كتب الكاتب حسين الرواشدة - لم
يتحرك احد في بلدنا لكي يقول لنا بصراحة : لماذا يقدم هؤلاء المواطنون على
الانتحار , هل ضاقت بهم الحياة لكي يذهبوا الى الموت بحثا عن الراحة والخلاص , هل
يعانون من امراض نفسية تفقدهم القدرة على معرفة مصلحتهم في البقاء على قيد الحياة
؟ هل فعلوا ذلك حقا بانفسهم ام اننا كمجتمع دفعناهم الى هذاالمصير ؟
لدي
اجابة واحدة فقط , وهي ان هؤلاء الضحايا لم يفعلوا ذلك "ترفا” , فخيار الموت اصعب خيار يمكن ان يفكر به الانسان , اما الاجابات الاكثر
الدقة وتفضيلا والتي لم تصلنا للاسف فهي من مهمة الحكومة اولا , ومراصدنا
الاجتماعية ثانيا , ليس فقط لان لكل حالة انتحار ظروفها واسبابها , وانما لان
ظاهرة الانتحار اصبحت اخطر من ان نصمت عليها , كما وان صرخات المنتحرين دقت خزاننا
الاجتماعي , وربما السياسي ايضا .
ما
يهمني هو التذكير بضرورة الانصات للرسائل الصادمة الي تصلنا من المجتمع , وان كانت
صرخة الانتحار هي اقسى هذه الرسائل واخطرها واكثرها ألما ، فان ثمة رسائل اخرى لا تقل عنها اهمية , منها هذه
الجرائم التي تتصاعد داخل الاسرة الواحدة حيث يتجرأ الاباء على قتل ابنائهم او
الابناء على نحر اخواتهم وامهاتهم , ومنها جرائم المخدرات التي تغلغلت للاسف في
اوساط الشباب , خاصة في المدارس والجامعات ’, ومنها ارتداد بعض ابنائنا الى التطرف
باشكاله , ووقوعهم في مصائد المتطرفيين تحت اغراءات التدين المغشوش , او الهوى
المنفوش .
من
المفارقات هنا ان بلدنا في العام الماضي تبوأ المرتبة الاولى عربيا في معدلات " الطلاق
" كما ان الشباب الذين لم تسعفهم ظروف الحياة في الزواج او " خوف " الصبايا
اللواتي فاتهن قطار الزواج بعد ان تجازو بهن العمر , مازال غير مسموع, ولو قدر
لمؤسساتنا الرسمية والمدنية ان تخصص جزءا من موازنتها " لتزويج " الشباب لانتهينا
من هذه الظاهرة التي تمس امننا الاجتماعي في صميمة .
قراءة
هذه الرسائل او التقاطها مسالة مهمة , لكن الاهم من ذلك هو فك (شيفرتها ) والغازها
, بمعنى معرفة الاسباب والدوافع التي تقف وراءها , ورسم خرائطها كجرائم ونوازل
مستجدة على مجتمعنا , سواء من حيث هوية " ضحاياها " واعمارهم ومستوياتهم التعليمية
والاجتماعية والصحية, والاهم من ذلك تفكيك المجالات السياسية والاقتصادية والدينية
التي خرجت منها.
هنا
يجب ان نتوقف طويلا , فوراء هذه الصرخات , حتى لو كان ضحاياها من البسطاء او من
غير المعنيين بالسياسة , مشكلة في حركة السياسة ومشكلة في اوضاع الاقتصاد ومشكلة
في حالة التدين .
يحتاج
الامر بالطبع الى مزيد من التفصيل , فحين تتعطل عجلة السياسية او تتلوث مناخاتها
يشعر الناس بالاختناق ويفقدون الامل وتراودهم الهواجس والمخاوف من القادم , وحين
تتراجع الاوضاع الاقتصادية ويمد الفقر المقترن بغياب العدالة رأسه او يخرج لسانه
للناس , يبدأ هؤلاء بالتفكير بارتكاب (الخطأ) كرد على رسائل رداءة المعيشة , بعض الردود تتجه للشطارة وما يتبعها من نهب
وسرقة وفساد , وبعضها يتجه نحو الانتقام من الذات ومن المجتمع على حد سواء , اما
الردود الاخرى فتأخذ اشكالا مختلفة , لكنها تقع جميعها في مربع (الجرائم) التي يمكن للقانون ان يضبط اصحابها متلبسين بها
احيانا , او الاخرى التي لا يمكن ان يراها او يحاسب عليها احد .
بقي
المجال الديني , هذا الذي تعامل مع جريمة الانتحار من بوابة الحكم على النهايات , ولم
يسأل عن الاسباب التي دفعت هؤلاء للانتقام من انفسهم , صحيح ان الانتحار حرام شرعا
, لكن من واجب الديني ايضا ان يجيب على الاسئلة الاخرى المتعلقة بما يحدث في
المجتمع من زلازل وتحولات , هو بالطبع ليس المسؤول الوحيد عنها , ولكنه جزء من هذه
المسؤولية , ويجب ان يتحرك هذا الضمير الديني لكي يوقظ ضمائر السياسي والاقتصادي
والاجتماعي ليقوموا بدورهم المطلوب .
سيظل
سؤال : لماذا ينتحر هؤلاء ، معلقا في رقبة الحكومات والمؤسسات والمجتمع , لكن اخشى
ما اخشاه ان تتحول هذه الظاهرة المؤلمة الى وجبة يومية , كتلك الوجبات السريعة
التي نأكلها في مطاعم الغذاء او مطابخ الاعلام , وان نبقى متفرجين , نبتلع ما
يصلنا دون ان يتحرك فينا ساكن .