ماذا لو بقيت الترمبية بعد ولاية ترمب؟

ماذا لو بقيت الترمبية بعد ولاية ترمب؟
عادل درويش
أخبار البلد -  
ما اعتبره بعضٌ مجردَ خلافٍ شخصيّ عابرٍ بين الزعيمِ البريطاني كير ستارمر والرئيسِ الأميركي دونالد ترمب، يراه آخرون بدايةَ تحوّلٍ في طريقةِ نظر بريطانيا وأوروبا والولايات المتحدة إلى السياسةِ الدولية وموازينِ القوة.

ستارمر ينطلقُ من عقليةٍ أوروبية: تعددية، نصوص قانونية، ومؤسسات. في بروكسل وكوبنهاغن، تُبحث غرينلاند بلغةِ السيادة وحقِ تقرير المصير والاتفاقيات الدولية. وفي واشنطن، يدور النقاشُ حول المعادنِ والممراتِ البحرية والقوة الصلبة. ثقافتان استراتيجيتان تتباعدان عن بعضهما.

بريطانيا عالقةٌ في المنتصف منذ «بريكست»، تحاول إقناع أوروبا بأنَّها الشريكُ الأمني الأقرب لها، وفي الوقتِ نفسِه الحليفُ الأكثر خصوصيةً لواشنطن. غرينلاند كشفت عن صعوبة الحفاظ على هذا التوازن، فالأوروبيون لا يختلفون مع الأميركيين على الوسائل فحسب، بل على تعريف المصالح نفسها.

الجزيرة تحتوي على أكبرِ نسبة من احتياطي الكوبالت العالمي، معدن أساسي في الصناعات الأميركية العسكريةِ المتقدمة، مثل الصواريخ وأنظمة التوجيه. ذوبان الجليد في القطب الشمالي فتح ممرات بحرية جديدة تسهل وصول الأسطول الروسي إلى الأطلسي؛ مما يفسر تحول غرينلاند إلى عقدة استراتيجية تمس أمن أوروبا وبريطانيا مباشرة. بينما يقرأ ترمب خريطة العالم بلغة القوة، لا بلغة الدبلوماسية.

ما يقلق الأوروبيين اصطدام منطق ترمب بثقافة ما بعد الحرب الباردة القائمة على القواعد والأعراف. لكن ناخبي ترمب يرونه رئيساً مستعداً للدفاع عن المصالح الأميركية بلا مواربة. هنا يكمن سوء الفهم المتبادل.

في مناقشات داوننغ ستريت مع الصحافيين بدا الارتباك واضحاً حتى أول من أمس (الجمعة)، يؤكدون أن الاتصالات مع البيت الأبيض «منتظمة». آخر مكالمة بين ستارمر وترمب كانت الأحد الماضي. ذهاب وزيرة الخارجية بدلاً عنه إلى دافوس زاد من القلق. التفسير الرسمي ترتيب الأولويات، وفعلياً خشي ستارمر حضور المنتدى ثم عدم الحصول على لقاء مع ترمب. فالغياب أقل تكلفة، سياسياً، من التجاهل.

في هذه الأثناء، أعلن ترمب عن تشكيل «مجلس السلام». الاسم جذاب، لكن جوهره تجميع النفوذ وصناعة العلاقات. بريطانيا ليست جزءاً منه. توني بلير شخصية عالمية، في الهيئة التنفيذية لا ممثلاً لبريطانيا. لندن خارج الغرفة، تراقب من الممر، فيما تُرسم الأولويات في الداخل.

داوننغ ستريت تُكرر للصحافيين التأكيد على التزام بريطانيا بالأمم المتحدة وميثاقها، ودورها في الدفع بتسوية في غزة. مواقف محترمة مبدئياً، لكنها تختلف عن رؤية أميركا للسياسة الدولية من منظور الصفقات والضغط لا مؤسسات القانون الدولي القائمة.

ظهر التناقض في جلسة البرلمان الأربعاء. بدا ستارمر حازماً في ملف غرينلاند، ومتهرباً من الإجابة عن سؤال عواقب قطيعة مع واشنطن.

تنافس نواب من أحزاب مختلفة على توجيه الإهانات لترمب، نائب عمالي وصفه بـ«البلطجي». ستارمر لم يناقضه، واكتفى بتكرار العبارات الآمنة عن التعاون الاستخباري والدفاعي مع أميركا.

ما غاب عن الخطاب هو التاريخ المشترك، والحروب التي خاضتها بريطانيا والولايات المتحدة جنباً إلى جنب. المشهد ذكّر بخطاب سينمائي شهير لرئيس وزراء بريطاني خيالي يتحدى رئيساً أميركياً، الفارق أن خطاب ستارمر افتقر إلى العمق، بينما المخاطر حقيقية.

مع استمرار تدني شعبية ستارمر وهجوم خمسة أحزاب برلمانية معارضة مختلفة، باتت السياسة الخارجية مسرحاً مريحاً لاستعراض الحزم، بعيداً عن أزمات الداخل. هذا الخلل لم يمر من دون استغلال.

زعيمة المعارضة كيمي بيدنوك تعاملت مع الملف بدهاء. مع الصحافيين دعت إلى التريث في الانضمام إلى «مجلس السلام»، وفي جلسة البرلمان كشفت عن ازدواجية معايير حكومة ستارمر: دعم حق تقرير المصير لغرينلاند، وحرمان سكان جزر تشيغوس منه. تجنبت الدفاع عن ترمب، وكشفت عن غياب الوضوح في سياسة الحكومة.

اتفاق جزر تشيغوس مع موريشيوس لم يُحسم بعد، فالتصديق على المعاهدة لا يزال يتنقل بين مجلسَي «اللوردات» و«العموم»، فالأول يدخل تعديلات أهمها حقوق السكان الأصليين، وهو ما ترفضه الحكومة. التأجيل يعمق صورة التردد.

التاريخ يقدم دروساً. في أزمة السويس 1956، افترض الزعيم البريطاني أنتوني إيدن موافقة واشنطن. لكن تَدخُل الرئيس أيزنهاور حوّل حملة عسكرية مضمونة إلى هزيمة سياسية أعادت رسم موقع بريطانيا في العالم.

من هذا المنظور، قد لا يكون ترمب استثناءً، فرؤيته تحيي مبدأ قديماً: مناطق نفوذ، موارد استراتيجية، رسائل للآخرين بعدم التدخل. وإذا كانت تلك المقاربة تُستعاد اليوم، فالأصح أن نضعها في إطار «مبدأ» لا «عقيدة» - كما عرفت السياسة الأميركية من قبل مبدأ مونرو ثم مبدأ ريغان.

وهنا يبرز السؤال الذي تتجنب لندن مواجهته: ماذا لو لم تكن «الترمبية» مرحلة عابرة؟ ماذا لو كان شعار «أميركا أولاً» تعبيراً عن تحول دائم؟ ترمب لا يزال يحظى بتأييد واسع، وكثير من أفكاره أصبحت جزءاً من التيار السائد في السياسة الأميركية.

إذا كان هذا هو الاتجاه، فلا يجب انتظار عودة «الوضع الطبيعي»، بل إعادة التموضع في عالم باتت فيه القوة أكثر صراحة، والعلاقات أكثر براغماتية. في هذا العالم، النوايا الحسنة لا تكفي، والمكانة تُقاس بالقدرة على التأثير لا بحسن السلوك.

قد يحقق ستارمر مكاسبَ تكتيكية هنا أو هناك. لكن الاستراتيجية لا تُقاس بلحظة، بل بالمسار. وإذا تحولت «الترمبية» إلى مبدأ مثل «مونرو»، فستحتاج بريطانيا إلى أكثر من لغة أوروبية توافقية للإجابة عن سؤال يفرض نفسه على الحسابات الأطلسية: ماذا لو بقيت «الترمبية» بعد ترمب؟
شريط الأخبار استطلاع: تراجع فتح وحماس وصعود القوائم المستقلة.. البرغوثي والمصري في صدارة الخيارات الانتخابية وفيات الخميس 15-10-2026 تشخيص البابا ليو الرابع عشر بالسرطان يثير قلقاً في الفاتيكان عم معالي عمر ملحس رئيس مجلس استثمار أموال الضمان الاجتماعي في ذمة الله محافظ المركزي الإيراني: الحديث الأميركي عن انهيار اقتصادنا مجرد أوهام الحوثيون يتوعدون بمزيد من الهجمات على السعودية بعد استهداف مقر أرامكو إصابة 15 مغربيا بالعمى في طنجة إثر حقن علاجية والسلطات تفتح تحقيقا عاجلا بحث تنفيذ مشروع لرقمنة 23 خدمة لوزارة الأوقاف كم سيستغرق التحول الرقمي الكامل في المحاكم الأردنية؟... وزير العدل يجيب صمت الكباريتي كلام فصيح! ولي العهد يؤكد أهمية مواصلة تطوير خدمات وزارة العدل الأردن يتقدم للمرتبة الـ6 عربيا في المؤشر العربي للاقتصاد الرقمي ارتفاع فاتورة التقاعد نحو 3% خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 إصابة مقيم عربي جراء سقوط شظايا صاروخ باليستي في الرياض 17.4 مليون حجم التداول في بورصة عمان الاتحاد الاردني لشركات التأمين يكرم "اخبار البلد" في مؤتمر GAIF 35 3 إصابات في انفجار مصنع جنوب "إسرائيل" ومخاوف من تسرب مواد خطرة بريطانيا: سجن أردني 72 أسبوعاً بعد ارتكابه 17 جريمة خلال عشرة أيام فراس سلطان الممثل السابق للقطاع المالي في تجارة الاردن مؤتمر (GAFI 35) نجح بامتياز والاتحاد الاردني وسميرات "ببيضوا الوجه" ارتفاع عدد المؤمن عليهم في الضمان إلى أكثر من 1.7 مليون مشترك