في احدث التطورات المتعلقة بالانتفاضات الدولية ضد الإبادة والجرائم الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، يبدو اننا امام تطورات دراماتيكية حقيقية على هذا الصعيد، ف"إسرائيل" تواجه مقاطعة أكاديمية واسعة متزايدة غير مسبوقة، بينما يتم طرد العلماء الإسرائيليين من المجموعات البحثية وإنهاء التعاون معهم ومقالاتهم العلمية ترفض لأسباب سياسية و محاضرات الباحثين والعلماء الإسرائيليين يتم إلغاؤها في المؤتمرات، يضاف الى كل ذلك "ان عدد الجامعات والمؤسسات الأكاديمية حول العالم التي تعلن قطع علاقاتها مع الجامعات الإسرائيلية، في ظل الاتهامات بمشاركتها في سياسات الاحتلال والحرب على غزة في تزايد مستمر، وقالت صحيفة الغارديان البريطانية-2025-9-14: إن مؤسسات أكاديمية من أوروبا إلى أميركا اللاتينية انضمت إلى موجة المقاطعة، حيث ألغت جامعات في النرويج وبلجيكا وإسبانيا والبرازيل مؤتمرات وبرامج تعاون مع مؤسسات إسرائيلية، فيما أعلن اتحاد الأنثروبولوجيين الأوروبي رفضه التعاون مع أي جامعة إسرائيلية، كما أوقفت جامعة أمستردام برنامج التبادل الطلابي مع الجامعة العبرية في القدس، وشدد عدد من المؤرخين مثل إيلان بابيه على أن المقاطعة "رسالة ضرورية لتحميل الجامعات الإسرائيلية مسؤوليتها بوصفها جزءًا عضوياً من منظومة القمع"، بينما أشار الجراح الفلسطيني غسان أبو ستة إلى أن العديد من الباحثين في الجامعات الغربية يتخذون قرارات فردية بوقف التعاون مع نظرائهم الإسرائيليين نتيجة "الغضب الأخلاقي من الجرائم في غزة".
وقالت صحيفة هآرتس العبرية "ان الإبادة في غزة تُطارد إسرائيل ثقافيًا وأكاديميًا"،وأكدت الصحيفة -2025-12-17-"أن تداعيات الإبادة في غزة لم تنتهِ بالنسبة "لإسرائيل"، رغم توقف القتال وعودة النشاط الاقتصادي جزئيًا، فالمقاطعات الثقافية والأكاديمية ما تزال قائمة وتشكل تهديدًا مباشرًا"، وأشارت الصحيفة الى:" ان مقاطعة دول اوروبية لمسابقة يوروفيجن احتجاجًا على الإبادة شكّلت صدمة داخل الأوساط الإسرائيلية"، وأشارت كذلك الى "ان أكثر من ألف كاتب وشخصية أدبية عالمية أعلنوا مقاطعة المؤسسات الثقافية الإسرائيلية"، والى "مبادرات دولية لحظر الموسيقى "الإسرائيلية"، وانضمام ممثلين وصناع أفلام لحملات مقاطعة سينمائية"، والى ان الجامعات الإسرائيلية تواجه مقاطعات أوروبية علنية وأخرى "خفية”، تشمل رفض نشر أبحاث وعدم دعوتها لمؤتمرات"، وحذرت هآرتس من أن صورة "إسرائيل" في الأوساط الثقافية والأكاديمية التقدمية ما تزال شديدة السلبية، وان معارضة الحرب في الخارج تحوّلت في كثير من الحالات إلى معارضة لوجود الاحتلال نفسه"، وختمت بالقول:" ان الخطر الأعمق يتمثل في تآكل القوة الناعمة، وتهديد الابتكار والتعاون العلمي، واحتمال تسارع هجرة العقول".
وفي هذا السياق يأتي اعتراف رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو ب"أن إسرائيل باتت في عزلة سياسية دولية"في غاية الاهمية للإشارة الى المأزق الاسرائيلي المتفاقم دوليا، مضيفا"سيتعين علينا بشكل متزايد أن نتكيف مع اقتصاد الاكتفاء الذاتي، وهذه عبارة أكرهها، فأنا من مؤيدي السوق الحُر، وعملت من أجل جلب إسرائيل إلى ثورة السوق الحر، لكن يمكن أن نجد أنفسنا في وضع تكون فيه صناعات الأسلحة عندنا محظورة وسنضطر إلى تطوير صناعة أسلحة هنا، وسنضطر إلى أن نكون أثينا وإسبرطة كبرى، لا خيار أمامنا، وسنضطر في السنوات القريبة على الأقل الى واجهة محاولات العزل هذه، وما نجح حتى الآن، لن ينجح منذ الآن-وكالات والاعلام الاسرائيلي 2025/9/15".
إذن، هي جبهة حربية اخرى تعتبرها المؤسسة الاسرائيلية بكل عناوينها -الامنية-العسكرية –السياسية –الاعلامية –الاكاديمية وغيرها- اخطر جبهة تفتح ضد"اسرائيل" بعد العسكرية، بل انها جبهة تشكل تحديا وخطرا استراتيجيا على مستقبل تلك الدولة المختلقة، فاعتبرها نتنياهو "معادية للسامية"وقال فيها: "المتظاهرون يطالبون بالقضاء على إسرائيل، ويهاجمون الطلاب اليهود، ويهاجمون أعضاء هيئة التدريس اليهود، وهو ما يذكرنا بما كان يحدث في الجامعات الألمانية في الثلاثينيات- عربي بوست-رويترز: 2024/04/24"، بينما دعا وزير الجيش الإسرائيلي السابق يوآف غالانت إلى وقف المظاهرات الداعمة لقطاع غزة في الجامعات الأمريكية، وزعم غالانت في منشور عبر منصة "إكس"، أن "المظاهرات التي تشهدها الجامعات في الولايات المتحدة ليست معادية للسامية فحسب، بل هي أيضاً تحريض على الإرهاب"، ودعا "السلطات في الولايات المتحدة الأمريكية إلى التحرك، من أجل حماية اليهود ووقف المظاهرات في الجامعات"، فيما ادعى وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير أن "يهود الشتات يعانون حالياً من موجة شديدة من معاداة السامية في المجتمعات والجامعات في الولايات المتحدة وأوروبا والعالم"، وأضاف بن غفير في منشور عبر منصة "إكس": "طلبتُ من قائد الشرطة يعقوب شبتاي صياغة خطة مساعدة، لإنشاء قوات دفاع محلية من شأنها حماية الجاليات والمؤسسات اليهودية في الخارج، من خلال الدعم المهني، بما في ذلك خطة تدريب وتقديم استجابة تكنولوجية لعمليات التأمين".
ناهيكم عن سلسلة اخرى من الكتابات والتعليقات الاسرائيلية التي تعتبرها بمثابة زلزال يضرب المكانة الاسرائيلية-الصهيونية في الولايات المتحدة...!
الى جانب ذلك، تواجه إسرائيل حملة مقاطعة أكاديمية غير مسبوقة على مستوى الجامعات والمؤسسات الاكاديمية الامريكية والبريطانية خاصة، والاوروبية بشكل عام، وتتصاعد هذه الحملة مع مرور الوقت، وفي سياق ذلك يتم طرد العلماء الإسرائيليين من المجموعات البحثية وإنهاء التعاون معهم كما يتم رفض مقالاتهم العلمية ، وبينما يتم الغاء محاضرات الباحثين والعلماء الإسرائيليين في المؤتمرات.
وهناك شبه اجماع اسرائيلي على انها جبهة تمهد الى حد كبير ل"نزع الشرعية الاممية عن اسرائيل"، وهناك قلق وهلع وهواجس وجودية اخذت تتفاقم وتتسيد الجدل السياسي الاسرائيلي في ظل هذا المناخ الدولي الاممي الناهض المناهض ل"اسرائيل المجرمة"، ول"اسرائيل العنصرية -دولة الابتهايد- في العالم"، واخذت هذه الهواجس تنعكس تباعا في ادبياتهم السياسية على نحو متصل..فالمظاهرات والمسيرات والاعتصامات وقوافل التضامن المليونية مع غزة والشعب الفلسطيني التي تتواصل منذ اكثر نحو سبعة شهور ، تحولت الى جبهة اعلامية اخلاقية قانونية تثير القلق والرعب لدى المؤسسة الصهيونية، وخاصة في بعدها الاخلاقي والقانوني، وكذلك الحملات الشعبية المدنية التضامنية مع فلسطين، التي انتشرت على امتداد المساحة الامريكية- الاوروبية، ترعب من جهة ثانية الدولة الصهيونية.
الى كل ذلك، لو أخبرك أحدهم قبل سنوات قليلة أن الكوكب بأسره سيتوحد ضد الكيـ.ـان، لظننت أنه يهذي، لكن ما نعيشه اليوم ليس حلمًا للتسلية؛ إنه تاريخ يُكتب بالأفعال، من كندا إلى إسبانيا، ومن تركيا إلى كوريا، وصولاً إلى بولندا وأيرلندا، والتفاصيل هنا كثيرة لا حصر لها.
فالاجماع السياسي الامني الاكاديمي والاعلامي الاسرائيلي، ان الفلسطينيين ومعهم حلفاؤهم في العالم، نجحوا في فتح جبهة جديدة- جبهة الحراكات الطلابية وجبهة شرعية وجود اسرائيل- لم تعهدها "اسرائيل" على مدى عقود عمرها الماضية، ولم تكن واردة في حساباتهم بانها ستشكل تهديدا استراتيجيا لمستقبل دولتهم، الى جانب التهديدات الاستراتيجية، وهي كثيرة ومتشعبة.
فهاهو رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو يعلن في اقرب تصريح له"إن إسرائيل تتعرض لهجمات تهدف إلى نزع الشرعية عن مجرد وجود الدولة والسيادة اليهودية والحدود"، متطرقا إلى تصريحات ايقونة الاعلام الامريكي على مدى ستين عاما هيلين طوماس، التي دعت اليهود للعودة إلى بولندا أو المغرب، وقال"إن هذه هي دولة اليهود، وأن هذه التصريحات تعني تفكيك المشروع الصهيوني/ "، والكاتب أري شافيت يقول في"هآرتس " ان نزع الشرعية هو التحدي الوجودي الاكبر لاسرائيل"، مضيفا:"انها حرب قانونية لم نشهدها مع الفلسطينيين من قبل"، ويقول الجنرال احتياط عاموس جلبوع في معاريف -"ان هناك اربعة جبهات ضد اسرائيل يوجد بينها اتصالات متبادلة: المعركة الاعلامية، المعركة القانونية، المعركة السياسية- التي وصلت ذروتها بالاعتراف الاممي بالدولة الفلسطينية-، واخيرا، المعركة الاقتصادية-بالمقاطعة الفلسطينية للبضائع الاسرائيلية، وكذلك بالحملة الشعبية والرسمية الاوروبية لمقاطعة بضائع المستعمرات اليهودية-"، ونضيف من جهتنا جبهة خامسة وهي العسكرية التي يسجل فيها الفلسطينيون انجازات صمودية في وجه اعتى آلة حربية اجرامية على وجه الارض، ثم يعود جلبوع بعد نحو ستة شهور ليكتب في معاريف، الغاية البعيدة لهذه الحرب هي اسقاط اسرائيل عن خريطة دول العالم، أو على الأقل جعل دولة اسرائيل تكف عن كونها دولة يهودية ذات سيادة، والغايات المتوسطة لها اثنتان: الاولى شيطنة الدولة بواسطة العيب الذي لا ينقطع عليها، بحيث تفقد الدولة شرعيتها الدولية؛ والثانية الافضاء الى أن تفقد اسرائيل بالتدريج قدرتها على الدفاع عن نفسها وان تفرع يديها تسليما سلفا في مواجهة كل عدوان عنيف وتقبل املاءات استسلام مختلفة"، ويؤكد المحلل ألوف بن في هآرتس "ان الانتفاضة البيضاء الفلسطينية تسعى الى عزل إسرائيل دولياً"، ويلحق بهم دوري غولد في اسرائيل اليوم- قائلا:" ان المعركة في مواجهة سلب الشرعية الاسرائيلية شرسة"، ويوثق معهد رئوت في دراسة له"ان الاحتجاجات ضد إسرائيل في العالم تزعج الإسرائيليين ويعتبرونها تهديدا استراتيجيا ".
وبناء على كل ذلك نعتقد ان على كافة القوى الحية في العالم ان تحشد المزيد من طاقاتها باتجاه واحد: تزع الشرعية الدولية-الاممية عن اسرائيل المارقة المجرمة....!
