أخبار البلد - هديل الروابدة
"جلسة" وُصفت بأنها من أكثر الجلسات عصفاً وجدلاً في تاريخ مجلس النواب الثامن عشر ، لما حملته من نتائج على رأسها إلغاء المادة 308 والتي اعتبرها نشطاء وفاعلين في المجتمع المدني أنها تمثل إنتهاكاً صارخاً لحقوق المرأة ، وأنها حمولة من زمن مضى يجب التخلص منها .
كما شهدت الجلسة إستقالة رئيس اللجنة القانونية النائب مصطفى الخصاونة وعددٍ من أعضاء اللجنة في مفارقةٍ يتوقع مراقبون أن يكون لها تبعاتها على المشهد البرلماني ، الرحلة لإلغاء المادة ، التي كانت محل حراكٍ وصف بأنه مدني بإمتياز باتت جزءاً من الماضي ومرت بمراحل عدة.
الشعارات ...
" هن مش عرايس هن بنات مدارس" .. "انت ما بتحمي الشرف.. بتحمي الجاني" .. "المادة 308 وصمة عار في نظام العدالة الأردني" ، "وألغوا المادة 308"، بهذه الشعارات اشتعلت المعركة المستعره والحملات المننده التي أطلقها ناشطون ومنظمات حقوقية اعتراضا على اعفاء المغتصب من العقوبة في حال تزوج من الضحية ، حيث شهدت المملكة خلال الأيام القليلة الماضية تحشيدا شعبيا على جميع المستويات يدعو لإلغاء المادة 308 من قانون العقوبات بشكل نهائي ، وجاءت هذه الحملة تحمل شعارات عديدة لاظهار قسوة هذه المادة في قانون العقوبات ولم تسلم منصات السوشال ميديا من حمى هذه الحملات ، حيث تصدر وسم #الغاء_308 موقع تويتر خلال الـ 48 ساعة الماضية ، وهاشتاغ #الغاء_مادة308 على موقع الفيسبوك ... فما هي حقيقة المادة 308 ؟

نص المادة 308
1. إذا عقد زواج صحيح بين مرتكب إحدى الجرائم الواردة في هذا الفصل وبين المعتدى عليها أوقفت الملاحقة وإذا كان صدر حكم بالقضية علق تنفيذ العقاب الذي فرض على المحكوم عليه
2. تستعيد النيابة العامة حقها في ملاحقة الدعوى العمومية وفي تنفيذ العقوبة قبل انقضاء ثلاث سنوات على الجنحة وانقضاء خمس سنوات على الجناية اذا انتهى الزواج بطلاق المرأة دون سبب مشروع
3. لا يجوز استعمال الأسباب المخففة في جرائم الاعتداء على العرض الواردة في هذا الفصل إذا كان المجني عليه لم يكمل الثامنة عشرة من عمره عند وقوع الجريمة ، ذكرا . ً كان أو أنثى ، وكان الجاني قد أكمل الثامنة عشرة من عمره.
*للتنويه:- الجرائم الواردة في الفصل:الاغتصاب -هتك العرض-الخطف-الاغواء
-
الاسباب المخففه : تخفف لمصلحة الجاني كاسقاط الحق الشخصي ، وصف الجاني بانه المعيل الوحيد ، او ادعاء المرض وما الى ذلك .
رفض شعبي
موجة من الجدل لم تهدأ .. وتنديدات تجدَد وتُمدّد .. ومطالبات متتابعة بإلغاء المادة 308 أو تعديلها تتزايد حدة وتيرتها كلما أثيرت قضية متصلة تذكر المجتمع بها ، ويبرر رافضي هذه الجزئية من قانون العقوبات بأنها بمثابة هدية عباءة يواري المغتصب بها سوأته ،فيما تقدم له الضحية على طبق من ذهب !!
ومخاوف من أن تصبح هذه المادة من قانون العقوبات "رخصة " لكل من تسول له نفسه بالقيام بفعل الاغتصاب او هتك العرض ، او أن تتزايد الضغوط على الضحايا من قبل أسرهن وأقاربهن ، فيخضعن مجبرات ويقدمن أنفسهن قربانا بداعي "الشرف" .
وصوّر البعض تطبيق هذه المادة ؛ كمكافأة للمجرم ، فتقدم الضحية له ليمارس اغتصابها مرات عديدة تحت غطاء القانون والدين وبموافقة الأهل .
التعديل على مادة 308 من قانون العقوبات
في 17/4/2016 ، استقبلت الصحف خبر "الغاء المادة 308 من قانون العقوبات القاضية بتزويج المغتصب لضحيته" خلال مؤتمر صحفي لوزيري الدولة لشؤون الاعلام محمد المومني والعدل (السابق) بسام التلهوني عقد في رئاسة الوزراء.
وحظي هذا الخبر بترحيب منظمات حقوق المرأة ومنظمات المجتمع المدني ، الا أن عقبة جديدة لاحت في الافق ، حينما طالبت ذات المنظمات واللجان المعنية بحقوق المرأة والطفل ، بأن يتم الغاء الجزئية التي تجيز للمغتصب الزواج من المجني عليها في حالة "مواقعة قاصر بالرضا" ، متذرعين بعدم إمكانية الاعتداد برأي طفلة ما بين (15-18) عام .
تضامن
قالت الرئيسة التنفيذية لجمعية معهد تضامن النساء الأردني أسما خضر أن على جميع مؤسسات المجتمع المدني والحقوقي أن تكاتف وتكثف جهودها ومطالبها في سبيل الغاء المادة 308 من قانون العقوبات ،واصفة هذه المطالب بالضرورة المجتمعية لحماية الفتيات من الاستغلال ومن الذل والاهانه المترتبة بعد للحالات التي تطبق عليها هذه الماده
وأضافت أن القانون مرفوض بكل حالاته ولا يجوز تطبيقه سواء في حالة المواقعة جبرا ، أو المواقعة بالرضا" ، حيث ألمحت أن البعض يبرر القانون بذريعة حماية القاصرات اللواتي يقعن في شرك "المواقعه بالرضا" ، وعززت رفضها بأن الفتاة في عمر (15- 18) غير مؤهلة لأن تتخذ قرارا بالموافقة على مواقعتها دون زواج ، ودللت على ذلك ، باشتراط موافقة الولي في حالة سمح قاضي القضاة بتزويجها في هذا العمر .
وختمت كلامها بأن المطالب تتضمن الإلغاء الكامل وليس التعديل ، ولا أقل من ذلك .
الحملات والوقفات الاحتجاجية الأخيرة
ضجت منطقة العبدلي يوم الأحد 30/7 بوقفات احتجاجية أمام مجلس النواب تزامنا مع انعقاد الجلسة الصباحية للمجلس لمناقشة التعديلات على قانون العقوبات تبعها وقوف على شرفات المجلس .. اعتراضاً على قرار اللجنة القانونية النيابية والذي يتضمن عدم إلغاء المادة 308 من العقوبات والتي" تعفي المغتصب الذي يتزوج المغتصبة من العقوبة " ، وإبقاءها مع حصرها بثلاث حالات بعد أن كانت تطال حالات عديدة وردت في فصل كامل بقانون العقوبات، وآثرت الابقاء عليها دون شطب، موصية بتعديلها، حيث نص التعديل في القسم الأول: "إذا ابرم عقد زواج صحيح بين مرتكب الجرائم المنصوص عليها في المواد 294/1 و298/1 و304/1 من هذا الفصل والمعتدى عليها، اوقفت الملاحقة، وإذا كان قد صدر حكم بالدعوى، علق تنفيذ العقوبة التي فرضت على المحكومة عليه".
في القسم الثاني.. نصت على أن "يسري الحكم المنصوص عليه في الفقرة (1) من هذه المادة، إذا كان المعتدي انثى وكان المعتدى عليه ذكرا لم يكمل الثامنة عشرة من عمره"، أما في القسم الثالث فجاء النص "تستعيد النيابة العامة حقها بملاحقة الدعوى العمومية وتنفيذ العقوبة قبل انقضاء سبع سنوات على الجنحة وانقضاء عشر سنوات على الجناية، إذا انتهى الزواج بطلاق المرأة دون سبب مشروع، ويشمل ذلك طلب التفريق بسبب سوء معاملة الزوج".
"قانونية النواب"
على الضفة المقابلة ، كان للنائب مصطفى الخصاونة رئيس اللجنة القانونية في مجلس النواب رأي مخالف ، حيث وضح اهمية الفصل بين المواقعة جبرا والمواقعة بالرضا ، وأكد أنه في حالة المواقعة بالرضا سيكون القانون الذي يجيز الزواج حماية للفتاة وللطفل في حين حدث الحمل ، وقال أن اللجنة القانونية آثرت أن تتوافق والغاء المادة في حالة المواقعه بالاجبار وليس المواقعة بالرضا ، لما سينتج عن تطبيقها- في حالة الرضا- من تثبيت لنسب الطفل او منع جريمة أو حماية طفل من التمزق بين جمعيات الرعاية ، وختم حديثه بسؤال : ما مصير فتيات تم مواقعتهن بالرضا ولم يحدث زواج ؟؟
نقابة المحاميين
"زواج صُوَري" بهذه الكلمات استهل نقيب المحاميين السابق والنائب صالح العرموطي حديثه معلقا على "قانون الاستقواء على المرأة " كما يصفه ، فهو قانون يبيح انتهاك كرامة الانسان ويسلب المرأة حقوقها .
ويضيف العرموطي ، من يشجع العمل بهذا القانون كمن يشرع الرذيلة ، ويحمي المجرم ، يجب ان يتم تعطيله والغاءه فهو انتهاك مجتمعي قبل ان يكون انتهاك شخصي .
العرموطي رأى أن هذا القانون "مختل" ولا يحمل ابجديات القواعد القانونية ، واستعرض "اختلاله " ضمن حالات وقف امامها هذا القانون عاجز كخشبة ، في حالة ان تكون المغتصبه زوجة وام ، أو ان المغتصب كان له اربع زوجات ولا حل الا طلاق وتشريد احداهن ، إن تمت مواقعة الفتاه واغتصابها من قبل 3 او 4 اشخاص من الذي سيقع الخيار عليه لتكريمه باهداءه الفتاه مجانا .
عقد زواج "باطل"
"درء المفاسد أولى من جلب المصالح" ، توافقاً وهذه القاعدة الفقهية ، ارتأى الدكتور يوسف الشريفين ، الدكتور المتخصص في القضاء الشرعي في جامعة اليرموك ، أن الأولى أن نمنع المصيبه والمفسده من خلال تطبيق العقوبات الرادعه ، بدلا من التهاون في العقوبة وانفاد المجرم منها .
وعرج الشريفين على ذكر الزواج المنبثق عن تنفيذ المادة 308 ، بأنه زواج باطل ، وبرر بطلانه بفقده أهم ركيزة من ركائز عقد الزواج الصحيح وهي الرضا ، وهذا ما أكده قانون الاحوال الشخصية بند(32- ز) ، بأن عقد الزواج الذي لا يعتلي عرشه الرضا وقبول العاقدين هو عقد فاسد.
قانون أم جملة من القوانين
من جانبه قال المحامي الدكتور صخر الخصاونة ، أن الغاء هذه المادة خطوة ثانية ، حيث أن الخطوة الأولى وجوب إعادة النظر في جملة القوانين المتعلقة والمتوائمة والاحوال الشخصية قوانين الزواج المبكر وغيرها من القوانين المتعلقة بالمادة 308 بما ينضوي تحتها من مواد وتفصيلات.
والمح أنه ليس مع الغاء المادة 308 بالكامل ، لما تتيحه المادة من مخارج لبعض الحالات ،حيث أن الشواهد والدلائل تفيد بأنها ساعدت في النفاد من مشاكل عشائرية وعائلية وغيرها .
وقال ان نص المادة جوازي وليس وجوبي ، والقرار في نهاية الأمر يعود للقاضي الذي من مهامه تقييم المشكلة والحكم فيها بأقل الأضرار.
تفكك أسري
وجه الدكتور التربوي والأخصائي النفسي الدكتور خليل الزيود نداءه الى الأمهات والأباء باحتضان ابناءهم وتفهمهم ، واشباعهم من الناحية العاطفية والنفسية ، حي أن معظم الحالات التي تعمل معها كانت تنبثق وتنحدر من اسر مفككة ، من آباء لم يحضنوا بناتهم ابدا ، فكانوا فريسة سهلة لأحضان الذئاب البشرية .
وقال أن على الفتاة او الشاب ، قبل اقامة أي علاقة ، أن يمعن النظر بنتائجها بعد عدة سنوات ، فإن كانت ستفضي هذه العلاقات الى بناء أسر مترابطة ، متفهمه ، يغمرها الحب ، أم ستكون فقط قضاء وطر لحظي ونزوات وشهوات تنتج أسر مشوهه ومفككة وتتفاقم الكارثة ، وعلى الفتاة أن تختار بناء بيت زوجية حقيقي بفخر لا بخزي ، بعد أن تكون قد قررت هي بملئ إرادتها لا أن تقاد كالضحية ...
قراءة للقانون من منظور أخصائيي علم نفس
يؤكد الدكتور النفسي هشام غسان ذكر الله أن هذا القانون يعمق المشكلة من خلال ايجاد حلول سطحية بدلا من الحل الجذري ، كما يعرض "ضمنيا" الآلاف للاغتصاب لما يتضمنه من رسائل طاعنة في الخطورة ، عدم ردع كل من يحمل ميول جنسية شاذة وتشجيعة على القيام بالاغتصاب .
منوّهاً الى ضرورة عدم نسب العيب الى الفتاة المغتصبة ، واعطاء المجرم صك براءتها وحق منحها العفو من خلال الزواج بها "والستره عليها" ، كما أن الفتاة المغتصبة "شريفة" بالرغم من فقدها لعذريتها -رغما عنها-.
وعرج ذكر الله، الى وصف الحالة النفسية الضحية بعد الاغتصاب ، بما يسمى في علم النفس "اضطراب الفرد ما بعد الصدمة" ، حيث يعادل الألم النفسي للمغتصبة ما يعانية من ضحية زلزال أو حريق أو حادث مروع .
لا سيما ما يصاحبها من تكرار لمشاهد الواقعة ، في ذهن الضحية ، وسماع ذات الأصوات ، كمن يشاهد كوابيس ولكن في اليقظة ، فهل تستطيع من تعاني هكذا آلام أن تؤسس اسره سوية وأن تتقبل من تسبب بكل هذا المعاناة .
الشريعة الإسلامية" والكلمة الفصل"
أسامة النمر ، دكتور الشريعة في جامعة الزرقاء الحكومية ، أكد بأن الأصل في الشريعة الاسلامية أن لكل جريمة عقاب ، وإذا حكم القاضي بالعقوبة يجب أن تنفذ في سواء أن تم الزواج أو لا .
وألمح ان النص القانوني المشرَع ، له أبعاد مجتمعية خطيرة ويصنع تقاليد توجه المجرم للهروب من العقوبه وبحماية قانونية .
القرار الأخير ..
"الضحية" تنتصر
في هذه الأثناء .. وبعد المد والجزر بين التيارين المعارض والمساند للمادة 308 المثيرة الجدل يقر النواب بإلغاءهخا من القانون ، بشكل تام وينتصر للضحية ، ويجرم المذنب .
وبهذا القرار ينضم الاردن الى قائمة دول أجنبية وعدد من الدول العربية التي ألغت من تشريعاتها نصوصا تعفي الجاني من العقاب في حال تزوج من المجني عليها، ومنها: كوستاريكا عام ٢٠٠٧، بيرو ١٩٩٧، أوراغوي ٢٠٠٦ ، فرنسا ١٩٩٤ ، إيطاليا ١٩٨١، بالإضافة الى مصر ١٩٩٩ ، والمغرب عام ٢٠١٤.
والسؤال الذي يبقى مطروحاً هل يشكل إلغاء 308 بدايةً لمرحلة تشريعية جديدة يصفها البعض أنها تصحح المسار ويراها آخرون أنها لا تراعي الخصوصية الأردنية ... سؤال تجب عنه الأيام !!