيها صراعها، وهذا يفسر لماذا أصبحت عبارة "النصر المطلق" أكثر حضورا في المزايدات والمساجلات السياسية منها في أدبيات الدراسات الإستراتيجية التي تميل إلى التعامل مع النصر بوصفه مفهومًا نسبيًا ومتغيرًا.
من النصر المطلق إلى النجاح الإستراتيجي
قاد هذا الجدل إلى نتيجة مفادها أن الاقتصار على مفهوم النصر المطلق غير كاف لتفسير نتائج الحروب الحديثة، ولهذا حذر غراي من الخلط بين النجاح العسكري والنجاح السياسي، باعتبار أن هذا الخلط يدفع الدول إلى رفع سقف أهدافها بصورة لا تتناسب مع ما تستطيع القوة العسكرية تحقيقه، ودعا إلى تطوير إطار للتحليل يركز بدلًا من النصر الحاسم على تقييم النجاح الإستراتيجي والميزة الإستراتيجية، بوصفهما معيارين أكثر قدرة على تفسير ما تؤول إليه الصراعات المعاصرة.
فالدولة، في كثير من الأحيان، لا تحتاج إلى تدمير خصمها أو إسقاط نظامه السياسي، ويكفيها أن تحقق وضعًا أفضل مما كانت عليه قبل الحرب، أو أن تمنع خصمها من تحقيق أهدافه، أو أن ترفع كلفة استمرار الصراع عليه، وينطلق هذا التصور من الفكرة التي أرساها كلاوزفيتز، ومؤداها أن قيمة الحرب تُقاس بمدى تحقيق الغاية السياسية التي شُنت من أجلها، فإذا كانت تلك الغاية محدودة، فقد يتحقق النجاح دون تدمير الخصم أو إسقاط نظامه السياسي، إنما عبر ردعه عن سلوك معين، أو حرمانه من تحقيق أهدافه.
ويوضح غراي هذه الفكرة بقوله إن "أغلب الأطراف المتحاربة تسعى إلى إنهاء الأعمال العدائية قبل وقت طويل من النقطة التي يتم فيها تفكيك قدرة العدو على المقاومة تمامًا"، فالحروب لا تنتهي عادة عندما يفقد أحد الطرفين آخر جندي أو آخر دبابة، وإنما عندما يصل إلى قناعة بأن استمرار القتال لن يحقق مكاسب إضافية تتناسب مع تكلفته، فالتسويات السياسية هي القاعدة التي انتهت إليها أغلب الصراعات.
"تنتهي الحروب غالبا عندما يصل أحد الطرفين على الأقل إلى قناعة بأن استمرار القتال لن يحقق مكاسب إضافية تتناسب مع تكلفته"
ولهذا فإن الدولة التي تبدأ الحرب من دون تصور محدد لشروط إنهائها، قد تحقق نجاحات عسكرية، لكنها تجد نفسها عاجزة عن تحقيق النتيجة السياسية المرجوة، ويضرب غراي مثالا توضيحيا بألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، فالانتصارات الخاطفة التي حققها الفيرماخت عامي 1940 و1941 ولّدت لدى القيادة النازية شعورا بأن الجيش الألماني لا يُقهر، وهو ما دفعها إلى شن عملية "بارباروسا" ضد الاتحاد السوفياتي، لكن النصر العسكري الحاسم على فرنسا أدى إلى سوء تقدير لقدرات الخصوم وإمكاناتهم الاقتصادية والبشرية، لينقلب في النهاية إلى أحد أسباب الهزيمة، ويستشهد بملاحظة ويليامسون موراي وآلان ميليت بأن احتلال باريس أوحى للألمان بأن كل شيء أصبح ممكنا، وهي قناعة ثبت لاحقا أنها كانت أحد أخطر أوهام الحرب.
ومن زاوية أخرى، يحذر هيو ستراكان من أن العديد من الخطط العسكرية تركز على سؤال واحد: كيف نهزم الجيش المعادي؟ بينما تُهمل السؤال الأكثر أهمية: ماذا سيحدث بعد ذلك؟ وكذلك يحذر المؤرخ العسكري البريطاني مايكل هوارد من أن أي سلام يقوم على إذلال الطرف المهزوم أو تجاهل مصالحه الرئيسية نادرا ما يكون سلامًا مستقرًا، لأن إنهاء القتال لا يعني بالضرورة إزالة أسباب الصراع، وهو ما يفسر عودة كثير من النزاعات بعد سنوات من إعلان انتهائها، ولذا النجاح الحقيقي يتمثل في بناء ترتيبات سياسية قادرة على تقليل دوافع العودة إلى الحرب، ما يجعل التسوية السياسية جزءًا من مفهوم النجاح الإستراتيجي.
"النصر العسكري لا يصبح حاسما سياسيا إلا إذا اختار الطرف المهزوم الاعتراف بنتيجته"
وتساعد هذه المقاربة على فهم الحروب الحالية بصورة جيدة. ففي الحرب الروسية الأوكرانية، لا يبدو أن أيا من الطرفين قادر على فرض استسلام على الآخر، ويسعى كلاهما إلى تحسين موقعه استعدادا لأي تسوية مستقبلية، وكذلك في المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، لم تنته العمليات العسكرية بإسقاط النظام الإيراني أو فرض استسلامه حتى الآن، إنما قد تنتهي باتفاق عبر عملية تفاوض شاقة سيحاول كل طرف من خلالها ترجمة ما حققه ميدانيا إلى مكاسب سياسية.
لذلك، حين تعهد بنيامين نتنياهو بتحقيق "النصر المطلق" في غزة، ثم استخدم ترامب المصطلح ذاته في حديثه عن إيران، بدا حديثهما امتدادا لمقاربة ترفع شعارات فضفاضة أقرب إلى لغة التعبئة السياسية، فالنصر المطلق الذي أبرزته الحرب العالمية الثانية كان ثمرة ظروف تاريخية وإستراتيجية استثنائية، أما حروب القرن الحادي والعشرين، فقد أظهرت أن التفوق العسكري، مهما بلغ حجمه، لا يضمن وحده تحقيق الغايات السياسية، وأن تدمير قدرات الخصم لا يعني بالضرورة إنهاء الصراع أو تحطيم إرادته على الصمود والقتال، وكما يقول غراي، فالنصر العسكري لا يصبح حاسما سياسيا إلا إذا اختار الطرف المهزوم الاعتراف بنتيجته.