اخبار البلد-
حسين الرواشدة
لكي نفهم الصورة اكثر , فان ما حدث جاء في سياق مشروع تنفذه امانة العاصمة مع بعض البلديات ومديرية الامن العام من اجل نشر كاميرات ورادارات لمراقبة السرعة في الطرقات التي تتعرض لحوادث او ازمات مرورية .
ولاننا لا نمتلك دراسات علمية حول جدوى وضع كاميرات في الحد من حوادث السير , او حتى في ردع السائقين عن تجاوز السرعات المسموحة , فان اي نقاش موضوعي حول المسألة سيظل في اطار تبادل الاراء والانطباعات , مع وجود حقيقة واضحة وهي ان بلدنا يحتل مراتب متقدمة في قائمة الدول الاكثر نسبة في حوادث السير , كما اننا شهدنا في الاشهر الماضية عشرات الحوادث التي راح ضحيتها مواطنون ابرياء(اخرها حادث باص الطلبة في المفرق الذي اودى بحياة اربعة اطفال) .
السؤال هنا : هل الهدف الاساسي من الكاميرات هو حماية ارواح المواطنين ام ان الهدف هو مخالفة السائقين وبالتالي جباية المزيد من الاموال , ثم هل تحقق المخالفة الردع المطلوب في غياب ثقافة راسخة لدى الناس بان احترام القانون الذي تمثله " الكاميرا " التزام وطني واخلاقي , وبان هذا الالتزام يجب ان يشمل الجميع , ويخدم الجميع ايضا .
تركيب الكاميرات جاء ايضا في سياق تكثيف المخالفات المرورية , مما ولد لدى الناس شعورا متصاعدا بالرفض لمثل هذه الاجراءات التي فهمت كنوع من " الجباية " ، كما انه جاء في سياق اخر وهو تزايد عدد الحوادث على الطرق الرئيسية ( كالطريق الصحراوي ) بسبب رداءة الطريق، هنا برز سؤال مهم وهو : ايهما اولى واهم اصلاح الطرق واعادة هندستها ام تركيب الكاميرات وفرض المزيد من المخالفات ؟.
لا شك بان عملية " الاعتداء " على الكاميرات كممتلكات عامة مرفوضة , ويجب ان يحاسب من قام بها , لكن هل تقتصر مثل هذه الاعتداءات على الكاميرات فقط ام انها تمتد الى العديد من المرافق والاموال العامة ؟ اذا كان الجواب نعم , فان السؤال : لماذا حدث ذلك , ثم كيف تعاملنا مع هؤلاء الذين اعتدوا على مرافقنا واموالنا العامة .
حين ندقق في الاسباب التي دفعت "الملثمين” المجهولين ( وهم من ابنائنا لا شك ) لتكسير الكاميرات او وضع الطلاء عليها او حجبها عن الرؤية سنجد ان ما فعلوه هو جزء من سلسلة " الانتقام " التي انتجت التطرف بكافة اشكاله , والتطرف بهذا المعنى ليس اكثر من " احتجاج " خارج سياق القانون , وبالتالي فان مواجهة " معالجته ان شئت " لا يجوز ان تقتصر على العقاب فقط , مع الحاجة اليه بالطبع , وانما لابد من البحث عن اسبابه وتشخيص دوافعه , لمعالجتها او محاصرتها على الاقل .
لقد تشكلت لدى اغلبية الناس ثقافة تحولت الى رأي عام وهو ان " المواطن " في خدمة الدولة وليس العكس , وبالتالي فان هدف القرارات التي تصدر- لا سيما التي تتعلق بحياة الناس اليومية - هو " تحصيل " المزيد من الاموال للخزينة , ولان مثل هذه القرارات ( الكاميرات مثلا ) لا يتم مشاركة الناس فيها , كما لا يستمع المسؤولون لاراء واحتجاجات الناس عليها , فان لجوء البعض من الشباب الى الاحتجاج عليها سيأخذ اشكالا اخرى كما رأينا , وهذا ما يجب ان نفكر به لحل المشكلة ، لان معاقبة هؤلاء او ردعهم لن يضع حلا لها , كما ان بقاء الكاميرات مع وجود هذه الثقافة لن يساهم بشكل فاعل في حل كوارث المرور وازماته .
من سوء حظنا وتقديرنا اننا نسأل بمرارة عن سر عبث غيرهم الشباب بالكاميرات ، لكننا لم نسأل قبل ذلك عن سر عبث غيرهم بحياتهم , سواء تحت عنوان الانتحار او المخدرات او جرائم القتل المروعة , كما اننا لم نسأل عن سر عبث اخرين " بالمال العام " او عن جرأة اخرين على تكسير نواميسنا الوطنية عبر شعارات تتردد على مدرجات الرياضة،او تصريحات نسمعها من بعض المنابر والصالونات .
ان المنطق الذي يحرك كل هؤلاء واحد وهو " التنفيس " عن مكبوتات , بقصد الانتقام تارة , والاستعراض تارة اخرى , والسبب غياب الثقة بين الناس ومسؤوليهم ، لكن الخاسر دائما هو المجتمع الذي بدأ يأكل نفسه بنفسه .